جموعٌ غفيرةٌ من البشر كانوا في صفوف مُنظمة، وعُنوة منهم أٌقحموا في نفق سراب مظلم وأسلمت الأمر منها مُرغمة، وبعد أن كانت صورتهم ناصعة واضحة المعالم والبيان، غدت المرائي لديهم مُهشمة، فكم كانت النفوس سعيدة، ولكن أصبحت اليوم جريحة ومُحطمة، وبعد أن كانت الثغورُ نواطق غدت اليوم مُكممة، وانتُزع من شعارها السيوف القواطع، وغدت اليوم في شعار مثلمة، وهُدمت قلاعٌ حصينةٌ، وغدت بيوت مهدمة.

كُل ذلك يا سادة وأكثر بأيدي قوم من نفس الجلدة، بل كانوا كبار القوم لديهم وقتها، ليرثوا جميعًا هم ومن أقحموهم في نفق السراب هذا، ذُلًا وهوانًا يتوارثونه جيلًا بعد جيل، وهم يرقبون من بعيد كل من حولهم يسبقهم بخطوات بل وأميال ويتفوق عليهم بأخذهم بالأسباب، أسباب نصرهم وعزتهم وإبائهم، فلم يكونوا كما حفظوا في أناشيد رتلوها سنوات طوالًا أنهم «جيل النصر المنشود»، فلم تكن هذه إلا ترانيم كترانيم المعابد والرهبنة المبتدعة، التي لم يكتبها الله تعالى عليهم.

فالصمت كان أقوم لهم وأقيم، لأنك أيها المسكين ما زلت بداخل نفق السراب هذا منذ أن أشار به السيد «حسن الهضيبي» وقال هذا مكانكم فلا تبرحوه، فلا مفر منه ولا مناص، فأذعن إلى مشورته الأسلاف والأجداد، فكانوا هم أول من اكتوت ظهورهم بسياط «عبد الناصر» و«حمزة البسيوني» و«صفوت الروبي» بل كانوا في سابقة هي الأولى من نوعها أول من عُلقوا من التنظيم على أعواد المشانق، وأول من قضوا تحت التعذيب، هناك حيث أقبية الموت في «السجن الحربي» وأشلاء الفتية ودماء الشيوخ كانت شاهدة على جدرانه قبل هدمها، وما أدراك ما السجن الحربي، حيث الناسُ سُكارى من شدة العذاب وما هم بسُكارى، وكأنها نسخة مُصغرة من عذاب الآخرة، العذاب الذي أتى بألوانه «جمال عبد الناصر» إلينا من حلفائه الروس في خمسينيات القرن الماضي.

ورغم أني سمعت شخصيًا من السيد «عبد المنعم قابيل» أحد أبناء الرعيل الأول للإخوان المسلمين وأحد الذين عاصروا أهوال السجن الحربي ومذابحه، سمعت منه يوم الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني) في العام 2011م وهو يسرد عن التنكيل بحقهم في السجن الحربي وليس من رأى كمن سمع، ولا يُنبئُك مثل خبير، ولكن ألم يلفت نظركم هذا التاريخ لشيء يا سادة؟!

هذه الليلة كانت ليلة الخامس والعشرين من يناير، فهكذا يتوارث ويتهيأ أبناء الجماعة لقمع الطغاة، وهكذا يُعرون ظهورهم لسياط جلاديهم، ويضعون رؤوسهم تحت مقصلتهم ورقابهم تحت أقدام عدوهم طواعية منهم، ولا تحسبوا ذلك أيها الإخوان شرًا لكم، لأن كل هذا لا يُقصر الأعمار، ونحن ندفع الثمن بكل طواعية وحب واختيار!

أليس هذا ما ورثته الجماعة عن السيد «طلعت فهمي» المتحدث باسمها عند تفسيره مفهوم القتل والفتك والتنكيل والتعذيب بحقهم، نعم أيها السادة، فأنتم إذًا الضحية في كل زمان ومكان، وأنتم دجاج التسمين، والذبيحة الحاضرة الجاهزة في كل آن وفي كل حفل وانقلاب، بعد أن يرقصوا على جثثكم، ليُطعم الجائعون من لحمكم ويشرب الظامئون من دمائكم البريئة حتى يرتووا، أنتم بهذا المفهوم وبتفسير السيد «طلعت» الذي اجتهد وأصاب من وجهة نظره، أنتم كل ذلك وأكثر!

ولكم أن تُطالعوا حديثه:

فحلالٌ على كل البشر في كل الدنيا أن تثأر لشهدائها وأن تبكي قتلاها، لكن حرامٌ على الإخوان من وجهة نظر قادتها أن تبكي قتلاها في كل نائبة وعند كل بلية، لأن أسلافهم وكبُراءهم أورثوهم ذلك ولقنوهم أيضًا أن دماء قاتليهم دماء، ودماء المذبوح ظلمًا ماء، وبيان السيد «أحمد عاصم» المتحدث باسم الجماعة عند إدانته للحادثة التي تبناها تنظيم الدولة على السيارة الميكروباص بحلوان أوائل مايو (أيار) 2016 والتي قُتل فيها ثمانية أفراد من الداخلية وقدم خلال بيانه واجب العزاء لوزارة الداخلية يُؤكد ذلك ولكم أن تُطالعوا بيانه:

وحلالٌ على الإخوان أن يُساندوا كل حركات المقاومة والتحرر في كل مكان كما ساندوا ودربوا شباب «حزب الله» في أوائل الثمانينيات في الجنوب والبقاع اللبناني، وكما دعموا المقاومة الفلسطينية في غزة بالمال وغير ذلك وقت حصارها وحربها مع الكيان المحتل، ولكن حرامٌ عليهم أن يسعوا لذلك لأنهم ما زالوا في نفق «الهضيبي» وما زالت علائقه على أجسادهم، وتبعاته شاهدة على ماضيهم وحاضرهم وحتى مستقبلهم.

نعم أيها السادة. حلال على الإخوان أن يحشدوا وينصروا ويُمولوا لكن من داخل إطار ومفهوم هذا النفق، ومن يخرج من نفقنا هذا ولو بمجرد اجتهاد الفكرة لا بالعمل، فهو دخيلٌ علينا وهو كمن خرج على أمير المؤمنين «علي» وقاتله في واقعة النهروين، وهو كمن تسور الدار على «عثمان» وقتله في عُقر داره ونحن منه براء، وهذا ما أوضحه الإخوان في بيانهم قبل الأخير، ولكم أن تُطالعوه:

 

ليس ذلك وحسب ولكن من خرج من نفقنا ومن بيننا فليتحمل عواقب خروجه كما الحسين وابن عقيل وابن جبير وابن الأشعث الذين قُتلوا جميعًا في ثورتهم ضد أئمة الجور والبغي.

نعم أيها السادة، هو نفق ماء آسن، بدت منه رائحته منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وما زال على حالته لم يتطهر مما فيه من أفكار ولم يُضئ من ظلمته الحالكة، بل يزداد ظلامًا، إذا أخرج أحدهم فيه يده لم يكد يراها من شدة عتمته والتيه المتلاطم بداخله.
فمن المسؤول الآن إذًا؟ من المسؤول عن هذه الحالة المتدنية التي وصل إليها الإخوان المسلمون أبناء الإمام والشهيد والمُجدد، بل من المسؤول منهم على ما جنوه من آلاف القتلى والشهداء الذين قضوا بكل طرق القتل المتنوعة التي مُورست بحقهم، وآلاف المعتقلين من الشباب والشيوخ والفتيات والنساء، ناهيك عن الآلاف من أنصارهم وأتباعهم في دول الشتات وعشرات الشباب المعتقلين في دول الخارج بسبب انتمائهم وتبعيتهم لهذا التنظيم، ومن المسؤول عن الشباب والفتيات الذين اتجهوا للفكر الإلحادي جراء ما حدث لهم من صدمات مرت بهم ولم يجدوا بعدها من يُضمدُ جراحهم ويُقدر ما هم فيه وما حل بهم ويتفهم لماذا وصلوا إلى ذلك!

وأين هي المكاتب ومجالس الإدارة والتنظيم الدولي ومكاتب الخارج بجبهتيها من هذه الحالة المُزرية؟! وهل أصبح دور هذه المكاتب والجبهات الآن يقتصر فقط على بيانات الإدانة والشجب والاستنكار؟ هل تحول كل أعضاء هذه الجماعة الكبيرة قيادةً وجُندًا لنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي وناقلي أخبار وبيانات وأحداث وفقط؟!

وإن كان هذا صحيحًا فلماذا لا تغير الجماعة اسمها ونشاطها إلى جماعة لحقوق الإنسان مثلًا أو منظمة للحقوق والحريات وهي لديها من المظلومية الكبيرة ما يُساعدها ويُعزز موقفها لذلك، فمن غيرها لديه هذه الأعداد الهائلة من المعتقلين الذين يقبعون في كافة سجون مصر وخارجها، ومن غيرها لديه العشرات من الفتيات والنساء المعتقلات، ومن غيرها تم سحقه في ميدان عام وقت اعتصامهم أمام العالم بالآليات والجرافات والمعدات العسكرية، ومن غيرها تم حرق أبنائها المُصابين حتى الموت، ومن سواها تم تصفية أبنائها خارج إطار ما يُسمى «بالقانون»، إضافة لقتلى الإهمال الطبي في السجون ومن ماتوا تحت وطأة التعذيب ومن تم إعدامهم ظلمًا رغم ثبوت أدلة براءتهم ورغم كل الضجيج المحلي والعالمي بإيقاف إعدامهم قبل تنفيذ الحكم الصادر عليهم، إضافة للثكالى والأرامل والأيتام، و… و…

نعم يا سادة إن كل ما حدث ويحدث قضاء وقدر، ولا مُعقب لحكم الله، وكلنا حتمًا سنموت، لكن هذا ليس مُبررًا أن يذبحوكم من الوريد إلى الوريد ويقتلوكم بهذه الطريقة الفجة والأسلوب الوقح.

يا سادة صراحةً ومن دون خجل، كل ما في الأمر أنكم أوتيتم مُلكًا فلم تُحسنوا سياسته، وكلُ من لا يسوس الملك يخلعه، وهذه هي تبعات الديمقراطية بمفهوم الدبابة العسكرية، فهي أبدًا ليست الركن السادس من أركان الإسلام فقد حذركم منها الشيخ «حسن الترابي» قبل وفاته، ولكن استكبر أسلافكم عن نُصحه وأعرضوا عن حديثه، يا سادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لم يكن أبدًا الجزء الحادي والثلاثين من القرآن، فما أغنى عنكم زيارة أصحابه وقت اعتصامكم من ذبحكم بعد رحيلهم من ميدان اعتصامكم، وهم يعلمون قبلها أنه قد اقتربت نهاية هذا الاعتصام بفضِّه لا محالة.

ولكن هل من تصحيح لخطوات المسير؟ هل من مراجعة أخطاء ما حدث لكم لأكثر من مرة، وكأننا في مشاهد الكاميرا الخفية، لا أقول إن أحداث 2013م التي مرت عليكم كانت الأولى، ولكن سبقتها بنفس طريقة القمع أحداث الخمسينيات والستينيات.
يا سادة لابد من كسر حالة الجمود هذه بقرار من رجل حكيم يجمع الشتات ويأخذ العبر مما فات ويرحم أنين الأرامل والثكالى والأيتام من الأبناء والزوجات والأمهات، وإلا فالتاريخ لن يرحم أحدًا وسيُسجل كل مواقفكم هذه ويتوارثها الأجيال جيلٌ بعد جيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد