عقب إعلان (حزب النور) تأييده للسيسى لفترة رئاسية ثانية تباينت ردود الفعل بين مؤيد ومعارض، دعونا نسبح بعيدًا عن الرأى المؤيد لنناقش بهدوء الآراء المعارضة، وتنقسم تلك الأراء المعارضة إلى شقين كالتالي:

الشق الأول الرافض للسيسى والمحترم للاختلاف في وجهات النظر، فهؤلاء يرون أن من حق حزب النور – وكذا أي حزب آخر – دعم أو رفض ترشح السيسى لفترة رئاسية أخرى، فلكلٍ إجتهاده ورأيه السياسي الذي لابد أن يحترم حتى وإن اختلفنا معه، وفي مجتمع ينخر التطرف الفكري بشتى صوره في مفاصله، ويتلاعب الإعلام بعقول مواطنيه، فإن أصحاب ذلك الرأى السديد يتضاءلون عددًا وتأثيرًا ويصبحون قلة قليلة.

أما الشق الثاني المعارض لقرار حزب النور – وهم الإخوان وداعموهم – فسلكوا مسلكًا آخر، ألا وهو سباب بتشنج مختلط بهستريا غاضبة، ولا بأس من بعض النعوت ذات الصبغة الشرعية لدغدغة العواطف واستثارة الحماسة، ووسط أكوام البذاءة والسباب دعونا نحاول أن نستخرج الاعتراضات الموضوعية القابلة للنقاش من بين صراخ الإخوان الغاضب ومؤيديهم:

أولًا: حزب النور يؤيد حكم العسكر الذي سفك الدماء البريئة

وهنا لندع الرد على ذلك الإعتراض للإخوان أنفسهم، إخوان مصر وإخوان فلسطين، فمنذ عدة أيام أعلن قادة بارزون من الإخوان دعمهم للفريق أول سامي عنان مرشحًا رئاسيًا، بعضهم أعلن دعمًا مطلقًا، والبعض الآخر أعلن دعمًا مصحوبًا بعدة اشتراطات، كان من أبرزها إعادة المحاكمات والإفراج عن المظلومين، بالمناسبة عنان هذا هو أحد أبرز قادة العسكر، والذي تمت في عهده مذابح الثوار على مدار عام ونصف، وهو من حاول بمعاونة المشير طنطاوي تقييد وتكبيل الرئيس المنتخب د.محمد مرسي – فرج الله كربه – وأيضًا في عهده تم محو أدلة إدانة كافة رموز النظام السابق الذين عاثوا في الأرض الفساد، على الرغم من كل ذلك هرول الإخوان لدعمه؛ لأنهم رأوا فيه مخرجًا لأزمتهم الطاحنة، وإيقافًا للنزيف المستمر، ودعونا ننتقل قليلًا إلى إخوان فلسطين الذين رفعوا لافتات تأييد للسيسي، وترحيب بمدير مخابراته، وعندما اعترضت بعض فصائل المقاومة على تلك المبالغة في تمجيد ذلك القائد العسكري الذي يحمله الإخوان – بشكل منفرد – وزر دماء سُفكت بغير ذنب، ورجال أبرياء زُج بهم في غياهب السجون، حينها رد إخوان مصر وإخوان فلسطين قائلين: (إنها موازنات المصلحة والمفسدة، ارتقوا بفكركم السياسي وكفاكم عبثًا)، ومن العجيب بعد كل ذلك أن يعترض نفس أولئك الإخوان على تأييد حزب النور للرئيس السيسي على الرغم مما أبدوه من دعم له وحفاوة في فلسطين الحبيبة، ومن هرولة وتأييد لأخيه العسكري الآخر الفريق سامي عنان في مصر.

ثانيًا: حزب النور يوالي الظالمين والطغاة

قطعًا مصر تعاني من مظالم شتى، وانتهاكات متعددة لحقوق الإنسان كانت موجودة أيام حكم المجلس العسكري، واستمرت أثناء حكم الإخوان، ومازلت مستمرة، تتزايد أحيانًا وتعلو موجتها وتننخفض أحيانًا أخرى وتنحسر قوتها، وبما أننا نتحدث عن فصيل إسلامي (الإخوان) معترض على قرار فصيل إسلامي آخر (حزب النور)، إذًا دعونا نناقش الأمر من منظور شرعي، ولنفترض أن السيسي حاكم ظالم كما يعتقد الإخوان، فهل يجوز شرعا تأييد الحاكم الظالم؟

لننحى أراءنا جانبًا ونتأمل كلام العلماء، وبما أننا اتفقنا على تناول وجهة نظر الإخوان بحيادية تامة، لذا فلابد أن نتعرف على رأي أحد أكثر العلماء الذين يستشهد بهم الإخوان وداعموهم، إنه سلطان العلماء وبائع الأمراء الإمام العز بن عبد السلام، يقول الإمام العز فى كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام):

(إذا تفاوتت رتب الفسوق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسوقًا، مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس، وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، فإن تعذر تقديمه قدمنا المتعرض للأبضاع على من يتعرض للدماء، وكذلك يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر والصغير منها والأصغر على اختلاف رتبها.

فإن قيل: أيـــجوز القتال مع أحدهما لإقامة ولايته وإدامة تصرفه مع إعانته على معصيته؟

قلنا: نعم، دفعًا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت ودرءًا للأفسد فالأفسد).

تأمل رأى الإمام العز، هنا الإمام لا يتحدث عن مجرد تأييد، بل يتحدث عن قتال مع حاكم ظالم ينتهك الحرمات والأبضاع، وإذا تأملت أراء واقوال العلماء تجد بجلاء إعلاء لقاعدتي (الموازنة بين المصلحة والمفسدة) و(دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما)، وهما قاعدتان عليهما إجماع الصحابة والتابعين والعلماء عبر العصور، فنحن لا نتحدث عن قواعد محل خلاف، إنما هي قواعد مجمع عليها، وتظل محل اجتهاد في التطبيق باختلاف الزمان والمكان والحال، وببعض البحث ستجد مئات النقول والأقوال للعلماء الثقات – عند جماعة الإخوان المسلمين ومؤيديهم من باقى التيارات الإسلامية – تؤيد الكلام السالف ذكره، ولكن يظل السؤال الآخر الأكثر أهمية، وهو: هل ما يقوم به حزب النور هو تأييد للظلم والظالمين من الأساس؟ ولندع شيخ الإسلام ابن تيمية يجيب، يقول شيخ الإسلام في كتابه (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية): (والمعين على الإثم والعدوان من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه، أو على أداء المظلمة: فهو وكيل المظلوم؛ لا وكيل الظالم، وقطعًا لم يشارك حزب النور في مباشرة أو تأييد أو التشجيع على أي نوع من الظلم والعدوان منذ تأسيسه وحتى الآن، بل سعى في تخفيف المظالم والإنكار على الظالمين على قدر الاستطاعة). وكلام شيخ الإسلام السابق، أوضح من أن يحتاج إلى بيان وشرح، إذًا فمن العجيب على من يتخد الإسلام رايةً والشريعة شعارًا له أن يفسق أو يكفر – كما فعل البعض – حزب النور وقادته لاختيارهم السيسي، حتى وإن سلمنا بظلمه وطغيانه، خاصة وأن الواقع الحالي لا يطرح أي بديل آخر قادر على الحفاظ على تماسك الدولة ومنعها من الانهيار كما حدث في باقي دول الربيع العربي.

ثالثا: حزب النور نسي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي طالما صدع رؤوسنا بوجوبه

هنا تبرز من جديدة إشكالية ضعف العلم وضحالة الثقافة الإسلامية وغلبة الهوى على الشرع، فإذا تأملت بيان تأييد حزب النور للرئيس السيسى تجد أن غالبية البيان ما هو إلا إنكار للمنكرات القائمة وأمر بالمعروف المأمول، ثم يأتي تأييد الرئيس السيسي في سطر واحد لا غير في آخر البيان، ودعونا نتأمل بعض عبارات البيان:

(يجب على الدولة العدول عن سياسة الاقتراض لسد عجز الموازنة؛ حبث إنه لا يجوز اللجوء إليه إلا في حالة الضرورة).

(ومن أهم واجبات المرحلة القادمة المعالجة الفوربة والسريعة لقضية التعذيب عن طريق تخصيص دوائر خاصة في المحاكم للفصل في هذه القضايا، بحيث يكون العقاب سريعًا؛ وبالتالى يكون رادعًا لكل من يستغل سلطته في العدوان على حرمات الآخرين).

(ويجب مراجعة قوائم المسجونين وسرعة الإفراج عن كل مسجون يثبت أنه حبس ظلمًا، وفتح باب الاندماج في المجتمع أمام من ينبذ التكفير والعنف، وبصفة عامة يجب أن تعمل الدولة على أن تكون أوضاع السجون آدمية).

(وقبل كل الجوانب السابق ذكرها واللازمة للنهوض ببلادنا يأتي المطلب الأهم والواجب الآكد، ألا وهو تأكيد وترسيخ المرجعية العليا للشريعة الإسلامية في جميع نواحي الحياة القانونية والسياسية والثقافية والاجتماعية).

هذا قليل من كثير ذكره بيان حزب النور، والمتتبع لأداء حزب النور يلحظ بوضوح أن شغله الشاغل هو إنكار المنكرات بشتى أنواعها، وتقديم الحلول والمقترحات للتغلب على تلك المفاسد والمنكرات على قدر المستطاع.

رابعًا: لماذا ارتفع صوت إنكار حزب النور أيام حكم الإخوان، بينما انخفض ولان هذه الأيام؟

هناك إشكالية في عقول كثير من الشباب الإسلامي – لا سيما الإخوان منهم – وهي الربط بين إنكار المنكر والغلظة في القول، متناسين أن الهدف من إنكار المنكر ليس تحقيق انتصار للنفس، ولا انتشاءً زائفًا، وإنما تقليل المنكر على قدر الإمكان، وفي غالب الأحوال لا تأتي الغلظة إلا بنقيض ذلك، أيام حكم د.مرسى توالت النصائح والمبادات السرية، ثم العلنية من قبل حزب النور في محاولة إنقاذ تجربة الحكم الإسلامي الوليد الذي انطلق به الإخوان سريعًا للاصطدام مع أغلب فئات الشعب ومؤسسات الدولة، وكان من أشهر تلك المحاولات مبادرة حزب النور في يناير 2012، والتى رفضها الإخوان بتكبرٍ وتعال، ورحب بها باقي أطراف الأزمة، ثم مر نصف العام وحدث ما توقعه حزب النور، واصطدم الإخوان بالجميع، وضاق الخناق، فإذا بـ(د. مرسي) يوم 2-7 يقترح نفس المبادرة بنفس البنود بعد أن استحى أن ينسبها لأصحابها الحقيقيين، ولكن حينها رفضتها باقي أطراف الأزمة، فلقد قُضي الأمر، وأدرك الإخوان متأخرًا أن في تلك المباردة خلاصهم، والعجيب أنهم استمروا بعد ذلك في مهاجمة وسباب حزب النور على أشياء كثيرة، منها بنود تلك المبادرة، تلك كانت مبادرة سبقتها، وتلتها عشرات النصائح والمبادرات في السر والعلن، والتي قوبلت كلها بالرفض من قبل الإخوان.

قطعًا الوضع السياسي الحالي ضحل، وآفاق الحرية محدودة، وهذا يتطلب حكمة في الإنكار – من الجدير بالذكر أن هذا هو منهج علماء الأمة عبر العصور – ولا ينبغي أن تدفعنا العنترية الجوفاء نحو أسلوب إنكار لا يفضي، إلا لمزيد من المفاسد، فمن شروط الإنكار التي أجمع عليها العلماء (ألا يؤدى إنكار المنكر لمنكر آخر أكبر منه)، أيام حكم د. مرسي كان إنكار المنكر بصوت عال لا يؤدي إلى منكر أكبر، بل على العكس، فلقد كانت محاولة لإنقاذ الإخوان وأهل مصر من صدام وشيك، بعد أن رفض الإخوان كل النصائح المباشرة وغير المباشرة، ولكنهم لم يعوا ذلك، أما أثناء حكم السيسي، فإن الإنكار بنفس طريقة الإنكار السابقة سيؤدي لمزيد من المفاسد، ومزيد من الخسائر لمصر بشكل عام وللتيار الإسلامي بشكل خاص، ولكن هل يعني هذا أن تتوقف شعيرة الإنكار وتصمت الأفواة وتتحجر الألسنة؟

قطعًا لا، نحن نتحدث عن أسلوب الإنكار، لا عن الإنكار في حد ذاته، ولنتذكر جيدًا أن الله عز وجل قد أمر موسى وهارون عليهما السلام بالقول اللين مع اللعين فرعون (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)، تأمل هنا الأمر بالقول اللين، لماذا؟ لأن هذا هو الأقرب لتحقيق (التذكرة والخشية)، فليس الهدف من الإنكار الانتصار للنفس، إنما الانتصار لشرع الله وفق مراد الله، وهذا ما يقوم به حزب النور، فعلى الرغم من الضغوط والتضييقات التي يتعرض لها في محاولة لتركعيه، إلا أنه مازال محتفظًا بنهجه الإصلاحي السلمي، غير عابئ بكذب هؤلاء، ولا بتدليس هؤلاء.

إذًا لماذا أصاب الإخوان وداعميهم كل ذلك الغضب من حزب النور طوال الفترة الماضية؟

يرجع ذلك لعدة أسباب، لعل أبرزها ما يلي:

– لأن حزب النور صاحب الخبرة السياسية محدوة السنوات قد أدرك ووعى ما عجز الإخوان عن إدراكه، بالرغم من طول ممارستهم السياسية، فأثبت لهم وللعالم أنهم مجرد هواة، إذا ما قورنوا بساسة حقيقيون يدركون معنى السياسة الشرعية جيدًا.

– لأن حزب النور فوت عليهم فرصة تحويل قضية عزل (د. مرسي) من صراع سياسي على كرسي الحكم إلى صراع بين الإسلام والكفر مما يتيح زج المزيد من الشباب من أبناء التيار الإسلامي في أتون الصراع ليصبحوا وقودًا لمعركة بين الفصيلين المتناحرين، وفي النهاية يتصافح زعماء الطرفان بعد أن يتفقوا على تقاسم الغنائم، بينما الأمهات الثكالى والزوجات الأرامل والأطفال اليتامى يبكون قتلاهم ومصابيهم.

– لأن حزب النور أثبت لهم أن شتان بين من يتخذ نصرة الشريعة شعارًا أجوف ينزوي مع أول اختبار، وبين من يتخذها منهجًا ومسلكًا للحياة، وحينما تتعارض أهواؤه مع الشرع يقدم الشرع على حساب هوى النفس.

– لأن حزب النور نأى بنفسه – حتى الآن – عن الانجرار وراء معارك لفظية وتشهير وسباب، بل ظل محافظًا على المنهج الشرعي في الرد على المخالفين، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدَّى حدود الله بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله وأزنه بميزان العدل وأجعله مؤتمًا بالكتاب الذي أنزله الله وجعله هدى للناس حاكماً فيما اختلفوا فيه).

ومن الجدير بالذكر أنك ستجد دائما أن أصحاب المناهج المنحرفة والأفكار المضطربة لا يجيدون النقاش العقلي المحترم والرد على الرأى بالرأى والبرهان بالبرهان، وإنما بضاعتهم السب والشتم والتفسيق والتكفير؛ لأن أغلبهم تتحكم بهم أهواؤهم وإعلامهم المدلِس، لا دينهم وشرعهم الحنيف، نسأل الله عز وجل لهم الهداية، وعدم الفجور في الخصومة، وأن يغفر لنا ولهم الزلات والعثرات، وأن يردنا ويردهم إلى طريق الهدى والرشاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات