الحرب في اليمن توصف بأنها “طائفية – عرقية – جهوية”. فالحوثيون الشيعة الذين تمردوا على السلطات الحكومية في اليمن في العام 2004م وخاضوا ستة حروب ضد الجيش اليمني في صنعاء, قاتلوا تحت عنوان طائفي, حيث عمدوا إلى طرد طلبة علم سلفيين من بلدة دماج في صعدة, قبل أن يتوغلوا في مدن اليمن الشمالي الزيدي, رغم المقاومة المحدودة.

 

 
عقب سيطرتهم على العاصمة اليمنية في الـ21 من سبتمبر أيلول 2014م, شهد أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء معارك بالأيدي والأرجل بين الموالين للحوثيين الزيود والشوافع اليمنيين المنتمين إلى محافظة تعز, ووصف هذا العراك بالعراك العرقي, وهو ما أثار مخاوف الكثيرين في اليمن من التحول من صراع بالأيدي والأرجل إلى صراع بالأسلحة, لكن سرعان ما انتهى أو تلاشى هذا الصراع عقب تمكن الجماعة الشيعية، مسنودة من قوات الرئيس المعزول؛ من احتلال مدن شافعية في الوسط, الذي قال في تصريحات وجهها للشماليين بأن المعركة التي كان يستعد لخوضها ضد الجنوبيين هي حرب للدفاع عن الوحدة اليمنية التي تمت في مطلع تسعينيات القرن الماضي, ضد الجنوبيين الذين ينادون باستعادة دولتهم السابقة التي قضى عليها صالح بالحرب, وهي ما اعتبرت بأنها حرب جهوية (بين الشمال والجنوب).

*شوافع يقاتلون إلى جانب الشيعة

في العاشر من أغسطس تموز 2015م, كانت المواجهات على أشدها بين المقاومة الجنوبية من طرف, ومليشيات الحوثي وقوات صالح من الطرف الآخر في الضواحي الشرقية لبلدة لودر بأبين, وبعد ساعات من القتال الشرس, وتحديدًا عند العاشرة و30 دقيقة بتوقيت عدن, تمكنت المقاومة الجنوبية من السيطرة على موقع جبل الجيف شرق لودر, كان يحتله الحوثيون وقوات المخلوع بعد مقتل وجرح أغلب عناصر تلك المليشيات وانسحاب آخرين باستثناء أحد المقاتلين, الذي ذهب يسير ناحية رجال المقاومة وهو رافع لسلاحه الشخصي بكلتا يديه فوق رأسه, وهو ينادي على رجال المقاومة بالقول “أنا أخوكم شافعي من تعز, لست من صعدة, أنا من تعز, لا تقتلوني”؛ لم يكن ذلك مستغربًا أن يقاتل في صفوف الحوثيين “الشيعة” مقاتلون من الشوافع اليمنيين “السنة”, على الرغم من أن الحرب في اليمن هي حرب طائفية بين الشيعة الممولين من طهران والشوافع اليمنيين, فقد سبق ذلك اعتقال 20 مقاتلا ينتمون إلى محافظتي تعز وإب المحاذية لليمن الجنوبي, وهو ما أثار حفيظة وغضب الجنوبيين.

 

 

 
الخميس 30 يوليو تموز 2015م عقب أيام من تحرير مدينة عدن, اعتقلت المقاومة الجنوبية 20 مقاتلا كانوا على متن حافلة قادمة من محافظة إب اليمنية في طريقها إلى عدن عبر محافظة أبيضاء أبين.

 

وقالت المقاومة الجنوبية حينها “إن الحافلة التي أقلت المقاتلين, تم إيقافها ببلدة الحضن أسفل جبل ثرة غرب لودر, واعترف الذين كانوا على متنها أنهم كانوا في طريقهم إلى عدن لمساندة ميلشيا الحوثي وأن غالبيتهم من محافظتي إب وتعز، وأنهم جندوا باعتبارهم لجانًا شعبية موالية للحوثيين”.

لم تكن مشاركة مقاتلين من تعز وإب في صفوف الحوثيين وحدها ما أثار غضب الجنوبيين, فالحوثيون الذين اجتاحوا العاصمة الجنوبية عدن بمساندة قوات صالح, مروا عبر محافظتي إب وتعز دون أي مقاومة تذكر, عدا تظاهرات سلمية محدودة لناشطين مدنيين في تعز تعرضت للقمع وقتل وجرح عدد منهم حينها.
لم يبرر الكثير من أبناء تعز وإب مشاركة عناصر منهم في القتال إلى جانب المليشيات الشيعية, بل إنهم نشروا صورًا وأسماء لضباط من تعز قالوا أنهم يقاتلون في صفوف القوات الموالية للرئيس المعزول.

*معركة باب المندب بداية رسم خارطة جديدة

في الثاني من أكتوبر تشرين الأول 2015م , تمكنت المقاومة الجنوبية مسنودة من قوات التحالف العربي من دحر المليشيات الحوثية والقوات التابعة للرئيس المعزول ناحية بلدات في تعز اليمنية، التي لا تزال مسرحًا لعمليات طائرات التحالف العربي, أما المقاومة اليمنية التي يتزعمها الإخوان المسلمون, في محافظة تعز اليمنية “كبرى مدن اليمن الشمالي ذات الأكثرية السكانية” (أكثر من 5 ملايين نسمة), فقد فشلت في تحقيق أي تقدم رغم الدعم اللوجستي الذي قدمه التحالف العشري للمقاومة هناك، والمتمثل في الإنزال اليومي للسلاح النوعي لمواجهة مليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبدالله صالح التي تحتل تعز منذ مارس الماضي, وهو ما دفع قائدها حمود سعيد المخلافي إلى الاستنجاد بالمقاومة الجنوبية لتحرير المدينة التي فشل في تحريرها، رغم حديثه عن قيادته لمقاومة تتكون من 4 آلاف مقاتل, لتكون معركة باب المندب بداية رسم خارطة جديدة لتحرير اليمن الشمالي من قبضة الحوثيين وقوات الرئيس المعزول علي عبدالله صالح بقيادة دول التحالف.

*تعز قبل الحرب

في التاسع من مارس آذار، اجتمع الرئيس اليمني المعزول علي عبدالله صالح بشخصيات من محافظة تعز اليمنية, وألقى خطابًا شهيرًا توعد فيه باجتياح الجنوب وطرد من وصفهم بالمهرولين إلى عدن؛ في إشارة إلى الرئيس هادي الذي تمكن من الخروج من صنعاء العاصمة اليمنية إلى عدن في الحادي والعشرين من أبريل 2015م.

وقال صالح حينها أنه سوف يطرد المسؤولين الجنوبيين عبر البحر الأحمر كمنفذ وحيد, بعد ما أتاح للبعض في حرب صيف 1994م الخروج من ثلاثة منافذ.
وتباهى الرئيس – الذي تم عزله في العام 2012م عقب ثورة شعبية عارمة شهدها اليمن بالتزامن مع ثورات الربيع العربي – بالانتصار الذي تحقق على اليمنيين الجنوبيين في حرب صيف 1994م.

وقال صالح الذي تم عزله إبان ثورات الربيع العربي: “الوحدة باقية, أنا أنصح أولئك المهرولين الذين يهرولون إلى عدن مثلما هرولوا في عام 94 إلى عدن ليركضوا بعد الانفصاليين, ولكن الانفصاليين هربوا كما حددت لهم من ثلاثة منافذ, منفذ الشرورة, منفذ المهرة, منفذ جيبوتي البحر الأحمر, هؤلاء ليس معهم أين ينفذون, أن هذه المرة أو هذه الكرة لن يحصلوا على هذه المنافذ, منفذ واحد هو البحر الأحمر في اتجاه جيبوتي “. أعتقد أن المعزول أراد في خطابه حينها تجييش كل اليمن الشمالي للمشاركة في الحرب على الجنوب التي كان يحضر لها صالح بالتحالف مع الحوثيين الشيعة, كما حصل في أبريل من العام 1994م , حينما جيش كل اليمن الشمالي وعناصر تنظيم القاعدة ضد الجنوب, وربما نجح صالح إلى حد ما في ذلك, بعد ما أقنع بعض اليمنيين الشماليين بأن حربه ضد الجنوب ستكون دفاعا عن الوحدة، في حين أقنع البعض الآخر بالترغيب والترهيب, على عكس زعيم الحوثيين الشيعة عبدالملك الحوثي الذي حشد ميلشياته ضد الجنوب بهدف أن الجنوبيين متطرفون وإرهابيون ودواعش.

وقد كان لزامًا على الحوثيين وزعيمهم أن يقنعوا الرأي العام أن اجتياحهم للجنوب يأتي بهدف محاربة داعش, وهو ما تم في العشرين من مارس، حيث تم تفجير مسجدي البدر والحشوش في العاصمة اليمنية صنعاء, ليظهر عقبها زعيم الحوثيين يهدد ويتوعد بمحاربة داعش في الجنوب, في حين أن التفجيرات التي حصلت في صنعاء, وتم الكشف عن هوية الانتحاريين الذين فجروا أنفسهم في المسجدين “وهم يمنيون شماليون” وليسوا من الجنوب, لكن عبدالملك الحوثي, توعد باجتياح عدن لمحاربة داعش في الجنوب! وتم وصف الجنوبيين ورجال المقاومة الجنوبية بأنهم دواعش.

وفي العشرين من مارس آذار 2015م, دخلت قوات موالية للرئيس المعزول علي عبدالله صالح وعناصر من مليشيات الحوثي مدينة تعز دون أي مقاومة مسلحة, باستثناء تظاهرات شبابية شهدتها المدينة وتعرضت للقمع من قبل قوات صالح, أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المتظاهرين.

 

وفي الرابع والعشرين من مارس آذار، تحركت قوات صالح ومليشيات الحوثيين نحو الجنوب وتحديدًا إلى الشريط الحدودي السابق في بلدة كرش, قبل أن تتمكن من السيطرة على معسكر لبوزة وسقوط قاعدة العند، بخيانة من داخلها تسببت في اعتقال وزير الدفاع اللواء الركن محمود الصبيحي واللواء ناصر منصور هادي (شقيق الرئيس هادي) واللواء الركن فيصل رجب.

 

 

وقد أحدث اعتقال القيادات العسكرية في العند إرباكًا في صفوف الجنوبيين الذين كانوا يتوافدون إلى العند للدفاع عن عدن, لكن القوات التابعة لصالح تمكنت من التوغل والسيطرة صوب عدن العاصمة التي شهدت معارك ضارية، قبل أن تدخل قوات التحالف العربي بشن غارات جوية على العاصمة اليمنية صنعاء لتحييد الطائرات اليمنية المقاتلة وتدمير الصواريخ التي استولى عليها الحوثيون في صنعاء.

وبعد مرور 11 يومًا على عاصفة الحزم (التدخل العربي) أعلن الإخوان المسلمون – الذين كانوا قد عقدوا اجتماعات مع صالح وزعيم الحوثيين لوقف الاقتتال الذي كان دائرًا بينهم في اليمن الشمالي، عقب هزيمتهم في معركة يوليو تموز 2014م في بلدة عمران القريبة من صنعاء العاصمة – تأييدهم للتدخل العربي الداعم للشرعية ببيان سياسي صادر عن قيادة الحزب الإسلامي.

واستمر القتال لأكثر من شهر ونصف، كان فيه الحوثيون وقوات صالح قد توغلوا في حي المعلا وسط عدن, مع اشتداد المعارك في محيط الميناء وصوامع الغلال التي يمتلكها رجل الأعمال اليمني هائل سعيد أنعم، مما تسبب في إلحاق أضرار كبيرة فيها, هذا التدمير لاستثمارات هائل سعيد أنعم دفع القيادي في جماعة الإخوان والمنتمي إلى تعز حمود المخلافي, للحديث عن تجهيز ألف مقاتل لتحرير عدن من مليشيات الحوثي وقوات المخلوع, وهذه التصريحات أثارت غضب الجنوبيين الذين طالبوا المخلافي بتحرير تعز المحتلة من الحوثيين, ليدشن معركته ضد الحوثيين في تعز. وعلى الرغم من الدعم اللوجستي الذي قدمه التحالف للمقاومة في تعز، إلا أنها لم تحقق أي انتصارات تذكر. بل إن الحرب تسببت في مقتل وجرح المئات من المدنيين.

*تعز – هل تكون جسرًا آخر لتحرير اليمن الشمالي

يبدو أن هناك بوادر أمل لتحرير تعز من قبضة الحوثيين وقوات صالح, بعد أن تم الدفع بالمقاومة الجنوبية لتحرير باب المندب وخوض معارك على تخوم جبال الوازعية التابعة لتعز, لكن قد تطول الحرب هناك, فالكثير في تعز يبحث عن المكاسب المادية حيث كانت الحرب من منظور تكسب كأكبر وسيلة لتحقيق مكاسب مالية, فالسلاح والدعم المالي سوف يتدفق على تعز طالما استمرت الحرب، وتحرير تعز يعني توقف أي دعم مادي أو عسكري لما تصف نفسها بالمقاومة الشعبية اليمنية.

التحالف العربي لديه إستراتيجية قصم الظهر, والمتمثلة في التوغل ناحية صنعاء العاصمة, وهو ما يعني أن الحوثيين وقوات صالح سوف ينسحبون من تعز وإب والبيضاء للدفاع عن صنعاء. هذا خيار، والثاني هو أن تتوغل المقاومة الجنوبية في الأراضي الشمالية لتحرير تعز وإب والانطلاق في محور جنوبي لصنعاء ناحية إب وذمار، لمشاغلة قوات العدو من الجهة الجنوبية والشرقية لصنعاء عبر جبهتين.

*إستراتيجية حزب الإخوان اليمني

حزب الإخوان اليمني الذي يتحكم في المقاومة الشعبية بتعز وإب يبدو أن له إستراتيجية خاصة به بعيدًا عن إستراتيجية قوات التحالف, فقياداته وجهت لها اتهامات بأنها ترسم إحداثيات خاطئة لطيران التحالف العربي لاستهداف المدنيين، ومن ثم لإدانة قوات التحالف بارتكاب مجازر ضد المدنيين, كنوع من الابتزاز السياسي للقبول بالشروط التي يطرحها الإخوان لخوض حرب حقيقية من بينها إقناع الجنوبيين بضرورة بقاء الوحدة اليمنية, وهو ما يبدو مستحيلًا, في ظل التأكيدات الجنوبية على تمسكهم بخيار الاستقلال عن صنعاء, فأعلام دولة الجنوب التي ترفرف فوق العربات والدبابات بشكل كبير منذ بدء العدوان الثاني على الجنوب, باتت تزيد من مخاوف إخوان اليمن.

إطالة أمد الحرب في مصلحة الإخوان؛ فالدعم العسكري والمالي سوف يستمر ما لم يحصلوا على ضمانات حقيقة لبقاء الوحدة اليمنية رغم قبول الجماعة الإسلامية بحق تقرير المصير في أكتوبر من العام 2014م.

الحرب في اليمن الشمالي – وفقا لشروط الإخوان – قد تطول، وتعز من الصعب أن تكون بوابة أو جسرَ عبور آخر لتحرير المحافظات اليمنية الشمالية من قبل الحوثي وقوات المخلوع صالح، لكنها لا تزال تمثل بوابة كبرى من خلالها ولجت ولا تزال المليشيات الحوثية وقوات المخلوع إلى مناطق التماس الملتهبة، مشكلة أرضية وطيدة وحاضنة مسالمة وداعمة في بعض الأحيان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد