بمناسبة انتهاء أوليمبياد روسيا الدولي: «إيرلي مان»: معجزة العمل الجماعي وتحدي العصر البرونزي.

يصور في فجر الزمان، عندما كانت مخلوقات ما قبل التاريخ كالديناصورات والماموث الصوفي العملاق، تجوبان الأرض، قبل أن تضربهم النيازك الهائلة، وتبيد معظم المخلوقات، فيما عدا الصرصار العنيد والإنسان الحجري العتيد، يحكي فيلم «إيرلي مان» قصة «دوغ»  جنبًا إلى جنب مع صديقه «هوغ نوب»، عندما اتحدا ووحدا قبيلتهما في الأرض المقدسة، لمواجهة الأعداء الأشداء مع زعيمهم اللئيم الخبيث «لورد نورث»، عندما أقبل العصر البرونزي، وهيمن على الأرض آنذاك، وحاولت القبيلة البدائية جهدها للتعامل مع الكرات النيزكية الحمراء «الشديدة الحرارة» المنبثقة من الحمم البركانية، منتظرة برودها!

فيلم تحريك بريطاني ظريف من إخراج «نيك بارك»، وتمثيل كل من: إيدي ريدماين، توم هيدلستون، مايسي وليامزتريد، ثيموني سبال، ريتشارد أبودي، سلينا جريفث، روب بريدون، كايفان نوفاك، ميريام مارغو نووث ونيك بارك المخرج ذاته بدور حيوان أليف بري (خنزير بري) مخلص يعمل لدى دوغ، وقد أبدعوا حقًا بأصواتهم وحركاتهم التفاعلية لتغطية أدوار الشريط المتنوعة المتمثلة بشخصيات كل من: رجل الكهوف الأول، زعيم عاصمة العصر البرونزي، لاعبة كرة قدم متعاطفة مع دوغ وتعشق كرة القدم (غونا)، طائر الرسائل الظريف، مستشار لورد نووث، الملكة أوفيفا المتعالية وبعض أعضاء القبيلة.

في ليلة ما، يتم إخراج قبيلة «بوبنار» الرئيسية من موقعها القديم في ما يسمى «وادي الأرض المقدسة»، من قبل الجيش البرونزي الذي يقوده الزعيم المتنفذ «لورد نووث» (توم هيدليستون)، الذي يدعي بتبجح أن العصر الحجري قد انتهى إلى غير رجعة، وأن العصر البرونزي الجديد قد بدأ…، هكذا تجبر القبيلة على العيش في الأراضي البركانية الوعرة، ويحاول رجل الكهوف الجريء الشاب دوغ (إيدي ريدماين) المقاومة والهجوم، فيقذف بسلة إلى عاصمة العصر البرونزي.

يحاول عندئذ أن يختبئ من حراس اللورد نوت، وينتهي الأمر بهم، بأن يعتقدوا بالخطأ أنه لاعب كرة قدم، فيقف أمام اللورد المغرور والمتفرجين في الملعب، ليتحدى مع أعضاء قبيلته الفريق المحلي المدرب جيدًا، فيعقد معه اللورد نووث صفقة مفادها، أن يعودوا لقريتهم السهلية فيما لو ربحوا المباراة، أو أن يعملوا في المناجم فيما لو خسروا.

شجاعة رجل الكهوف البدائية لمواجهة التحديات «الكروية» والاحتفاظ بأرضه المقدسة الأصلية!

يدرك دوغ أن أسلافه القدماء قد اخترعوا لعبة كرة القدم سابقًا (ونرى ذلك في منحوتات الصخور القديمة في كهوف العصر الحجري القديمة)، ولكنه يدرك أيضًا أن أعضاء قبيلته الصيادين السذج يفتقدون للمهارات والتدريب، إضافة لثقب الكرة الوحيدة بحوزتهم والتي لم تعد صالحة للعب، لذا يتسلق دوغ خفية مع صديقه «هوغ نوب» إلى عاصمة العصر البرونزي، ويسرقان بعض الكرات الجديدة، وتساعدهم في مسعاهم هذا بائعة محلية متعاونة تدعى جونا (مايسي وليامز)، وهي التي كانت تحلم سابقًا بأن تلعب الكرة ذات يوم، ولكن الفريق المحلي يستثني النساء، لذا فهي تنضم بحماسة لفريق دوغ وتدربهم، وتقترح بتنه بالرغم من وجود لاعبين موهوبين في فريق المدينة، إلا أنهم لا يتقنون اللعب جماعة، لذا ومع اقتراب موعد المباراة الحاسمة، تحدث تحسينات لافتة في فريق دوغ.

وبعد زيارة طارئة تقوم بها «حمامة الرسائل» (روب بريدون) المرسلة من قبل «الملكة أوفيفا»، يحاول الماكر اللورد نووث إحباط دوغ وفريقه المتحمس، بالادعاء بأن أسلافه كانوا سيئين في لعبة كرة القدم، وأن عليه حفاظًا على كرامته أن يتخلى طوعًا عن فكرة التحدي، ويحاول أن يعقد معه صفقة مرضية بديلًا عنها، ولكن دوغ يرفض ويصر على المباراة.

ثم يأتي يوم المباراة وتحضر الملكة أوفيفا (ميريام مارغويلز)، ولعدم وصول أعضاء فريقه، يقبل دوغ بعرض لورد نووث مضطرًا، الذي يتمثل بعمله وحيدًا في المناجم، فيما ستبقى قبيلته في الأراضي الوعرة، ولكن فريقه يصل في اللحظات الأخيرة، ممتطيًا ظهر بطة عملاقة تكافئ اللورد نووث من فوق بإغراقه بكمية هائلة من البراز اللين الطازج، فيفرض الأمر الواقع ذاته، ويقتنع بالمضي قدمًا في تحدي المباراة الحاسمة المصيرية، وينجحون بتسجيل هدف واحد فقط مقابل ثلاثة أهداف للفريق البرونزي، وهكذا ينتهي الشوط الأول مخيبًا آمالهم.

ثم يبدأ الشوط الثاني بحماسة منقطعة النظير، فيتم التعادل، ولكن اللورد نووث يستاء من نتيجة المباراة، فيقيل الحكم ويتولى هو شخصيًا قيادة المباراة، فيتخذ قرارات منحازة كمنح فريق المدينة «ضربة جزاء» لا لزوم لها، ثم يطرد حارس مرمى الفريق الحجري، فيضطر دوغ للسماح للخنزير البري الوفي «هوغ نوب» باللعب حارس مرمى بديلًا، وهكذا ينجح الفريق الحجري في صد «ركلة الجزاء»، وسط اندهاش الجمهور البرونزي المتحيز، ثم تعود الكرة إلى الملعب بحماسة، فيحقق فريق دوغ مفاجأة النصر في الدقائق الأخيرة للمباراة.

وحسب الوعد المبرم باعتبارها مكافأة، يسمح للقبيلة الحجرية الطيبة بالعودة للعيش في الوادي الزراعي الخصب (مسقط رأسهم)، بعد أن فازوا أخيرًا باحترام الملكة أوفيفا وحشد الجمهور، ويتم اكتشاف فساد اللورد نووث الذي كان يجمع أموال الرهونات لكي يسرقها، فيتم إيقافه من قبل بطة ضخمة ويعتقل.

في المشهد الطريف الأخير: تظهر القبيلة مع صديقتهم المخلصة غونا وهي تحاول العودة لاصطياد الأرانب البرية في أرضهم التي عادوا لها، ونسمع ما يعتقد بأنه حركات وهمسات «خرتيت بري ضخم»، ثم تحدث جلبة كبيرة يهرب جميعهم خوفًا على إثرها، ليتبين أن أرنبًا ظريفًا يحاول متخفيًا وساخرًا أن يقلد حركات وأصوات الخرتيت لكي يخيفهم!

الفكاهة والطيبة ومغزى المثابرة و«المجاز المشبوه»

نال هذا التحريك ثناء نقديًا عاليًا يتجاوز الـ80% على موقع «الطماطم الفاسدة» العالمي، ولوحظ وجود منهجية جديدة بطريقة إخراجه، حافلة بالنكات التلقائية المنعشة، وبدا كما لو أن المخرج الفطين يشارك الأطفال لعبتهم الشيقة بدفء ودقة، والفيلم يفتقد بالتأكيد لمنهجية «هوليوود» التحريكية الاستعراضية الصاخبة، ولكنه يملك بالمقابل سحرًا سينمائيًا ملموسًا بنكهة خاصة، وهو يحمل جملة رسائل حب تشجيعية ذكية حول مغزى «مثابرة الإنسان» لتحقيق أهدافه في الحياة، كما أنه يحاول إثبات أصالة «كرة القدم» باعتبارها لعبة بريطانية تقليدية، وقد نجح المخرج بخلق قصة طريفة تتماثل لحد بعيد مع «لوحات الكهوف» المنحوتة التي تظهر مرارًا بمشاهد الفيلم. وأخشى أخيرًا أن يكون هناك دور لليهود المتنفذين في صناعة السينما (العالمية والبريطانية) كالعادة، بإقحام قصة العودة للأرض المقدسة بعد قصص «التشرد والتيه والمعاناة» الكاذبة والمكررة والمجترة، وإن كان هذا المجاز واردًا بالفعل فهو يحط من قيمة هذا التحريك فنيًا وفلسفيًا، ويحوله لعمل دعائي سخيف بالمطلق!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما
عرض التعليقات
تحميل المزيد