هل تساءلت يومًا لماذا يجب على الإنسان أن يصير أبًا أو أمًا؟ لماذا – بكامل رغبته – يختار أن يتحمل مسؤلية أبناء على عاتقه – وإن لم يكن كذلك مع نفسه – ويضع نفسه عرضة لمشاعر الخوف والقلق المفرط، وغيرها من التفاصيل الكثير وصفها، فتجد المقبلون علي الزواج يهيئون غرفة كاملة ومناسبة لأطفالهم مستقبلًا، ويتناسون تهيئة أنفسهم لكي يصيروا آباء، أو يصرن أمهات! يتناسون الإجابة عن هذه الأسئلة، ربما وجدوا الأمر شاقًا عليهم فتراجعوا، أو أدركو أنه أعقد الأمور في الحياة، وأنه أكبر وأعقد كثيرًا، بل أثمن من الغرفة، والأدوات، والملبس وغيرها من الماديات الفارهة.

تتحدث جوليا ليثكوت على إحدى منصات «TED»، عن كيف يمكنك أن تنشئ أطفالًا ناجحين دون الداعي لأن تملك أبوة، أو أن تملكي أمومة مفرطة، وكأنها بحديثها ذلك تجيب عن أهم وأخطر الأسئلة عن كونك أبًا، أو كونك أمًا، وفي اعتقادي أنها تناولت أدق وأصدق الحقائق، وهي أن الآباء دائمًا ما يدفعون بأبنائهم إلى المثالية المفرطة! ففي البداية يقضون سنوات في اختيار المدرسة الأفضل، ثم الفصل الأفضل، ثم الدرجة الأعلى، ثم المجموع المشهود، انتهاءًا بالكلية القمة، ومرورًا بكل هذا، ينسون الأمر الأهم، الأمر الذي يلاحقهم عاجلًا، وهو أنه كان يتوجب عليهم معاملة أبنائهم على أنهم بشر، وليسوا نسخًا تعكس أخطاءهم، ولكن بنموذجها الصحيح المعدَل! نسوا أنهم ليسوا تجارب أداء، وأن أُبوتهم لا تمنحهم الحق في امتلاك أبنائهم أو تعريف أنفسهم من خلالهم!

نسبة ليست بقليلة من الرجال، يقبلون على الزواج ليتحملوا مسؤلية حياة مستقلة، والأهم أشخاصًا تابعين له كزوجته وأطفاله، ولكن تبين أن لتلك المسؤلية تبعات أخرى يفضلها الرجال، وهي شعوره بأن دوره عظيم، وأنه ليس له بديل، وهذا كافٍ ليمنحهم لذة الانتصار، ويدفعهم – أحيانًا – للسيطرة، لأنه الأعرف، الأقوى وبطل القصة، والنساء أيضًا لسن معصومات من تلك التبعات، خاصة حين يُسند إليهم تربية الأطفال وقيام البيت. وذلك حتمًا يفسر لماذا يظل الآباء ممسكين بيد أبنائهم حد الخناق، فزعين من فكرة انفلاتهم؛ لأن ذلك بالتأكيد سيجعل أدوراهم تتقلص بالتدريج إلى أن تتلاشى بحكم الطبيعة، وهنا يبدأ الصراع، ويبدأ معه سرد قصص التضحية والبطولات، والحقيقة، بل من الواقعية أن هذا الأمر طبيعي جدًا، لأن الهدف مفقود! بل إنه لم يكن موجودًا من البداية.

حين كنت أدرس في برنامج الدراسات العليا بقسم الترجمة وقبل أن أتقاعد، صادفت دكتورة جامعية، على درجة التقاعد، وحيث كان هناك الكثير من الزميلات المتزوجات اللائي تركن أطفالهن وجاءوا ليدرسوا من مختلف المدن، فكنا أحيانًا نتفق بشكل ودي على توقيت المحاضرة، لنفاجأ بهذه الدكتورة تخبرهم بأنها حين أنجبت أطفالها، وكانت وقتها منهمكة أكثر في العمل، فكانت تجعل أبناءها يقومون – أحيانًا – ببعض مهامها! انتابتني الدهشة حينها، لأن المعروف في مجتمعنا، أن هذه الفئة من المجتمع يدللون أبنائهم بشكل مفرط، بل يجعلون منهم صفوة الأبناء وأنهم الأفضل، ومنهم من يدفع لهذا الكثير! وكانت على السواء حالة زميلاتي، اللاتي اعتاد معظمهن أن يحضرن أبنائهن في بعض المرات، وانهالو بالأسئلة على الدكتورة، عن كيف اعتادت فعل ذلك، ونصائحها لهم، وحيث كنت حينها العزباء الوحيدة، خٌيل إليّ أن المحاضرة ستتحول إلى محاضرة تنمية أسرية، وليس عن تعليم العربية لغير الناطقين بها!

يشير إيكارت تولي في كتابه «الأرض الجديدة» (A NEW EARTH) عن علاقة الأنا (EGO) بتربية الأبناء، وأنه يعد المحرك والدافع الأساسي في كثير من أساليب التربية المتبعة، حيث يستوطن في اللاوعي عن نشأتهم، ماضيهم، ثقافتهم، إنجازتهم، فتجدهم في أغلب العبارات يستشهد بحاله، وقصصه. على الرغم من أن هذا يجعل الموضوع أكثر تعقيدًا، إلا أنه ييسر عليك كابن أو ابنة، أن تتقبل الأمر بصدر رحب أكثر، حيث كانت الأنا هي الناطقة والمتحدثة وليسوا هم في كثير من الأحيان.

علي مدار ما يقرب من الثلاثة أعوام، في مهنة التدريس، وكوني محاضرة لغة، شاهدت وقابلت مئات الطلاب، من الفئة العمرية العشرينية، كنت أشعر أن هؤلاء الطلاب هم نماذج لبيوت وثقافات عِدة، وكنت دومًا أتساءل هل يمكن أن يكون هناك منهج واحد للتربية؟ حتي الصحيح منها؟ أم هذا الاختلاف صحي وطبيعي؟ وعلي الرغم من كل الاختلافات بدت طبيعية ومقبولة بشكل ما، إلا هؤلاء الذين ينشئون أبناءهم على كثرة التباهي والتفاخر بهم، أو بأنفسهم، لأن الآباء يشغلون منصبًا، أو مركزًا، أو من أصحاب الاعمال ومن أثرياء المجتمع، ويشعرونهم بأنهم الصفوة، وتجدهم دائمًا كما وصفهم إيكارت تولي يستخدمون عبارات مثل «صدقني، أنا عارف، أنا أعرف أكتر، أنا أحسن…» متأثرين كليًا بآبائهم، الذين يحاولون الصعود على أكتافهم، أو يجعلون منهم أشباه بشر!

في إحدى المحاضرات، كنت أتناول موضوعًا للنقاش عن بعض الاختلافات والفوارق بين الجيلين الأشهر في أمريكا، الـMellennials، والـBaby Boomers، ثم استطردت في الحديث عنهم كونهم ينتمون بشكل ما لجيل الـmellennials، وبدأوا يذكرون أهم الخلافات وعناصر النقد بينهم وبين آبائهم التي كانت كلها ترتكز على عامل «التهميش وعدم قبولهم ككينونة مختلفة ومستقلة»، ولكن لفتني يومها طالبة لم تشارك كثيرًا، وحين بدأت أركز في الحديث معها، فاجأتني بأنها لا تواجه تلك الخلافات المذكورة مع والديها، ثم بدأت تروي وتتحدث عن والديها وعن كونهم الجزء الأكبر في دعمها، دون المساس بشخصها وكينونتها، وأنها خاضت تجارب كثر لم يكونوا على اقتناع تام بها، ولكن تركوها تخوضها، ثم قالت جملة جعلتني أشفق على باقي الطلاب وعلى نفسي في الصدارة، قالت: «but, they always got my back and never ask for something in return». هناك ما يسمي بالحب غير المشروط «unconditional love» وهذا الحب يذهب بالدرجة الأولى إلى الآباء، لكون حبهم لأبنائهم غير مشروط، لكونه فطريًا وقد أوجده الله في قلوبهم، ليجعلهم أمناء وحماة لأبنائهم، والحب غير المشروط، في تعريفه هو حب لا ينتظره مقابل، بل حتي لا ينتظر حبا في المقابل، لكن الآباء الذين لا يعون جيدًا معنى الأبوة، يجعلونه مشروطًا بأمور أكثرها معنوي، مزعنين بأن هذا هو مفهموم البر والطاعة، غير مدركين أن هذا طريق وأسلوب واضح لابتزاز أبنائهم عاطفيًا، فيظلون يلقوننهم بكلمات وتعبيرات مثل «أنا ضحيتُ من أجلك الكثير، وأنا أحبك لكن عليك أن تفعل ما أقول لأنني أعلم منك، ولديّ الخبرة والمعرفة أكثر منك»، وغيرها من عبارات الضغط العاطفي.

بالحديث عن هذه الفئة من الآباء، لا يمكنني أن أتجاهل هؤلاء الذين أرادوا لأبنائهم حياة مليئة بالود، والدعم، والثقة. الثقة في أفكارهم، في خططهم وأحلامهم، والأهم في شخصهم!

الزواج، في تعريف المجتمع يتلّخص في إشباع رغبة للرجال، وإسقاط عبء للنساء. والتربية السليمة وتنشئة أطفال لا يمكن أن تنتج عن زواج هذه أهدافه، والناس لا يستطيعون أن يصيروا آباء، أو أمهات أجيال وهي لا تعِي الأهداف الحقيقية للزواج، أو على الأقل الأساسي منها، فكيف يمكنكما أن تنظرا إلى وجه أطفالكم لسنوات على أنه كان نتاج إشباع رغبة، وأنه لم يكن هدفا جليًا انتظرتما تحقيقه لسنوات، ورسالة أردتم تأديتها من خلاله.

أعجب من هؤلاء الذين يحاولون بكل قوة تقليص دور المرأه في تربية وتنشئة أطفال ناجحين، وإشغالها وهمًا وزيفًا بأن لها أدوارًا أخرى أهم، وكأنهم بذلك يتعدّون على معرفة الله في خلقه، فالله لم يخلق المرأة لهذا عبثًا، بل لأنها الكائن الوحيد الذي يستطيع بعاطفته أن يقوّم ويغير أوطانًا، فكيف إن كانوا أبناءها! ولكن عليها أن تتدرب وتهيئ نفسها كثيرًا لأن تقوم بهذا الدور، وحين أتكلم عن الدور، ينبغي عليّ أن أذكر أن هذا الدور ليس فقط تحضير المأكل والملبس وكل الأعمال التي تستطيع أي ربة منزل القيام بها، بل أكبر وأبعد من ذلك بكثير، والأهم أن يكون لديها الوعي والإيمان الكافِيان فيما تقدمه، وأن له أبلغ التأثير في تنشئة أطفال أسوياء ناجحين.

لهذا، إذا كنت/كنتِ لا تملكان أسبابًا حقيقة للزواج، وأهدافًا واضحة لإنجاب الأطفال، فمن الأفضل أن تتنظرا إلى أن تجداها، أو كان ووجدتم أنفسكم/أنفسكن آباء فاقدين الأبوة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات