في حين يعتبر علم الاجتماع الأسرة هي الخليّة الأساسية في المجتمع وأهم جماعاته الأولية، تتكون الأسرة من أفراد تربط بينهم صلة القرابة والرَّحم، وتساهم الأسرة في النشاط الاجتماعي في كل جوانبه المادية والروحية والعقائدية والاقتصادية، يعتبرها الإعلان العالمي للأسرة أنّها الأساس الرّاسخ لأيّ حضارة عرفها التّاريخ، وأنّها الحصن المنيع للحرية ومفتاح التنمية والرَّخاء والسَّلام، وهي المدرسة الأولى والأهمّ لتعليم القيم الضَّرورية لرفاه الأطفال والمجتمع.

ماذا لو لم تكتفِ العائلة بكونها الخليّة الأساسية في المجتمع، بل تعدّتْ ذلك المجتمع لتكون عبارة عن صورة مصغَّرة عن دولةٍ بكاملها؟ وماذا لو كانت هذه «الدويلة» دكتاتوريّة؟

بما أنّ صلة القرابة والرَّحم تربط بين الأفراد التي تتكوّن منهم الأسرة فمن أين يأتي تسلّط الأخ الكبير؟ ولماذا بالأساس يخافه أخوته بمجرّد وجوده بينهم؟

حتى أنَّهم يخافونه أكثر من خوفهم من آبائهم أحيانًا! هل نسمّي ذلك أصلًا خوفًا أم رهبةً أم احترامًا؟ لو كان احترامًا فهو احترامٌ زائدٌ مُبالَغٌ فيه حدَّ الخنوع! وإذا ما أردنا أن نخوض في أسباب ذلك الخوف المقيت فنستطيع أن نقول إنّ هذه الأسباب تتعلّق في معظمها بجوّ العائلة والبُنية التي رُكِّبَت على أساسها هذه العائلة. وهناك بُنيتان رئيستان تتركّبُ على أساسهما العائلة:

الأولى: وهي بُنية الشورى، وفي هذه يتبادل أفرادُها الحب ويتقاسمون المسؤولية، ويتعاونون فيما بينهم ويساعدون بعضهم، ويعرف كلٌّ منهم ما له من حقوق وما عليه من واجبات، ويكون الهدف الرئيس في هذه البُنية تربية الأبناء وتوجيههم وضبطهم ليكونوا أفرادًا واعين مفيدين يساهمون في بناء مجتمعهم أو بلدهم وتطويره بشكلٍ فعّال.

الثانية: وهي التي سأتوسّعُ في حديثي عنها في هذا المقال وأسميتُها البُنية «الهرميّة»؛ وهذا الهرم المنزلي يتكون من ثلاث طبقات:

1- الطبقة الخاصة بالأب، وهو رأس الهرم الدكتاتور الكبير، والآمر الناهي وحامي وريثه الدكتاتور القادم (الابن الأكبر).

2- طبقة الابن الأكبر أو الأخ الأكبر وهو الذي رُبّيَ ليكون وريث أبيه في الدكتاتورية على أخوته، وحتى على أمه إذا ارتأى حاجة لذلك، وهو الذي يأمر وينهى في البيت ويجب أن يكون دائمًا محلَّ خوفٍ عند أخوته وحتى عند أمه في غياب أبيه؛ فلا يحقّ للأم مخالفته أو حتى مناقشته في أمرٍ ما. ويجب أن يكون هذا الأخ صارمًا حادًَّا شديدًا متعصّبًا لأفكاره ولا يقبل الجدال والنقاش في قراراته، كما يضرب بسيف أبيه ويحكم بقبضته التي يُفترَض أن تكون حديدية؛ فكأنَّ البيت بذلك يتحوّل إلى دويلة صغيرة يحكمها دكتاتور لا يُنازَعُ على الحُكم ولا في القرارات!

3- الطبقة المسحوقة التي لا يؤخَذُ بآراء أفرادها ويتوجّب عليهم أن يكونوا مطيعين خانعين خائفين مرتعبين من الأب ومن الأخ الأكبر! عدا ذلك ليس لهم أيّ دورٍ سياديّ أو قياديّ في دويلة هذا البيت وقراراته!

وتتكوّن هذه الطبقة من الأم وباقي الأبناء. ليست المشكلة في انتساب الأبناء – عدا الأخ الأكبر طبعًا – إلى هذه الطبقة بقدر انتساب الأمّ لها؛ فالأمّ – كما يُفترَض – هي القائد الدّاخليّ للمنزل والمسؤول عن أخلاق وتربية الأبناء بالاشتراك مع الأب. ولكنّ جهل هذا النوع من الأمّهات وضعف شخصيّتهن نظرًا لكونهن – على الأغلب – كُنَّ قد رُبّينَ في عائلةٍ لا دور للأمّ فيها سوى القيام بأعمال المنزل والاهتمام بلباس الأولاد ونظافتهم وإسكات الأطفال الرُّضَّع لأنّ الدكتاتور الأكبر (الأب) يُزعجُه بكاؤهم!

فهذه الأمّ لم يتمّ إعدادُها بالأساس لهذه المهمّة، ولن أستشهد بالبيت الشهير لشاعر النيل حافظ إبراهيم: الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددْتَها أعددْتَ شعبًا طيّبَ الأعراقِ.

بل سأكتفي بوصف أبي الحسن الماوَردي لهنّ بقوله:والأمهات أكثر إشفاقًا، وأوفر حبًّا، لما باشرن من الولادة، وعانين من التربية، فإنهنّ أرقّ قلوبًا، وألين نفوسًا، وبحسب ذلك وجب أن يكون التعطّف عليهن أوفر جزاءً لفعلهن وكفاء لحقّهن ولكن كيف لا يصبح الولد الأكبر دكتاتورًا وهو يرى أمَّه لا حول لها ولا قوّة ويرى الدَّعم اللّا محدود من أبيه له الذي هو في الأصل قد ربّاه على مبادئ الدكتاتورية من طَمَعٍ وجَشَعٍ وتحقيق أيّ مكسبٍ بغضّ النظر عن طريقة تحقيقه ومصدره وظلم بقية أفراد العائلة من أخوة وأمّ! لا أعلم ما إذا كنتُ قد وُفِّقتُ في هذه التقسيمات الأُسريَّة أو جانبَني الصَّواب في ما ذهبتُ إليه، ولكنّي أحسبُني اجتهدتُ في ذلك من خلال ما عايشتُه وأعايشُه من حالاتٍ كوّنَتْ لديَّ هذا الفرز!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد