يكون المكان حاضرًا على أهلة، هل فكرت في مرة أن تسأل كتابًا مستعملاً عثرت عليه عن قصته، من قرأك وماذا فعل بكلامك، وكيف كنت له وأين ذهبت، أو فكرت أن تسأل قطعة أنتيكا عن حياتها، يا لوحة أجيبيني أين علقوك وماذا شاهدتِ؟ هل مر من أمامك عشاق، هل قبلها، كم خناقة حدثت أمامك، وماذا رأيتِ في حياتك المديدة، من صنعك وكيف؟، أو فكرت في سؤال مكان أكبر، حائط فرعوني أو تمثال من بناك، وماذا شاهدت، هل مر عليك حادث قتل، من خدشك هذا الخدش، هل هما حبيبة، ومن أي عصر، البطلمي؟ ماذا كانت ترتدي الفتاة؟ وماذا كان شكل الناس، أحيانًا تتساءل ماذا كان سيحدث لو سألنا جمادًا عما حدث، لو روى لنا المعبد من هدمه، لو حكى لنا المسجد من صلى فيه وما كانت أحواله، لو حكت لك الوسادة من جلس عليها، هذه أمنية بشرية كبيرة يتمناها الناس منذ القديم.

نرى في هذه الرواية العظيمة «جسر على نهر درينا» هذا الأمر؛ حيث يتتبع الكاتب صاحب جائزة نوبل العظيم إيفوا أندريتش تاريخ صربيا بسرد قصة جسر عظيمة يبدأ ببناء الجسر.

يصف الجسر في الرواية كالآتي: «إن طول الجسر يبلغ نحو مائتين وخمسين خطوة، وعرضة نحو عشر خطوات إلا أن في وسطه حيث يتوسع رصيفين متناظرين تمامًا، على جانبي الطريق الذي تسير عليه العجلات، فيتضاعف هناك عرضه. وهذا الجزء الذي يطلقون عليه اسم الكابيا، فالعمود المركزي الذي يتوسع في أعلاه، قد عزز هناك بإسناد من الجهتين فإليه يستند من شمال الطريق ومن يمينه رصيفان ينتصبان في الفضاء جريئين منسجمين فوق الماء الأخضر المصطخب. إن طول كل من الرصيفين نحو خمس أقدام، وكذلك عرضه، وهما محاطان بإفريز من حجر، كسائر الجسر طولاً، ولكنهما طليقان تمامًا بلا سقف. إن الرصيف الذي يقابلك على يمينك حين تأتي إلى المدينة يطلق عليه اسم الصوفا، وهو مرتفع درجتين، وقد أحيط بمقاعد جعلت أفريز الجسر ظاهرًا لها، كما أن الدرجتين والمقاعد والإفريز قد نحتت جميعًا، من حجر واحد ناصع. والرصيف الأيسر كالرصيف الأيمن، لكنه خال من المقاعد. وفي وسط الإفريز ينتصب جدار أعلى من قامة الإنسان تقوم على قمته مسلة من المرمر الأبيض نقشت عليها كتابة تركية غنية تؤرخ بثلاثة عشر بيتًا من الشعر اسم باني الجسر والسنة التي بني فيها، وفي أسفل الجدار ينبوع يسيل منة خيط رقيق من الماء يخرج من فم تنين من الحجر، وعلى هذا الرصيف أقام رجل يصنع القهوة، مع ركائه وأقداحه، وكانونه الدائم الاشتعال، وصبي يقدم القهوة للناس على الصوفا، تلك هي الكابيا.

إن الكابيا هي أهم موضع في الجسر، كما أن الجسر هو أهم موضع في المدينة، أو كما كتب سائح تركي أحسن أهل فيشيغراد معاملته، فكتب في يوميات رحلاته يقول: «الكابيا هي عندهم قلب الجسر، والجسر قلب المدينة التي يجب أن تظل في قلوب الجميع». إن الكابيا تدلنا على المهندسين القدماء التي تدلنا الحكايات أنهم صارعوا الجن وأنواعًا من الشياطين، واضطروا إلى أن يدفنوا طفلين من الأطفال الأحياء، لقد برهنوا على أنهم على جانب عظيم من الذكاء، حيث لم يعنوا بمتانة البناء وجماله فحسب، بل عنوا أيضًا بالفائدة وضروب الراحة التي ستجنيها منه الأجيال القادمة البعيدة. إننا إذا عرفنا الحياة التي يحياها أهل المدينة في الحاضر وفكرنا في الأمر تفكيرًا صحيحًا، اضطررنا إلى أن نعترف أن قليلاً من الناس، في بلاد البوسنة يمتلكون من فرص اللذة والمتعة ما يملكه على الكابيا كل ساكن من سكان فيشيغراد ولو كان آخرهم شأنًا.

أقيم بأمر الوزير الأكبر محمد باشا سوكولوفيتش المولود في قرية من قرى البوسنة قرب فيشيجراد، والذي اختطف طفلاً لتتم تربيته في تركيا ويصبح ضابطـًا كبيرًا ثم وزيرًا، فما كان من وسع أحد أن يهب كل ما لزم لبناء هذه المعجزة الحجرية الخالدة إلا أن يكون وزيرًا، لقد قام ببناء الجسر الذي سيكون الشاهد والراوي على أكثر من 300 سنة من تاريخ صربيا حتى الحرب العالمية الأولى راضي، المهندس المعماري الذي لا بد أنه عاش قرونًا حتى يتمكن من بناء تلك الأشياء العظيمة في أرض الصرب، لقد عطلت جنية الماء بناء الجسر، فكانت تهد ما يبني في النهار كل ليلة، لقد ارتفع صوت في أذن راضي، يأمره أن يأتي بتوأمين رضيعين، أخ وأخت يسميان ستويا وأوستويا، وأن يدفنهما في جدار أعمدة الجسر، بحث الجنود طويلاً، حتى وجدوهما، أخذوهما عنوة، ولكن أمهما لم تشأ حين أخذوهما أن تنفصل عنهما، استطاعت التسلل حتى وصلت للمهندس، لقد دفنهما في العمود الكبير، ورق قلبة للأم، فصنع لها فتحتين في العمود، كانت ترى منهما الطفلين وتبكي، الآن يعيش في الفتحتين الحمائم، وفي كل عام ينز العمود سائلاً أبيض ثخينًا، يقال إنه لبن الأم، تأخذه النساء من على العمود، وتجففه وتعطيه للأنثى التي جف لبنها، فيعود مرة أخرى.

يبدأ الكاتب بتلك الحكاية الشعبية سرد قصة الجسر ثم يعود بنا إلى زمن كان الألم هو الوجبة الرئيسية للشعب، فلم تنبثق الصورة الخاصة بهذا الجسر كالشهاب الساطع، لقد كان نهر درينا يتدفق هنا بين ضفتيه العاريتين المقفرتين الصخريتين الرمليتين وعليه رجل بقارب صغير ينقل الناس بين الضفتين، لا ينقلهم إلا عندما يكون ارتفاع التيار في الحالة الطبيعية. كان هذا شكل المكان الذي بني فيه الجسر. لقد وصلت قافلة من الجنود محملة على الضفة اليسرى من النهر كانت قد قامت للتو بجبي ما يسمى ضريبة الدم، لقد كانت هذه الضريبة مريعة، كانوا يخطفون الأطفال من حجور أمهاتهم، أطفل المسيحين بالأخص، ويتم شحنهم عبر هذه القوافل «على أفراس صغيرة يحمل كل فرس سلتين من الأغصان المضفورة في كل سلة طفل» إلى الدولة العثمانية؛ حيث يدربون كجنود أنكشاريين في جيش الإمبراطورية، لم تكن الأمهات تتركهم، كانوا يمشون وراءهم يبكون وينتحبون، يتوسلون للجنود، حتى تصل القافلة العسكرية وقافلة الأمهات الحزينة للنهر، يركب الجنود وتبقى الأمهات.

لا يتركنا الكاتب مع هذا الألم في وصفه القوي لهذا المشهد المرعب؛ حيث ينقلنا إلى مشهد بناء الجسر على يد عابد أغا الذي كان يسخر الناس للعمل بلا أجر ويستولي على أموالهم، والذي حين حاول أحد العمال التذمر وصنع ثورة بين العمال خزوقه عابد باشا بشكل مرعب، ووضع مقصلة لكل من سمعوه في أحد الأيام، لقد عرفت هذه الرواية في تاريخ الأدب بأنها قد وصف فيها مشهد الخازوق بحرفية شديدة، ولعلي أنقل لكم أول كلمة قالها عابد أغا في أول اجتماع له مع أهل فيشيغراد «لا أشك أن الإشاعات وصلتكم قبل أن أصل، وأني لأعرف أن هذه الإشاعات ليست بالجميلة أو السارة، لعلكم سمعتم أني أطلب العمل والطاعة من كل فرد وأني أضرب أو أقتل من لا يعمل كما ينبغي له أن يعمل، أو لا يطيع طاعة عمياء بلا جواب، وأني لا أفهم معنى «لا يمكن» أو «لا يوجد» وأنني أطيح بالرأس بسبب كلمة، أي أنني بإيجاز، رجلا متعطشا بالدماء شرير. إني لأحرص على أن أقول لكم إن هذه الإشاعات ليست من صنع الخيال، وليس فيها شيء من المبالغة. لقد حصلت هذه السمعة بخدمة الدولة على مدار سنين طويلة، وبتنفيذ أوامر الوزير الأكبر تنفيذًا أمينًا. وأني أريد بالاعتماد على الله. أن أنفذ هذا العمل الذي أرسلت من أجله، حتة إذا فرغت منه فذهبت كنت أرجو أن تكون الإشاعات التي تظل بعدي أشد حلكة وسوادًا من الإشاعات التي وصلت إليكم«.

يرينا إيفو بشيء من الشدة بناء الجسر وتنتهي مرحلة ببناء الجسر في 50 صفحة من الكتاب وهي ما تحدثت عنها هنا ببعض الإيضاح لأنها مرحلة الرواية الأساسية، إن الرواية تتبع تاريخ فيشيغراد بوضوح شديد بل انها من الممكن ان نقول انها اختزلت صربيا بالكامل بداخلها، فهي ملحمة صربيا الأولي، ستراها وجبة أدبية متخمة، أنا أعتبرها من أعظم الروايات التي مرت عليّ، وهناك مشهد في وسط الرواية عظيم أيضًا يجب أن أذكره في حديث عنها.

علي خجا صربي يرى أن العثمانيين عاثوا في الأرض فسادًا وبعد هروبهم النسبي «حيث بقي القليل منهم جدًّا» كان يحض الناس على مقاومة النمساويين الذين على وشك احتلال البلاد حتى تنال البلدة الاستقلال الذي يستحقه، لم يكن يثق أبدًا في حكم النمساويين الكفار، كان يحذر الناس منهم، ومن الخراب الملحق لحكمهم، ولم يسمع له الناس بل مع الحاجة قاموا بمسمرة أذنه في الجسر العظيم، ونرى مشهدًا قويًا أثناء دخول الجيش النمساوي البلاد وفك مسمار علي خجا من على أذنه وأسعفه ونراه وهو لا يعرف هل يضرب الجندي أم يشكره، لقد ارتبطت الرواية من تلك الصفحات بعلي خجا، ولم تتركه، كان دائمًا الرأي المخالف، وكان الناس يرونه دائمًا على خطأ لذلك لم تتركه القصة حيث انتهى دور الجسر في الحرب العالمية الثانية، بل تركته حين مات في آخر سطر في الرواية وفي آخر الرواية، أثناء لفظ علي أنفاسه يقول عن النمساويين الذي لم يعرف ما يقول لهم.

»الآن يرى الإنسان فيما كانت كل تلك الأجهزة والآلات كلها، فيما كان الإسراع كله وهذا النشاط كله «لقد كان دائمًا على حق في أمر من الأمور، وضد كل الناس، إلا أن العصمة من الخطأ أصبحت الآن لا تملأ نفسه بالرضا. لأنه أول مرة يحفل بهذه الحقيقة: إنه على حق». لقد ظل يراهم في هذا العدد من السنين على الجسر يعملون فيه: نظفوه، وزينوه، وأصلحوا أساسه، ومدوا فيه أنابيب الماء، وأقاموا عليه مصابيح الكهرباء، ثم نسفوا ذلك في الهواء ذات يوم، كأنهم ينسفون صخرة فوق الجبل، لا مبنى خيريًا جميلاً، الآن يرى المرء ماذا كانوا، وماذا كانوا يريدون، لقد عرف هو ذلك منذ أول الأمر، غير أن أغبى غبي يستطيع الآن أن يراه. لقد حطموا شيئًا هو من سائر الأشياء أقواها وأبقاها وسلبوا ما هو لله، وليس يدري أحد أين سيتوقفون. حتي جسر الوزير أخذ ينفرط كما ينفرط عقدًا من اللؤلؤ، والأمر متى بدأ لم يستطع أحد أن يوقه.

لا يكتفي الكاتب بمثل تلك الحكايات فهو يغزل كمغزل حائكة قصصًا شعبية تراثسة في غاية الجمال، قصصًا بانورامية على كل الأحداث المهمة في تلك الفترة حتى يتثنى لنا أن نرى منها فشيغراد، يجعلك الكاتب تقرأ وترى وتشعر، ولذلك تحس بالمكان كما أنك ولدت فيه و كما لو زرته، كما لو مسمرت أذنك ووضعت على الخازوق وفتك بظهرك من السياط وصممت من صوت القنابل، أو كما لو ركبت جوادا وراء المحبة، أو شربت القهوة على الجسر، أو تنزهت حولة وتشممت عبق نهر درينا العظيم، إنها أفضل رواية تاريخية مرت على ولاندريتش العظيم، أخلع لك قبعتي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد