«اليسار الإسلامي ليس حزبًا سياسيًّا، ولا يمثل معارضة حزبية، ولا يتوجَّه ضد أحد، لأنه يرى السياسة في ثقافة الأمة ونهضتها. فالمعارك أساسًا في الثقافة وداخل وعيها الحضاري ولا يهدف  إلى استنفار أحد أو الاستعداء على أحد، بل يرمي إلى يقظة الأمة، واستئناف نهضتها الحديثة، وطرح البدائل أمام الناس، والاحتكام إلى جماهير الأمة، وتجاوُز الحلول الجزئية والنظرات الفردية إلى تصور كلِّي وشامل لوضع الأمة في التاريخ».

هكذا عرف الدكتور حسن حنفي اليسار الإسلامي في افتتاحية مجلة اليسار الإسلامي العدد الأول عام 1981، إلا أن الدكتور حنفي لم يكن وحده صاحب هذا المشروع، فأدبيات الفكر الإسلامي حفلت بما قدمه أبناؤها من محاولات لتجسيد وبلورة هذا الطرح، أبرزهم الدكتور مصطفى السباعي في سوريا، ومحاولات بعض المفكرين في الجزائر في عهد الرئيسين بن بيللا وبومدين، وبعد ذلك مجموعة الإسلام المستقبلي في تونس، بالإضافة إلى شخصيات أخرى في مصر نذكر منها هنا كتابات للدكتور محمد عمارة في عقدي الستينات والسبعينات حول «الإسلام والثورة» و«التغيير الاجتماعي عند عمر بن الخطاب» و«الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب»، ثم أخيرًا مجموعة الشخصيات التي كونت مع حنفي تيار «اليسار الإسلامي» داخل حزب «التجمع الوطني التقدمي الوحدوي» اليساري في مصر، مثل الشيخ مصطفى عاصي وخليل عبدالكريم وغيرهما.

كما أن اليسار الإسلامي موجود بقوة في كثير من كتابات الشهيد سيد قطب على رأسها «معركة الإسلام والرأسمالية» و«العدالة الاجتماعية في الإسلام» وهي كتابات سابقة على عام 1954.

 

حاول مفكرو اليسار الإسلامي أن يجمعوا بين أفكار ومدارس وشخصيات متباينة -وأحيانًا متنافرة- مثل المعتزلة والأشاعرة، أو محمد عبده وسيد قطب والسيد السنوسي.

وقد ربط حنفي وآخرون الجذور الفكرية لليسار الإسلامي بجماعة الإخوان المسلمين على رغم ما وجهه للجماعة من انتقادات بشأن نقص وعيها بالمسألة الاجتماعية، وإقراره بالتباين الأيديولوجي بين الطرفين، واعتباره أن اليسار الإسلامي يكمل جماعة الإخوان؛ حيث إن الأخيرة تمثل أصولية فقه، والأول يمثل أصولية سياسة.

 

وبالنظر في أدبيات جماعة الإخوان المسلمين نجد أنها تتفق مع كثير من أطروحات اليسار الإسلامي، كتقسيم المجتمع الإسلامي إلى مستكبرين ومستضعفين، وإستراتيجية الاحتكام للجماهير، وأولوية تنمية الوعي السياسي والاجتماعي لديهم تمهيدًا لمراحل التعبئة الانتخابية، واستخدامهم كظهر قوي لا يكشف من أمامه للدفاع عن المصالح التي قررها الإسلام، وكذلك فكرة وجود معارضة سياسية كحق وواجب في آن واحد، واعتبار ذلك من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إضافةً إلى قضية إلزامية الشورى ومرونة آلياتها.

 

أما عن مفهوم الحاكمية، وهو من المفاهيم المثيرة للجدل في صفوف الحركات الإسلامية المعاصرة، فقد تبنى اليسار الإسلامي رأي الشهيد سيد قطب بأن القول بالحاكمية لله يعني فعليًّا إقرار المساواة فيما بين البشر، فإنه رأى أن الله أوكل بالحاكمية إلى خلفائه على أرضه، أي البشر.. كل البشر على قدم المساواة في المجتمع والدولة، وبعيدًا عن تسلط أية سلطة. وفي السياق نفسه رفض اليسار الإسلامي منح الحكام أي امتيازات خاصة.

 

ويتفق اليسار الإسلامي مع جماعة الإخوان في الدعوة إلى النهوض بالفرد، وتحسين المجتمع، وتوجيه الخطاب للطبقات الوسطى من أبناء المجتمعات الإسلامية، وتبني قيم عامة كالعدالة والمساواة والحرية، إلا أن الفارق في الأمر وعقدته أن جماعة الإخوان برغم من دعمها كل هذه الأفكار وتلبسها بهذه القيم، إلا أنها تتبنى خطابًا يمينيًّا بحتًا في مواجهة السلطة يعتمد على الإصلاح والاندماج في مؤسسات الدولة، ومحاولات الترميم الداخلي، الأمر الذي شكل عقيدة الإصلاح لدى الجماعة، ظهرت حتى في أقصى درجات المجتمع ثورية، والذي أدى بدوره إلى ترقيع حقوقي باهت رجع بالجميع قفزات متسارعة إلى الخلف.

 

وبالرغم من تبني اليسار الإسلامي خطابًا مغايرًا ممعنًا في الثورية والمقاومة وجلد الحاكم، إلا أن تجربته لم تنجح أيضًا. ويعزي الدكتور حسن حنفي هذا الإخفاق إلى أسباب عدة من أهمها إخفاق الحزب والمجلة في الترويج ونشر أفكار التيار، وغياب الرموز السياسية، وقوة اليسار العلماني، والذي شكل عاملًا سلبيًّا شديد الأثر في شعبية الفكرة لدى الجمهور، إذ صار يصنف من البعض على أنه أحد الحركات اليسارية التي تتمسح في الإسلام، وليس حركة إسلامية أصيلة، كذلك دخوله في رحى الصراع بين الإسلام السياسي والعلمانية على الحكم، وهو مازال في طوره الفكري بعد، كل هذه الأسباب اجتمعت لتحجم من انتشار اليسار الإسلامي وذيوعه والعمل به وتبنيه من قبل الأشخاص والجماعات، إلا أن هذا لا يمنع أن هناك تجارب ناجحة للتيار خارج القطر المصري منها:

الحزب الاشتراكي الإسلامي (السودان)

قدم الحزب الطرح التبشيري الثوري للإسلام الذي يجدد خصائصه في عدة نقاط أولها: نبذ الطرح الذرائعي والتبريري والاعتذاري والطائفي للدين، ثانيها: طرح الدين في صفاته الموضوعية باعتباره حاجة إنسانية يستمد أهميته وفاعليته من فطرة الإنسان ومن شريعته العالمية للبشرية جمعاء، ثالثها: هذا الطرح يحدد رسالة الأمة العربية، رابعها: هذا الطرح يخترق الطائفية ويزيل حواجزها، خامسها: المنطلق لفتح باب الاجتهاد.

الإسلاميون التقدميون (تونس)

هو تيار إسلامي عقلاني الاتجاه، اشتغل في أوساط الجماعة الإسلامية في تونس منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي في المساجد والجامعات والمعاهد التربوية، وعندما قررّ راشد الغنوشي وعبد الفتّاح مورو تحويل الجماعة الإسلامية إلى حركة الاتجاه الإسلامي في بداية الثمانينيات، عارض الإسلاميون التقدميون وعلى رأسهم أحميدة النيفر، وصلاح الدين الجورشي، وزيّاد كريشان وأصرّوا على الاستمرار في خطهم الإسلامي ضمن رؤيتهم الثقافية والفكرية والعقلانية. وكان هذا التيار يحمل في بدايته على ما يسمى بأقطاب السلفية القدامى والمعاصرين، واعتمد على مقولة اليسار الإسلامي، وكان هذا التيار يركّز على العقل أكثر من تركيزه على النص.

 

إن تجربة اليسار الإسلامي، وإن حمل الاسم متناقضات كشواء الثلج وقلي الماء، كانت تحتاج على الأقل لمزيد من إمعان النظر والتطوير وجبر ما بها من كسور، لأننا في ظل توديع الخطاب اليميني إلى لا رجعة، ضرورة وليس خيارًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد