قبل وقت ليس ببعيد كانت بريطانيا أكبر إمبراطورية في التاريخ حيث كانت تسيطر على ربع العالم وأصبحت بذلك الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، حيث اعتمدت على السياسة الاستعمارية من أجل بسط سيطرتها على العالم وهو ما فجر الحرب العالمية الأولى بفعل التنافس الإمبريالي بين الدول الأوروبية على المستعمرات، ورغم خروج بريطانيا منتصرة في الحرب إلا أنها خرجت بتكلفة ثقيلة للحرب أضعفت من قدرتها على المحافظة على تماسك الإمبراطورية البريطانية الشاسعة هذا بالتوازي مع ظهور نزعة التحرر لدى شعوب المستعمرات البريطانية الموزعة على القارات الخمس.

بعد نهاية الحرب العالمية الأولى خرجت بريطانيا منهكة اقتصاديًّا وعسكريًّا من الحرب وهو ما شجع المستعمرات على الاستقلال والتي بدأت باستقلال مصر عن التاج البريطاني في عام 1922 وحتى استقلال منطقة هونغ كونج في عام 1997 وانضمامها إلى الصين.

وهذا تم نظرًا للتكلفة الباهظة للاستعمار البريطاني في المناطق البعيدة عن المركز البريطاني في لندن تماشيًا مع الانحدار الكبير لقدرات الإمبراطورية البريطانية والذي ظهر جليًا في محاولة الأرجنتين الاستيلاء على جزر الفوكلاند التابعة لبريطانيا وهو ما يؤشر على الضعف البريطاني في الساحة الدولية بعد ان أصبحت أراضيها محط أطماع الدول الأخرى وانتقالها من الوضع الهجومي لضم المستعمرات إلى الوضع الدفاعي في محاولة للحفاظ على تماسك حدودها الإقليمية.

فمنذ استقلال المستعمرات البريطانية تغير حال بريطانيا من سيء إلى أسوأ فقد نزلت المملكة المتحدة من كرسي الزعامة العالمي لتصبح دولة عادية منشغلة بمشاكلها الداخلية التي أرقت مرارًا وتكرارًا صانعي القرار في لندن.

فالقضية الإيرلندية والتي كانت تخفي صراعًا مذهبيًّا كاثوليكيًّا بروتستانتيًّا في أيرلندا كانت كابوسًا مؤرقًا للبريطانيين ولم تخف حدته إلا بتوقيع معاهدة “بلفاست” عام 1993 لتطوي صفحة طويلة من الحرب دامت لمدة أربعين سنة ضد الجيش الجمهوري الأيرلندي.

وبعد أن كانت بريطانيا في صلب دائرة القرار العالمي حيث كانت تفرض أجندتها الخاصة على العالم وترسم حدود الدول على مقياسها ووفقًا لمصالحها الذاتية كما حدث في اتفاقية “سايكس- بيكو” أصبحت بريطانيا مفعولًا بها حيث إنها أصبحت تخشى على حدودها الإقليمية نظرًا لتشكيلة الحكم غير المتوازنة التي تنبني عليها والتي تتكون من إنجلترا وأسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية بالإضافة إلى الجزر الصغيرة المتوزعة على امتداد القارات الخمس حيث إن نزعة الانفصال بدأت بالظهور في دويلات المملكة المتحدة.

ورغم فشل استفتاء انفصال الإقليم الإسكتلندي في تحقيق مراده وهو ما كان سيهدم الكيان البريطاني برمته إلا أن نزعة الانفصال ما زالت قوية في الدويلات البريطانية بالإضافة إلى العداء بين الكاثوليك والبروتستانت في أيرلندا والذي يهدد الأمن القومي للمملكة المتحدة.

وخلال سنوات قليلة انتقلت بريطانيا من وضع الإمبراطورية العملاقة إلى وضع الدولة الإقليمية المحدودة والتي تنتظر المعونات والقروض من البنك الدولي، هذا بالإضافة إلى المعونات العسكرية والمالية التي قدمها حلف الأطلسي إلى بريطانيا للرفع من الحالة المتردية للنظام العسكري البريطاني غير القادر على القيام بأعباء الحلف وهو ما جعلها تفسح المجال أمام الأمريكيين للقيام بأدوارها السابقة خصوصًا في الشرق الأوسط.

وهو ما يظهر جليًا في سيطرة أمريكا على النفط عن طريق منظمة الأوبك والذي يحافظ على القاعدة الذهبية الأمريكية “بيع النفط بالدولار الأمريكي” وهو ما يعني نظريًّا استمرار هيمنة أمريكا على أسواق الطاقة في العالم، هذا ناهيك عن التدخل الأمريكي الواضح في السياسة البريطانية الداخلية والخارجية حيث أصبحت بريطانيا ذيلًا للقرار الأمريكي وأصبح دورها يقتصر على تأمين المصالح الأمريكية والمشاركة في مخططاتها التوسعية في العالم كما حدث في العراق وأفغانستان.

في الجانب التاريخي لم تذق بريطانيا مرارة الاحتلال باستثناء حملات “الفايكنج” المؤقتة فحروبها الأوروبية كانت دائمًا ناجحة ولم تذق طعم الخسارة في الحروب السابقة ضد جيرانها الأوروبيين؛ حيث إنها حافظت على استقرارها السياسي والاجتماعي خلافًا للبلدان الأوروبية التي عانت من الاضطرابات والحروب على مدار قرون طويلة، وهو ما يثير توجسها من الاندماج الكامل في الاتحاد الأوروبي.

وهو ما يبرز أن الاهتمام البريطاني بعضوية الاتحاد الأوروبي كان اقتصاديًّا صرفًا خلافًا للتوجه الفرنسي الألماني الذي ينظر إليه كمشروع سياسي ضخم أنشئ على أنقاض الحرب العالمية الثانية، وهو ما دفع بالفرنسيين إلى معارضة انضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي مرتين واتهام بريطانيا بلعب دور “حصان طروادة” الأمريكي داخل المجموعة الأوروبية قبل أن تنضم بريطانيا رسميًّا إلى الاتحاد الأوروبي في عام 1973، ولكن بدون الدخول في النظام النقدي الأوروبي المشترك، مما يعني أن بريطانيا تضع قدمًا لها داخل الاتحاد الاوروبي وقدمًا خارجها.

أما في الجانب العسكري فقد أصبحت المستعمرات البريطانية السابقة أقوى حتى من بريطانيا ككندا والهند، فنظرًا للأزمات المتوالية للملكة المتحدة فقد قلصت بريطانيا من أنفاقها العسكري مما جعل أمريكا وروسيا تتفوقان على بريطانيا بسنوات ضوئية في المجال العسكري وهو ما أدى إلى تحول بريطانيا من فاعل في إدارة القرار العالمي إلى تابع إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

من جهة أخرى فقد تحولت مناطق النفوذ البريطاني إلى الحظيرة الأمريكية فورثت نفوذها وقواعدها في العالم وخصوصًا في الشرق الأوسط، وعملت الإدارة الأمريكية في المنطقة لفترة طويلة تحت شعار “ملء الفراغ ” مرورًا بتفعيل مخططها الاستراتيجي بإقرار النظام العالمي الجديد ذي القطب الأمريكي الواحد بعد سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية القرن العشرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد