ربما لا يعرف كثير من السياسيين والباحثين أن امرأة بريطانية وضعت بصماتها على الخطوط الحمر للخارطة العراقية الحديثة، في إطار الخارطة الكبرى للشرق الأوسط، وصنعت أول ملوك البلاد.

امرأة تداولتها صفحات التاريخ العراقي الحديث بشيء من عدم الاكتراث، وتم تصويرها كدبلوماسية أو كجاسوسة بريطانية لم ترق إلى مستوى زميلها لورنس العرب في عالم الاختراقات الجاسوسية!!

مس بيل البريطانية التي رسمت حدود العراق!

غيرترود بيل، أشهر شخصية بريطانية، غابت عن الذاكرة العربية الجمعية لعقود طويلة، على عكس الإصدار الذكوري منها لورانس العرب، وذلك على الرغم من أنها كانت أهم امرأة في منظومة الاستعمار البريطاني، وفي المنطقة العربية في تلك الفترة، حيث كانت أحد الخبراء الـ39 الذين دعاهم وينستون تشرتشل لمؤتمر القاهرة عام 1921 للتشاور معهم حول مخطط تقسيم الشرق الأوسط في فترة انهيار الإمبراطورية العثمانية، ورسم حدود الدول القومية في المنطقة.

رحلة الصحراء المثيرة

تعلمت بيل الفارسية وزارت إيران في 1892؛ حيث كان عمها سفيرًا في إيران.

في عام 1914 ذهبت إلى العراق «البصرة بعد دخول الإنكليز»، وعند سقوط بغداد عينت السكرتيرة الشرقية – للحاكم كوكس، وفي 1920 عام قررت بريطانيا الانتداب على العراق.

لكن رحلتها الصحراوية المثيرة تمّت بين عاميْ 1913 و1914، كان هدفها مدينة حائل، التي لم تطأها قدمُ أيِّ شخصٍ غربيّ منذ عام 1893، كانت متخفية بصفة باحثة آثار، بينما هدفها الحقيقي هو تقييم قوة عائلة شرسة اسمها الرشيد التي كانت تحكم مدينة حائل.

مستشارة الملوك وصانعة القرارات

كانت بيل، الصديقة المقربة من ابن جلدتها لورانس العرب ومستشارة ملوك الصحراء، تمتلك شبكة من العلاقات تمتد من مخيمات البدو إلى قاعات صنع القرار الداخلية في بريطانيا، وفي المحصلة، استطاعت بيل توظيف موهبتها الهائلة المتمثلة في معرفتها الشخصية المتميزة بأهل الصحراء، باتجاه هدف واحد محدد: لعب دور مركزي في المشروع الذي يتردد صدى نتائجه إلى اليوم وهو إنشاء دولة عصرية تسمى العراق.

كانت المس بيل مندفعة بقوة في سبيل إعطاء العراق الاستقلال، وأثر ثورة عشائر الفرات في العراق عقد ونستن تشرشل مؤتمرًا في القاهرة، وكانت المس بيل الوحيدة بين الرجال، وفي الاجتماع تقرر تعيين الأمير فيصل الهاشمي ملكـًا على العراق بعد إخراجه من عرش سوريا، وبتأييد من لورنس المعروف آنذاك، كتبت المس بيل تقول: «لن أسعى أبدًا لخلق ملوك مرة أخرى أنها عملية متعبة جدًا».

 

 قراءة في أوراق التاريخ

فكرة الشرق الأوسط كما نعلم كانت نواة فكرة أتى بها زمرة من الرجال مكوّنة من باحثين وعلماء آثار وضباط عسكريين ومستعمرين كانوا يعرفون باسم المستشرقين، كانت تسمّى الجزيرة العربية وفارس بالمشرق، كما أطلق عليه الإغريق والذي يرمز إلى بلاد شرق البحر المتوسط عندما توغّل الإسكندر المقدوني لكي يستولي عليه.

الطريقة التي كان يدير بها العثمانيون الجزيرةَ العربية هي بتعيين نواب لهم يقومون بإدارة شؤون الحكم في هذه المناطق القبلية القاحلة، وكانت تقوم صراعات قبلية وطائفية في هذه الأماكن ممّا جعلها دائمًا مضطربة.

ولكن المستشرقين فكروا بشكل مختلف، اعتقدوا أن فكرة بناء الدولة هي مستقبل العرب، بينما كانت الحرب العالمية الثانية تحطّ أوزارها معلنة انهيار الدولة العثمانية، رأى المستشرقون أن الفرصة سانحة لكي يجلبوا النظام المدني الحديث إلى الصحراء بواسطة فرض أنظمة ملكية قاموا هم باستحداثها.

في زمرة هؤلاء المستشرقين، برز اثنان منهم يتحدثان اللغة العربية بطلاقة، وكلاهما كانا صغير البنية وغير مستقرّين نفسيًّا وباستطاعتهما تحقيق منجزات غير مسبوقة في الصحراء العربية القاحلة، رجل اسمه تي إي لورانس وامرأة خبيرة في حياة الصحاري اسمها جيرترود بيل.

بيل تعترف بتنصيب ملك بريطاني

الأكثر شهرة منها لورانس غادر مؤتمر باريس للسلام عام 1919، وهو يشعر بالذنب لخيانة البريطانيين لأصدقائه العرب، وعلى هذه القاعدة تم إرسال بيل إلى بغداد لكي تساعد في تسليم العراق إلى فيصل، كملكٍ جديد.

في أغسطس من عام 1921، تمّ تنصيب فيصل ملكًا على العراق في مناسبة وسط بغداد، بالرغم من أنه لم يكن له جذور قبلية تعطيه بعضًا من الشرعية في الدولة التي سيحكمها.

قالت بيل معلّقة على هذه المناسبة: لقد قمنا بتنصيب ملكنا، وقد أشرفت هي على عملية انتخابه، هذه العملية الانتخابية تردد صداها بعد عشرات السنين للدلالة على دور بيل في صناعة الخرائط والملوك وكتابة التـاريخ!

حين لا تتحقق الأحلام

كانت بيل تعيش حلمًا، وذهبت ثقتها في نفسها إلى حدٍّ بعيد عندما قالت عن الدولة التي ساعدت في تكوينها: قبل أن أموت، أتمنى أن أرى الملك فيصل يحكم دولة تمتد من فارس إلى البحر المتوسط .

كان حلمها كظلها وهي تمتطي الخيل وتذهب للسباحة وتدخن في الأماكن العامة، ولم تكن تخفي حقيقة أنها كانت ملحدة، وهي ترغب بتحقيق حلمها في بلاد غالبيتها من المسلمين.

النائبة القوية.. وأميرة الأزياء

بالإضافة إلى عملها كمسؤولة عن شؤون الاستعمار، كانت أيضًا تقوم بإنابة الملك في بعض الأمور؛ حيث كانت تستقبل شيوخ العشائر والمسؤولين العرب وحتى المواطنين العاديين الذين لديهم شكاوى، كانت تدير شؤون الملك وكانت ترتدي زيًّا لونه أبيض مشابهًا لما كانت ترتديه الأميرات في مكة.

نجاح سياسي وفشل عاطفي

في مقابل توهجها السياسي ونجاحها في صناعة الملوك وبصمتها على قرارات بريطانيا العظمى، كان لها تجربتان عاطفيتان انتهتا بالفشل مرّت بهما بيل سابقًا، الأولى عندما كان عمرها 24 عامًا، تقدّم لخطبتها دبلوماسي شابّ، ولكن والدها الغنيّ رفضَه بحجة عدم التكافؤ واضطرت هي لإنهاء العلاقة.

تجربتها الثانية كانت عميقة ومأساوية وتركت أثرًا كبيرًا عليها، فقد وقعت في حب العقيد تشارلز دوتي ويلز الذي سلب عقلها، كان ضابطـًا له سجل حافل بالشجاعة، وكان يملك صفات نجوم السينما، ولكنه كان متزوجًا وكان كثير الانشغال بالحروب وبعمله العسكري.

أسست متحفـًا للذاكرة العراقية

لهذه السيدة الفضل في تأسيس المتحف العراقي، وظل المتحف حافظـًا لأهم الآثار التي وجدتها والآثار العراقية البابلية القديمة، والمخطوطات والتحف التي حفظت الذاكرة العراقية المتخمة برموز الحضارات القديمة.

ماذا كانت ستقول بيل لو كتب لها أن ترى جهودها في حفظ ذاكرة الحضارات العراقية، وهي تنهار أمام تحالف غزاة ما بعد 2003، وعصابات التهريب والتحالف الذي هشم تلك الذاكرة الثرية، لكنه لم يستطع أن يلغيها.

 الرحيل الدراماتيكي

ماتت مسز بيل ولم تبلغ الأربع والخمسين عامًا ، في ظروف غامضة، وبلا مبررات مقنعة، وجدت صانعة الملوك المنسية مسجاة على سريرها في بغداد مفارقة الحياة عام 1926، قيل الكثير عن هذا الموت الدراماتيكي، ومن بين ما قيل، إنها تناولت حفنة من الأقراص المنومة لتنهي حياتها الحافلة.

ولكن لماذا؟

هذا هو السؤال الذي لم يجب عليه أحد حتى الآن!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد