يقول ابن تيمية رحمه الله: مثل الأخوة في الله كمثل العين واليد، إذا دمعت العين مسحت اليد دمعها، وإذا تألمت اليد بكت العين لأجلها. هذه الأخوة في الله، فما بالك بالأخوة بين الأشقاء.

هل سألت نفسك ما حالك مع أخوتك؟
إن من أعظم كرم الله علينا أن جعل لنا أنسابًا، فيقول تعالى وهو أصدق القائلين: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا. ( الفرقان ٥٤). لكن الأهم من أن يكون لك نسبًا هو أن تحافظ عليه ولا تقطع رحمك؛ لأن واصل الرحم ليس من يقابل الإحسان بالإحسان فالكل قادر على ذلك، أما الواصل لرحمه بحق هو من لديه القدرة على مقابلة الإساءة بالإحسان وسوء الظن بحسنه وبعد المسافات بالسؤال الدائم وجميل المعاملة.
من المؤسف جدًا أن ترى من الإخوة والأخوات من تمر عليهم شهورًا وأعوامًا وربما أعمارًا كاملة دون سؤال أو مبادرة بتقديم يد العون. ولا ينبع هذا إلا من انعدام المبالاة أو التهاون في حقوقهم وربما من ضمان البقاء، لكن القاعدة الأولى للحياة هي أنه لا أحد يدوم. فكل الماديات والمشاحنات والآراء المختلفة وكل الأمور الدنيوية مهما عظمت أو اختلفت لا تساوى شيئًا مقابل أن تفوز بقلوب إخوتك. ولنتذكر أنه من عاش حياته آملًا في الجنة فعليه أولًا أن يصل رحمه لأنه لا يدخل الجنة قاطع رحم. أما الأشقاء والشقيقات فهم أولى من يجب الوصل والبقاء عليهم بعد الأب والأم. فقد روى الإمام أحمد أن رسول الله صل الله عليه وسلم قال: بِّر أُمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك.

إن أردت أن تعرف فضل الأخ على أخاه فحاول أن تتطرق إلى ما فعل سيدنا موسى مع أخيه هارون. حيث قال السلف أنه ليس لأخ فضلًا على أخيه كما لموسى على هارون عليهما السلام. فإن موسى قد ظل يدعو لأخاه ويشفع له حتى أوحى الله إليه وجعله رسولًا. بدليل قول الله تعالى: وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ، قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا ۚ بِآيَاتِنَا أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35). (القصص ٣٤،٣٥).

ولا تنسى ما فعله الكريم يوسف عليه السلام مع إخوته بعدما حاولوا قتله وإقصاءه والتخلص منه. فما كان منه إلا أن قال كما جاء في القرآن الكريم: قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. (يوسف ٩٢).
ولنا في سول الله الأسوة الحسنة فلما جاءته أخته أسماء رضي الله عنها بعد أعوام من الانقطاع، ما كان منه إلا أن بسط لها رداءه، وطلب منها الجلوس عليه، ثم خيرها بين أن تعود أو تبقى مُحبِبة مُكرِمة، فاختارت العودة، فجهز متاعها وأرسل معها ثلاثة أعبد وجارية وخيرًا وفيرًا.

ولما سُئل أحد الصالحين عن الأخ قال: أن الأخ هو من يذهب البؤس والحزن عن إخونه ويعتني بهم كما جاء في قوله تعالى: وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. (يوسف ٦٩).

أما الحكماء فقد قالوا: بأن الأخ هو من يحمل همي ويسد خللي ويذكرني بربي ويسأل عني ويغفر ذللي. فقيل وكيف تكافئه قال: أدعوا له بظهر الغيب.

وزاد الشعراء على ذلك فقال أحدهم : أخاك أخاك من لا أخ له.. كساع إلى الهيجا بغير سلاح.
إخوتك هم عدتك للمهمات الصعبة فأكرمهم وتقرب منهم.

كان هذا في فضل الإخوة الذكور على بعضهم البعض أما البنات فهن الأحن والألطف ومنابع من ريحان تروى الأفئدة. فمهما تقدمت الأعمار واختلفت الاهتمامات، يبقى داخلنا ترابط قوي لا يمكن أن يفرّقه البعد، فهو من أجمل العلاقات التي تكون جزءًا من حيواتنا إن لم تكن أجملها. فالأخت تعتبر جزءًا من الروح وقطعة من القلب، وهي الابتسامة والنبض.

يقول صديقي حينما سألته عن فضل شقيقتاه في حياته: إن أكثر ما آتذكر من عمري هما هاتان الليلتان اللتان تزوجتا فيهما أختاي. فالأولى والتي كانت تكبرني بما لا يزيد عن عامين. تلك التي كانت صديقتي الأولى وصاحبتى المُقربة وكاتمة أسراري والقائمة على ملبسي وفراشي، كان سروري معها وفرحي في سعادتها، كانت تُشعرني دائمًا وكأن الله لم يخلق أخًا غيري. كانت هي الأكبر ولكنها الأحن، كانت هي الأكبر ولكني لم أر منها سوى كل إحترامٍ وتقدير كما لو كنت أنا من يكبُرها. فلا صوت يعلو حينما أنام ولا طعام يُطبخ في البيت سوى ما آكل، ولا نوم في الليل حتى أعود من سهراتي التى كانت تطول. لما تزوجت وسكنت في نفس الحي أحسست وكأن المسافات بيننا قد أصبحت ضوئية. ولم يستغرق الأمر كثيرًا لأوقن بأن البيت لم يعد ولن يعد كما كان في وجودها. ولم تعد الحياة تسير على نفس الوتيرة. فصرت أجلس وحدي في تلك الشرفة التي اعتدنا تقاسمها سويًا أتأمل تلك الكلمات والأحاديث والهمسات والضحكات. ولم يعد بوسعي سوى أن أتذكر ما لم أقدّره في وقت وجودها.

أما الأخت الثانية والتي كانت تصغُرني فقد كانت كبنتي التي لم أعرف معني المسؤلية إلا على يديها. لم تكن أبدًا أقل قدرًا من الأخت الكبرى. لذلك فقد ظننت ليلة زفافها أن الأمر سيكون على نفس القدر من الألم كما كان في ليلة زفاف الأخت الكبري. ولكني وبكل ما تحمل الكلمات من معنى لم أشعر بكسرة قلب في حياتي كما أحسست بفقداني لها ليلة زفافها. لم أبكِ على فراق أحد من الأحياء كما بكيت في تلك الليلة، وكل ما أتذكره أننى شعرت بجزء مني يُنتزع بكل قسوة. لكنها سُنة الحياة التي لا بديل عنها. وفي فضلهن وفضل كل أخت لا تكفي الكلمات ولا تحوى ذلك العبارات. فكما هو الحال دائمًا تعجز الكلمات عن وصف الإحساس. تزوجتا وبقيت أنا وحدي، أفكر فيهن وأشتاق لهن، ولكني لم يعد لدي الحق لأحادثهن وقتما شئت خوفًا من ضيق الوقت أو تجنبًا لإزعاجهن.

فأصبحت حينها من تلك الأشياء والأشخاص الذين نأخذ وجودهم في حيواتنا تملكًا هُن الأخوات، ولا نعرف قدرهن ومحبتهن وفيض عطفهن بحقٍ إلا عندما يتزوجن أو يفارقن البيت بسفر أو غيره. فمعهن كان العشاء في منتصف الليل بهجة، وسُخف الأحاديث لذة، حتى أن تلك الضحكات ذات الصوت العالي والتى كانت ممنوعة في الغالب كانت هي الأصدق. كان ذلك الصراع بيننا والنغزات وأوقات الصراخ والشجار الذي كان يتحول إلى محبة زائدة هو الأثمن. كان الخصام بيننا لا يدوم سوى سويعات . ولو تذكرت لأيقنت أنهن من يبدأن دائمًا بالصلح في كل مرة، وذلك لطيب قلوبهن وسوء مزاج الرجل كطفل كان يظن أن الرجولة في السيطرة والخشونة. ستشتاق لهن ولضحكاتهن وتعليقاتهن والسهر معهن، حتى أنك ستشتاق لتوبيخهن ولمواساتهن وحبهن الخالص. فوالله ومهما حييت لن تجد أحن من الأخوات. فالبيت بلا طعم حتى يحضرن وكأن الفرح والسرور يحضرن معهن ليجتمع الكل وتعم البهجة.

إن الحياة مع الأخوات هي كالحلقة التي لا رأس ولا نهاية لها. فالخنساء لما فقدت أخاها صخر هي من قالت: أنا أعظم العرب مُصيبة فقد فقدت أخي. وقالت في قصيدتها: أفيا لهفي عليه ولهف أمي.. أيصبح في الضريح وفيه يُمسي!

فإن الرجال ربما قد اعتادوا ما فيهم من بعض القسوة، لكن حتى وإن كن بعض الأخوات لا يُحسن التعبير أو المصارحة بمكنونات صدورهن لإخوانهن فذلك لعجز اللغة أو الخجل الذي هو من صفاتهن، فهُن الأحن والأطيب والأكثر عطفًا ورحمة.

ولا ننسى قصة الحجاج بن يوسف الثقفي لما اعتقل ثلاثة رجال وأمر بقطع أعناقهن في قضية قتل الخليفة المنتصر عام ٤٦٤هـ، فجاءت امرأة تهرع إليه وترتجف. فلما وقفت أمام الحجاج سألها الحجاج قائلًا لماذا تبكين؟ ولكن رغم قسوته ورغم صعوبة الموقف أبلغته بأن الثلاثة، هم زوجها، وابنها، وأخوها، فكيف لا أبكي. فخيرها الحجاج بين الثلاثة ليعفو عن أحدهم. وبعد تفكير طويل وحيرة شديدة. إختارت حياة أخيها. فتفاجأ الحجاج لذلك قائلًا: لماذا تضحين برفيق حياتك وفلذة كبدك طلبًا في حياة أخيك؟ فقالت: أما الزوج فهو موجود وأما الولد فهو مولود، أما الأخ فهو مفقود. فقد مات أبواها، وإن مات أخوها فمن ينجب غيره؟ فلا تراهن أبدًا على حب أختك لك.

ولما رأي النبي محمد صلى الله عليه وسلم أخته الشيماء بنت الحارث بكى فرحًا، وقال حينها: من كان له أختان فأحسن صحبتهما دخل بهن الجنة. والله سبحانه وتعالى لا يعطي الجنة إلا لأمر عظيم والأخت عظيمة.

ولما خرجت أخت موسى تتقصى أسره في الصندوق لم تعد إلا وهو يلتقم ثدي أمه مرةً أخرى.

ـوعمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي هابه كل العرب لم يحطم كبريائه، إلا دم أخته لما سال على يديه فرق قلبه وأسلم.

فالأخ في معظم الأوقات هو بطل أخته الأول وسندها الأقوى ووجهة حياتها ولا ترى أحدًا في عظم قدره. والأخت هي الأم الثانية وإن صغرت واليد الحانية وإن بعدت وهي القلب الرؤوف. فيها ريح الوالدين ورحمة الأبوين وهي أصل الرحم. وهن القائلات: الأخ هو ركن الروح ورفيق لا يغيب وزاوية الذكرى وخليل الطفولة وجبل تستند عليه حينما تكبر ويد العون التي لا تنقطع. وكما قال الله تعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. فكم استقوينا عليهن صغارًا وقصرنا في حقهن كبارًا. ومازلت أعتقد أن جزءًا كبيرًا من الشعور بالحياة يتلخص في وجود الأخوات.

من فضل الإخوة على بعضهم:
ـ أن تدعو لهم بظهر الغيب. فلا شيء أعظم من أن تدعو لمن تحب.
-التلطف والتقرب والتودد إليهم، وبسط يد العون حتى وإن لم يطلبوها.
– أن تغفر لهم وتسامح ما صدر منهم وأن تحسن الظن بهم فهم جزء لا يتجزأ منك، وليكن يوسف عليه السلام هو قدوتك في ذلك.
– إن كان المال هو سبب مشكلاتك معهم فقم باستغلاله واجعله وسيله لتوثيق هذا الرباط الأبدي بينكم.

دمتم متحابين في الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد