تبدأ الحكاية بممرضة متوسطة الحال تعمل لدى طبيب عيون، معارفها يثقون فيها فيسألونها عن طبيب ثقة لإجراء عملية بالعين، أول من يأتي في ذهنها الطبيب الذي تعمل عنده، فتدلهم عليه بصدق نيّة وثقة تثقها في هذا الطبيب، يذهب معارفها إلى الطبيب ويجري لهم العملية فتفجأ الممرضة بالطبيب يعطيها نقودًا! فتسأله الممرضة ببراءة؟ ما هذا المال؟ فيجيبها قائلا: إنه عمولتك على الحالة التي أرسلتِها لي! فتتعجب الممرضة ببراءتها المعهودة وتحاول الرفض على رغم حالتها المادية البسيطة ولكن الطبيب يصرّ على منحها المال مؤكدا أنه حقها وأن هذا شيء عادي ومتعارف عليه في عالم الطب هنا في بلدنا.

في الحالات المشتهرة في بلادنا تزداد تلك الممرضة تحفّزًا نحو جلب المزيد من المرضى للطبيب اعتمادًا على ثقة الناس فيها وفي تزكيتها للطبيب الأفضل لأنها تعلم تمام العلم أنها كلما أحضرت مرضى للطبيب حصلت على عمولات أكثر ليكون ذلك مصدرًا جديدًا للقمة العيش بجوار مرتبها الهزيل!

ولكن ذلك الطبيب الحصيف لن يكتفي بالممرضة السمسارة فحسب فهو قد عقد الصفقات مع بعض الموظفين في المستشفى الذي يعمل به ليدلّوا مزيدًا من الزبائن عليه فيكسب الطبيب ويكسب الموظف السمسار بالمبدأ المتعارف عليه (نفّع واستنفع!).

ولكن ظاهرة السمسرة عند الأطباء لدينا عابرة للحدود!، فحينما قامت الثورة في ليبيا الشقيقة وكانت القذائف والرصاصات تصيب الليبيين الأبرياء كانوا يأتون لبلدنا للعلاج ولكن إلى أي طبيب أو مستشفى سيذهب الليبي المسكين وهو لا خبرة له بهذا البلد؟، هنا يأتي دور السماسرة المتعاقدين مع الأطباء والمستشفيات ليرسلوا الليبيين إليهم ليحصلوا على غنائمهم السهلة، ولا شك أن ظروف الثورة والحرب كانت نعمة عليهم حيث جنوا المال الوفير من تلك الحرب وصدق المتنبي حين قال:

بِذا قَضَتِ الأَيّامُ ما بَينَ أَهلِها * مَصائِبُ قَومٍ عِندَ قَومٍ فَوائِدُ

وقد يعمل الطبيب نفسه سمسارًا عند طبيب آخر! وهي ظاهرة معلومة لدى المبتدئين من الأطباء الذين يريدون ممارسة العمل الخاص قبل الأوان! حيث يفتح الطبيب المبتدئ عيادته الأنيقة ويأتي إليه المرضى يريدون إجراء عمليات لهم فيقنعهم الطبيب أنه سيجري لهم تلك العملية ولكن الحقيقة خلاف ذلك! فمن سيجري لهم العملية طبيب كبير آخر، يستقبلهم الطبيب المبتدئ يوم إجراء العملية حيث يخضع المريض للتخدير الكلي أو التهدئة أحيانا فلا يشعر بالدنيا من حوله، ثم يدخل الطبيب الكبير يجري العملية ثم يخرج في هدوء، فيستيقظ المريض المخدوع ظانّا أن الطبيب الآخر هو من أجرى له العملية، يحصل الطبيب الكبير على نسبة من الأجر تم الاتفاق عليها بين الطبيبين فينتفع الطبيب الكبير والطبيب الصغير والمريض والصيدلية وشركة الأدوية فيخرج كل الأطراف سعداء مرتاحين!

ولكن طريق السمسرة لدى الطبيب يزداد انحدارًا حين يعمل سمسارًا لدى معمل تحليل أو مركز أشعة! فكل أشعة أو تحليل يطلبها الطبيب الماكر من المريض يكون له نسبة معينة من الربح يحصل عليها من المعمل أو المركز! فتجد هذا الطبيب المادي يصرّ على المريض بأن هذا المعمل هو أفضل المعامل ولا ينبغي أن يذهب لغيره وكأنه أفضل المعامل خبرة وإتقانًا!، والمسألة لا تتعدى حاجة في نفس الطبيب قضاها! بل وصل الأمر ببعض الأطباء المتدنين أن يكتب في ورقة طلب التحاليل أرقامًا مبهمة ما هي إلا شفرة بين الطبيب المتثعلب والمعمل تدل على تحاليل معينة لئلا يفهم تلك الشفرة إلا هذا المعمل! وبالطبع كثير من هؤلاء الأطباء منعدمي الضمير يطلبون تحاليل وأشعات لا داعي لها للمريض يدرّون من ورائها ما يملأ جيوبهم ويزري بضمائرهم!

بل بعض الأطباء يعملون سماسرة للصيدليات بأن يأخذوا نسبًا من بيع الأدوية، لذلك تجد هذا الطبيب يؤكد للمريض أن الدواء الموصوف لن يجده إلا في صيدلية كذا فيذهب المريض المنخدع للصيدلية المذكورة من شدة ثقته الطفولية في هذا الطبيب!

بل الأدهى من ذلك موظف الإسعاف الذي يستغيث به أهل المريض ليحوّلهم إلى المستشفى المناسب لإنقاذ مريضهم يحصل على مرتب سرّي من مستشفيات خاصة في مقابل توجيهه لسيارة الإسعاف للذهاب بالمريض للمستشفيات تلك، في تلك اللحظات التي يتعلق بها الناس بحبل نجاة لإنقاذ أهلهم يكون ذلك الحبل مصدر استغلال لألمهم ومحنتهم! وإلى الله المشتكى.

إن كل ما ذكرته في هذا المقال يدلك أيها القارئ على حقيقة واحدة، وهي أن الطب في بلدنا ما هو إلا تجارة، وكمثل بقية التجارات يدخل فيه السمسرة والصفقات وانعدام الذمة والضمير، وهناك شيئان في الدنيا متى دخل المال فيهما فسدتا، الطب والتعليم، لذلك فسد الطب والتعليم في وطننا حين صار الحق في الصحة والعلم من حق من يدفع أكثر!، لذا لا تجد أبدًا بلدًا متحضرًا إلا ويوفر الطب المجاني والتعليم المثالي لجميع فئات المجتمع بلا تمييز بين غني أو فقير، وحينما لا يحصل الطبيب والمعلم على كفافهما فإنهما يضطران للانحطاط متاجرين بالطب والعلم مثلهما مثل أي تاجر يعرض سلعته، بل ينحدران ويفسدان ويلجآن لأقذر أنواع التجارات ليحصلا على قوتهما وقوت عيالهما وهنا تنهار الأمم وتتحطم الدول في وحل المرض والجهل والفساد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد