سد الأحلام الإثيوبية هو ذلك المشروع الذي ظل ينتظره كل الإثيوبيين منذ أمد بعيد ليحقق لهم أحلامهم التي باتت قريبة جدًا،وهذا الحلم معناه أن يتم ترويض الأزرق العنيد، ذلك الشريان الذي ظل يتمرد لقرون، دون أن يستفيد منه الإثيوبي، وظل يغني له بأجمل ما ضمت اللغة الأمهرية من كلمات، وقف الإزماري (الفنان الإثيوبي الشعبي المتجول الذي يحمل آلة الماسنقو) يناشد ذلك المتمرد بكلمة (طقر اباي)، وفي إثيوبيا لا يطلقون على النيل الأزرق صفة الأزرق، بل صفة الأسود، لا أدري هل جاء هذا الاسم من كونه لم يقدم لهم أي فوائد خلال الحقب السابقة؟ أم لأنهم يتغنون له دون أن يجنوا منه شيئًا يذكر؟ إنه الأزرق العنيد، ذلك المارد الذي عرف أن الشعوب الإثيوبية ستقوم يومًا ما بترويضه من أجل تحقيق تنمية لها وللشعوب المجاورة لها.

مازالت الشعوب الإثيوبية في انتظار حتى يكتمل هذا الصرح الكبير، ويحقق لها ما تهدف إليه، وقدمت الغالي والرخيص من أجله، قدم الفلاح والعامل والتاجر والطالب كل ما يملك وتقاسم أملاكه مع منصرفات تنمية هذا الصرح الكبير، من أجل أن يرى أبناؤه غدًا أفضل، من أجل أن ينعم أحفاده بالمستقبل القريب، من أجل أن لا يعاني أبناؤه غدًا مثل ما عانى هو في السابق، في ظل الفقر والحروب التي حاصرته وأفقدته الخير والاستقرار والتنمية، وإصرار الإثيوبيين ينبع من الحلم والوعد الذي قطعوه على قائدهم الراحل ملس، والذي كان يوضح لهم كيف سيبني هذا الصرح الكبير، وكلماته التي مازالت تتردد في أذن كل إثيوبي وهو يتحدث بكلماته (ممولو السد نحن، مهندسو السد نحن، بنائو السد نحن)، تلك الكلمات التي لا أعتقد أن أي إثيوبي سوف ينساها، هي التي جعلت الشعوب الإثيوبية تتكاتف من أجل إكمال هذا السد بحر مالها، وتقديم الغالي والرخيص من أجل غد أفضل.

اباي.. اباي

هذه الكلمة لم يكن يعرفها كل الإثيوبين، بل كانت في أجزاء من البلاد، وخاصة أنه يتواجد في الشمال الإثيوبي، ويتجه إلى ناحية الشمال الغربي، مخترقًا الحدود الإثيوبية الى دولة السودان المجاورة، ولكن عقب وضع حجر الاساس لسد النهضة الإثيوبي لم يتوقف على تمويله الإثيوبي الذي في الشمال فقط، بل قام العفري والصومالى الإثيوبي والشخص الذي في تقراي وبني شنقول وقامبيلا وأوروميا، وحتى المجاورين لنا من إخوتنا في السودان بتمويل هذا السد والإسهام في وضع بصمتهم عليه، وذلك من خلال تقديم ما يملكون حتى ينتهي سد الأحلام الإثيوبي، ويصبح قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء ويحقق لتلك الشعوب طموحها ونهضتها، التي ستكون نهضة لكل دول المنطقة اباي كما تغنينا له، وكما أنشدنا له نحن والآخرون، كان كلافتي المدلل يأخذ ولا يعطي.. يتمرد ولاينصاع.. ويمشي دون توقف.. يترنح دون أن يعرف من يستحق أن يستفيد منه.. ها هي السنوات التي مرت من عمر بدء البناء فيه لهذا الصرح الكبير، والتي اقتربت من السبع سنوات، والجميع ينتظرونه بفارق الصبر وتك الفترات توضح أنه حان الوقت لأن يكون مشتركا في خدمة الشعوب التي توجد على شطيك.

سد النهضة مرجعية الخلاف

هذا السد أجج العديد من الصراعات في المنطقة، وما بين معارض ومؤيد كانت حالة الشعوب التي توجست منه، وكانت تراه كالظلام الذي سوف يعم على بعض الشعوب، وببركة سد النهضة خرج وتمرد وتكاتف وتعاضد البعض على البعض. بركاتك يا سد الأحلام! ما بين الشهرة وتعريف العالم عن عزيمة الإثيوبيين، وإصرارهم لتحقيق نهضتهم وتكاتف الشعوب الإثيوبية من أجل التنمية الإثيوبية، وعكس كل ما هو في الداخل! شيء جميل جدًا جدًا.

من كان لا يعرف إثيوبيا، الآن أصبح يتابع أحداثها وسياستها وتحركاتها ونهضتها، ومن هي إثيوبيا والهضبة وبمختلف المعاني والمفاهيم ولماذا؟ وكيف؟ وأين؟ ومن هم الأرومو ؟ ومن هم والتقراي والأمهرا وجنوب شعوب إثيوبيا، ولماذا استقال رئيس الوزراء الإثيوبي وكيف تعمل الجبهة الديمقراطية للشعوب الشعوب الإثيوبية، وأين توجد وتتحرك المعارضة الإثيوبية كل هذا عقب ظهور سد النهضة على خارطة المنطقة.

أصبح يتعابنا المحللون والخبراء، ويتحدثون بما في الداخل الإثيوبي، وباتت كبرى القنوات الفضائية التي كانت تذكر إثيوبيا في الحروب فقط، ولا تتحدث عنها إلا في القمم الإفريقية وخلال زيارة الوفود الرسمية لدولها الآن تهتم بإثيوبيا.

يظل السد أحد أهم أسباب التحديات التي تواجه البلاد، وأحد أهم المشاريع القومية للشعوب الأثيوبية، التي تحدت كل الظروف لإكماله من أجل تنمية البلاد.

سد النهضة

سد النهضة الإثيوبي العظيم، يقع على مجرى النيل الأزرق في غرب إثيوبيا في منطقة تسمي قوبا، في إقليم بني شنقول قمز الإثيوبي في غرب البلاد، وعلى بعد 20 كيلو متر من الحدود الإثيوبية السودانية، على مسافة ٨٦٥ كلم غرب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، والهدف من المشروع توليد الطاقة الكهرومائية، والتي تقدر بـ ٦45 ميجاواط لتفعيل مشاريع التنمية الإثيوبية.

لمحات في مسيرة سد النهضة الإثيوبي

يعتبر سد النهضة الاثيوبي العظيم من أكبر المشاريع التنموية الإثيوبية في أفريقيا، لتوليد الطاقة الكهرومائية والعاشر في العالم بدأته الحكومات الإثيوبية السابقة كحلم، والتي كانت لها أحلام لترويض النيل الأزرق، وذلك ببناء سد على مجراه، ولكن هذا الحلم الإثيوبي لم يتحقق إلا في عهد حكومة الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (الحزب الحاكم)، والتي بدأت فعليًا في وضع خطط رسمية لبناء هذا السد قبل أكثر من سبعة أعوام، وكان يرمز له في البدء في بداية التنفيذ بمشروع (x)، وبعد أن فكرت جليًا الحكومة في بنائه أسمته بسد الألفية الإثيوبي، ووضع حجر الأساس في شهر أبريل (نيسان) من العام 2011، وقام رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي بتدشين بداية العمل فيه، الشي الذي فاجأ العالم، وكانت الميزاينة الموضوعة له هي حوالي 5 مليار دولار أمريكي، فلم توفق إثيوبيا في توفير تمويل لهذا السد؛ فكانت هنالك محاولات خارجية لإعاقة إثيوبيا في إيجاد دعم من البنك الدولي، وبعض الجهات المانحة، فلجأت الحكومة الإثيوبية إلى أساليب أخرى، فكانت هنالك نداءات بأن يعتبر هذا المشروع كمشروع تحد إثيوبي، يتم تمويله من النفقة الخاصة للشعوب الإثيوبية، وبجهود للقوميات الإثيوبية، فقدمت الشعوب الإثيوبية دعمًا لهذا السد، في البدء كانت التجربة تقديم مرتب شهر في العام الأول، وقامت أيضًا بشراء سندات دعم السد، وقدمت برامج أخرى لتمويل سد النهضة، وبدأ البناء، وهنالك مشاريع وضعت في حالة عدم توفر المال، وهي طبع ورق اليناصيب لتوفير ميزانية إضافية وبيعها للمواطنين، وقد حققت مبالغ مبالغ كبيرة تقدر بـ10 مليار بر إثيوبي في العام 2016، تم تغيير مجري النيل الأزرق بهدف بدء بعض الأعمال الداخلية للأعمدة والأعمال الخرسانية، الشي الذي أثار حفيظة بعض الجهات، وأجج التصعيد الإعلامي ما بين القاهرة وأديس أبابا، وبدأ العمل يسير بصورة متواصلة على مدار الأعوام الماضية في تواصل، وها هو العام السابع يمر على العمل في بناء السد.

الشمعة السابعة

مرت سبعة أعوام دون أن يكل المواطن الإثيوبي، ولم ينفد صبره، وهو يمول، ويدعم، وينتظر هذا الصرح العملاق، الذي يضع عليه كل آماله من أجل غد أفضل، الشمعة السابعة سيتم الاحتفال بها خلال هذا الشهر، والتي تأتي والبلاد تشهد تحولات سياسية واقتصادية كبيرة، وتحديات يعتقد البعض أنها كما لم يقف في طريقها شيء، فلن يقف في طريقها أي تصعيد مهما كان حجمه ونوعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد