فكرة التيار ترددت أمامي منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وكنت في الجامعة، وكنا كثيرًا ما نعبر عن أنفسنا بالتيار الإسلامي، وبالأخص عند الانتخابات الطلابية.

أول من انتقد لفظ التيار أمامي فضيلة الشيخ حسن عليان، حيث ذكرت أمامه أننا باعتبارنا تيارًا إسلاميًا الحمد لله وفقنا في الانتخابات الطلابية، فرد علي قائلًا: نحن لسنا تيارًا إسلاميًا بمفهوم التيارات الليبرالية والشيوعية والناصرية التي تعبر عن نفسها بهذا الاسم، إنما نحن جماعة إسلامية تختلف تمامًا في أدبياتها ومرجعيتها عن فكرة التيار.

التيار فكرة جامعة بين الناس بلا ترتيب أو تنظيم وإن كان لها من يؤمن بها من المفكرين والمنظرين، إلا أن مواجهة النظم المستبدة في الداخل، والصهيوأمريكية في الخارج لا يمكن أبدًا أن تنجح بفكرة التيار وحدها والكلام ما زال للشيخ العالم حسن عليان.

قلت له يا مولانا مصطلح التيار هو الطاغي علينا في الجامعة، وأصبح الكل ينادي به، قال: لعل هذا يصح لبعض الوقت كمصطلح شائع ومعلوم عند كل التيارات الأخرى، لكن الحقيقة أننا لسنا تيارًا بمفهوم التيارات الأخرى.

منذ أكثر من ثلاثين عامًا كان هذا الحوار وما زال عالقًا في ذهني، ونصحني بعض تلامذتي وقد رآني سحقت نفسي في جماعة الإخوان المسلمين منذ نعومة أظفاري، أقوم بها وأتحرك لتحقيق أهدافها في مدينة صغيرة، فقال: لم تفعل هذا وقد أوتيت ما يكبر على ما تفعل، فهلا كنت في خارج الجماعة أفضل تنشئ تيارًا عامًا بدون التمحور حول التنظيم وإشكالاته وعيوبه وهمومه وتحدياته.

فقلت له: الجماعة بناء يقوي بعضه بعضًا حتى ولو كان في أعلاه بعض اللبنات الضعيفة التي لم يحسن الباني وضع الأفضل منها في مكانها، لكنها في النهاية تشكل حائطًا قويًا أمام الرياح العاتية، أما فكرة التيار فتشبه المطبات الصناعية مجرد حاجز للسرعة فقط أمام المتهورين والمسرعين، فلا تشكل بنيانًا مانعًا من حركة الأعداء.

تعود الآن فكرة التيار تطرح نفسها في ظل سياق محلي في داخل مصر حيث التحديات الأمنية الرهيبة والمؤثرة في الحركة بصورة كبيرة وقوية، وسياق إقليمي غالبه يحارب التنظيمات الكبرى ويجعلها من ألد أعدائه، ويقدم التطبيع مع اليهود على التعامل معها بأي شكل من الأشكال، وسياق عالمي صانع للأنظمة المستبدة، وراعٍ للإرهاب ضد الفكرة الإسلامية السنية، كل ذلك تحديات ومعوقات أمام فكرة الجماعة والتنظيم.

طرح فكرة التيار الآن أمام إخفاقات التنظيمات صاحبة الأهداف الكبرى يجعل لها شيئًا من الوجاهة الظاهرية، وهي ليست فكرة منحصرة في مجموعة معينة ذات تخصص إعلامي أو سياسي أو شرعي، وإنما بسبب الواقع الأليم يتبناها بعض الشباب المصدوم في قيادته خصوصًا وأمام تحديات الواقع عمومًا.

بحكم معرفتي بالجماعة أفرادًا وقيادة أستطيع أن أقول: إن فكرة التيار انعكاس طبيعي للظن بفشل الجماعة أمام التحديات، وردة فعل في ظاهرها البديل المناسب للتنظيم، لست في البداية ضد فكرة التيار العام الذي يزلزل الطواغيت ويقلع جذورهم من أرضنا، إنما أيضًا لابد من الوقوف على الآتي:

أولًا: النظر في الحكم بفشل الجماعة كصورة ظاهرة أمام بعض الشباب أو القيادات الإعلامية والسياسية والشرعية، لأن الحكم بالفشل أو النجاح له معاييره العلمية الدقيقة التي تحكم عليه، أما الانطباعات الخاصة أو الصورة الظاهرة بالحكم على الشيء بالفشل في غالبها غير صحيح، لفقدان الصورة المتكاملة والرؤية الكلية للمشهد من جميع أطرافه وزواياه.

ثانيًا: لم تقدم لنا أي دراسة علمية حتى الآن تقييمًا للموقف الآني، وتجيب عن سؤال مفاده: هل نستمر في الجماعة لأنها لم تفشل كليًا، أم أنها فشلت فالبديل هو التيار العام البعيد كل البعد عن فكرة الجماعة والتنظيم.

وهنا أخذ على كل أخ من الجماعة إعلامي أو سياسي أو شرعي أو من الشباب خرج عن أدبياتها لمجرد رؤى شخصية أو نصائح من فلان أو علان بأنه لا مستقبل للجماعة الآن، حيث التحديات داخل الجماعة وخارجها أكبر من الحل فضلًا عن النجاح، لأن الاتباع أو الخروج من الجماعة ليس مبنيًا على نصائح الآخرين وإن كثرت، أو الرؤى الشخصية وإن وافقت الظاهر، وإنما نحن بنينا ارتباطنا للجماعة على أسس علمية، ومعايير شرعية وواقعية وأدبية.

ثالثًا: الكل يكاد يجمع على أن صورة الفشل الظاهري لتحقيق أهداف الجماعة الكبرى سببه الأول ممارسة بعض القيادات أدوارًا سيئة للغاية في إدارة المشهد العام سواء في الداخل المحلي المصري أو الإقليمي أو العالمي، وليس الفشل ناتجًا من أدبيات الجماعة أو ذاتية أهدافها الكبرى التي آمنا بها وظللنا طوال عمرنا نجاهد في تحقيقها.

أكبر دليل على ذلك أن الجماعة لما تحررت عامًا أو يزيد عن استحواذ هذه القيادات الفاشلة نجحت في إدارة ذاتها على الأقل داخليًا أمام مشهد الانقلاب العاتي، وتحرك أبناء الصف مع غيرهم بكل قوة ضد الخونة والمستبدين، ولولا التزوير والتدليس والاتهامات الباطلة ضد هذه القيادة التي نجحت بشكل جزئي لكان الأمر حسب الترتيب الدنيوي والأخذ بالأسباب أفضل من صورتنا الظاهرية الآن.

رابعًا: تبني فكرة التيار بديلًا عن الجماعة بدون تقييم علمي وبدون وضع تصور علمي دقيق لفكرة التيار، هدم للجماعة دون بديل واضح المعالم، نعم الجماعة وسيلة لتحقيق الأهداف الكبرى، فإذا وجدت وسيلة أخرى معبرة عن الهوية والتاريخ ومتبنية للأهداف بصورة تملأ الفراغ التنظيمي الممتد عمره ما يقرب من قرن من الزمان، أمر لا يعارضه عاقل، وإنما اتهام الجماعة بالفشل وتبني فكرة هلامية ذهنية عند بعض الأشخاص هذا ما أنكره وأستبعده من عقلاء الإعلام والسياسة والشرع.

خامسًا: لماذا لا نفكر في الجمع بين خيري الجماعة وواقعية التيار بعد دراسة علمية معمقة، لماذا هدم الماضي كله، لا شك أن الجماعة الآن في وقت حرج، وتحد كبير، وحقها علينا بموجب الرحم التي بيننا وبينها أن نصلح حالها، ونقيم ميزانها، ونقدم شبابها، ونطرح عنها ما علق بها، ثم يكون من أولى أولوياتها إنشاء تيار عام في الأمة يجمع القريب والبعيد بصورة صادقة، ومشاركة حقيقية للرؤى والأهداف والوسائل والآليات والإجراءات بحسب الاستطاعة والنفوذ والقوة.

سادسًا: أثمن أي إبداع من خارج الجماعة يتبنى فكرة التيار، ويجعل لها تصورًا محددًا، وأهدافًا واضحة، هذا جهدهم يشكرون عليه، وعلينا نحن الجماعة أن ننظر فيه ونتناغم ونتكامل معهم، فالحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها، وصيانة للجميع: نقوي الجماعة ونذهب عنها خبثها ورجسها حتى تحقق أهدافها، ثم نتبنى أي تيار منسجم مع أخلاقها وأدبياتها وتاريخها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد