«لم يتمكن قرن كامل من محو آثارها ولم يزعزع لمساتها على التاريخ وبصورة أقل على الجغرافيا تنقيبات هامت بها هنا وهناك، ولا يزال منظرها يلتصق في أذهان الكبار والصغار يتذكر الشيوخ والعجائز صورتها المضحكة، وهي تتعثر بحذائها ذي الكعب العالي بأحجار الطريق المبعثرة وتكاد تسقط على وجهها وتتكسر أسنانها البيضاء الصغيرة، هل كانت تلك المشية باستقامة واعتداد نوعًا من التحدي أم النزوة أم الغواية؟ حاول العراقيون طرح السؤال بشتى الطرق ليتوصلوا إلى الإجابة، لكن طعم العلقم لا يزال يسمم حلوقهم ويصيبهم بالغصة. مس بيل يا فاتنة الغرب ماذا تفعلين وسط خرائبنا» بهذه العبارات قدم الأديب العراقي لروايته (خاتون العراق) وخاتون العراق هذه هي صانعة الملوك التي قالت يومًا: «يمكنكم أن تعتمدوا على شيء واحد، لن أشارك أبدًا في صنع ملوك مرة أخرى، إنه ضغط أكبر من اللازم»، وهي لورانس العرب الفتاة التي أسست بالشراكة مع لورنس العرب مكتب المخابرات البريطانية الإقليمي في مصر، وهي كما لقبها الأديب العراقي عبد المجيد الشاوي: (أم المؤمنين البريطانية)!

فهي خاتون عند عامة العراق ولورنس العرب الفتاة عند ضباط الجيش البريطاني وصانعي السياسات في الإمبراطورية البريطانية، ففي أحد الكتب التي تحدث عن جغرافيا الشرق الأوسط بعنوان (ملكة الصحراء راسمة حدود الأمم) ظهر في ظهر غلافه صورة لورنس العرب وتشرشل تتوسطهما الميس، بل وهي قاتلة الأكراد كما أريد تصوريها بأنها جعلت الأكراد في شتاتهم بين أربع دول لا يمكنهم يومًا الحلم بإنشاء دولة وهي صانعة الملوك، سواء من الملك فيصل الأول ملك العراق أو الملك عبد الله بن الشريف حسين أمير ولاية شرق الأردن وهي المستشرقة التي رسمت الحدود من خلال السياحة بين فارس والعراق والشام وشبه الجزيرة العربية، فهي الجاسوسة الأخطر التي أسهمت في تنفيذ، بل صناعة مخطط «سايكس – بيكو».

المس غيرترود بيل السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي والتي عملت في بغداد بين 1917- 1926، والتي ولدت عام 1868 في إنجلترا وتخرجت من جامعة أكسفورد من قسم التاريخ كانت مهتمة بالشرق الأوسط، فتعلمت اللغات العربية والفارسية والتركية وبدأت بيل من إيران ودخلت سوريا وفلسطين كعالمة آثار ومستكشفة وألفت كتاب سوريا الصحراء، ثم انتقلت إلى منطقة حائل في شبه الجزيرة العربية، وقد كانت ملمة باللغات العربية والفارسية والتركية فإلى جانب هذا كانت مهتمة بالتاريخ والجغرافيا؛ مما مكنها من إرسال تقارير دورية عن المناطق التي زارتها؛ مما جعل وزارة المستعمرات البريطانية تعتمد على تقاريرها في صياغة الحدود القطرية في بلدان الشرق الأوسط لدول ما بعد الاستعمار وهي التي ساهمت بشكل فعال في ترسيخ وجود آل سعود في حكم نجد والحجاز فقد ساهمت تقاريرها الدورية عن إمارة آل رشيد في إسقاطها والتمكين لدولة آل سعود.

بعد أن غزت فرنسا سوريا عام 1920 وقضت على الملكية الدستورية غادر فيصل الأول إلى لندن، إلا أنه ما لبث سوى أشهر معدودة حتى عين في أغسطس من نفس العام ملكًا على العراق من قبل الإنجليز، وهذا الملك الجديد لم يثق بأحد أكثر من ثقته بميس بيل التي كان يناديها بأختي والتي كانت تعد نفسها صانعته وتعد هذه الصناعة أمر متعب لن تكررها مرة أخرى! وبقيت في العراق بعد تنصيبه مهتمة بالشأن العام لا تترك مجلسًا إلا قصدته فدخلت مجالس الأعيان وكسرت محظورات مجالس المشايخ والمرجعيات بسفورها وكانت هي المنسقة بين هذا الحاكم الجديد والمندوب السامي البريطاني وكانت المسؤولة عن تقييم الوضع ومعرفة اتجاهات الرأي العام وقد أدت أدوارًا اجتماعية، وسياسية، وثقافية كبيرة في خدمة التاج البريطاني فقد أسست وأصدرت مجلة العرب، وأسست المتحف العراقي الذي حوى أهم الآثار التي وجدتها مس بيل خلال رحلاتها وقد دُمِّر المتحف إبان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م وكانت مس بيل تنطلق من رؤية استراتيجية صاغت رؤية وزارة المستعمرات البريطانية تجاه العراق، فقد ذكرت في إحدى رسائلها بتاريخ 10 أبريل (نيسان) 1920 أشعر شعورًا جازمًا بأننا إذا تركنا هذه البلاد وشأنها فإن ذلك سيعني أنه يجب علينا أن نعيد النظر في وضعنا في آسيا بأجمعه فإذا ذهب العراق من أيدينا فإن إيران ستذهب بصورة لا مناص منها، ثم تعقبها الهند وسيحتل المكان الذي تفرغه الشياطين السبعة ويصبح وضعه أسوأ بكثير من أي وضع كان عليه قبل مجيئنا.

وتوفيت مس بيل عام 1926، بعد جرعة زائدة من الدواء وأقيمت لها جنازة مهيبة، شارك فيها جمع غفير وعلى رأسهم الملك فيصل الأول، وقد حظيت حياتها باهتمام بعض الدارسين والباحثين، بل بعض صناع السينما، فقد كتبت عنها جورجينا هاويل كتاب ملكة الصحراء، وقد أنتج عنها فيلمًا سينمائيًا يحمل نفس الاسم والتي قامت ببطولته الممثلة الاسترالية الشهيرة نيكول كيدمان، وقد أنتج عنها أيضًا فيلمًا وثائقيًا بعنوان Letters from Baghdad وقد ترجمت بعض رسائلها إلى العربية في كتاب يحمل عنوان (العراق في رسائل المس بيل 1917- 1926) لجعفر الخياط إصدار الدار العربية للموسوعات طـ1 2003، ومن أجمع ما كتب عنها ما سطره الأديب العراقي شاكر نوري في روايته خاتون بغداد فلهذه الجاسوسة البريطانية حضور في الأدب العراقي، وإن كان أقل من حضورها في الجغرافيا والتاريخ فمن طريف القول ما قاله فيها جميل صدقي الزهاوي:

وافت إلينا مس بيل.. راكبة طرمبيل.. تحاكي البدور وجهًا.. وشعرها يحاكي الليل.. ترنو غزال نجد.. وتشرئب كالخيل.. فما رأتها عينٌ.. إلا وقالت: كيل كيل.. عرج علينا نقضي.. عشيةً في الأوتيل.

ويقول فيها محمد مهدي الجواهري: –

قل للمس الموفورة العرض التي

لبست لحكم الناس خير لباس

إن كان سرك في العراق بأن تري

ناسًا له مضروبةً بأناس

فلك التعزي في سياستك التي

عادت عليك بصفقة الإفلاس

خطط وقفتِ لها حياتك أصبحت

شؤمًا عليك وأنت في الأرماس

غير أن نبوءة الجواهري هذه لم تجدي نفعًا، فقد نجحت المس بيل في كل مخططاتها فشيعت إلى رمسها بجنازة رسمية مهيبة، وأبلغت في إهانة العرب الذين ينسبون كل ضعف للمرأة فكانت أحد أهم أمارات ضعفهم امرأة ذات كعب عال، وقد ممشوق، ووجه طفولي، فهذه الجغرافيا الماثلة أمامهم خير شاهد لا يسع أمامه النكران أو الانتقاص.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد