حكومة حسين سري

لم تستمر حكومة علي ماهر الموالية للألمان كثيرًا لمعادتها للإنجليز، ولأنها كانت تعمل عن طريق البنا وجماعته على زيادة شعبية هتلر والألمان في الشارع المصري، لدرجة أن البنا قد نشر في جريدته «النذير» كذبة مضحكة صدقها الشعب تقول أن هتلر قد اعتنق الإسلام وسمى نفسه الحاج «محمد هتلر»، بغير أن يفسر كيف اخترق هتلر الأراضي السعودية ليؤدي فريضة الحج، فطلب السفير البريطاني في القاهرة السير «مايلز لامبسون» من فاروق إقالة حكومة علي ماهر وتشكيل حكومة متزنة، فتقدم ماهر ووزارته يوم 23 يونيو بطلب لاستقالةٍ قبلها فاروق يوم 27 يونيو، بعد عشرة شهور وسبعة أيام من تكليف ماهر بتشكيلها، ثم عين فاروق حسن صبري باشا رئيسًا للحكومة لكن القدر لم يمهله كثيرًا، فقد توفي وهو يلقي خطاب العرش في البرلمان يوم 14 نوفمبر 1940 بعد 139 يومًا من تشكيل وزارته، فأتى فاروق بحسين سري بديلًا لحسن صبري رئيسًا للحكومة.

كان حسين سري مهندسًا مثقفًا بثقافة غربية لا تعرف خلط الدين بالسياسة لما فيه من استهزاء بكليهما، ورجلًا حازمًا قوي الشخصية، فأعد مشروعًا يحرم على الجمعيات الخيرية العمل السياسي، في محاولة لفك الالتباس بين السياسة والدين، وكان نتيجة هذا القانون إغلاق مطابع الإخوان ومنعهم من إصدار أي منشورات سياسية، فرد حسن البنا بمقالة ينتقد فيها حكومة سري باشا «لانحرافها عن صحيح الإسلام» على حد تعبير البنا، أي أن من يعادي الجماعة هو بالقطع معادٍ للإسلام، ولم تجد الجماعة إلا النحاس باشا الذي هاجموه مرارًا وتكرارًا، فاستنجدوا به ليتدخل بنفوذه لصالحهم، فعاود الإخوان إصدار مجلتهم في 29 أغسطس 1942، وطلبت السلطات البريطانية من حسين سري الحد من نشاط البنا السياسي المدعوم بالصبغة الدينية، فرأى رئيس الوزراء أن نقل البنا إلى بلد ناءٍ بالصعيد قد يفي بالمطلوب ويحد من نشاطه، فطلب من د. محمد حسين هيكل وزير المعارف في ذلك الوقت نقل البنا إلى قنا في صعيد مصر ونقل السكري إلى دمياط.

كان البنا يحاضر في المركز العام للإخوان مساء الخميس عن «نظرة الإسلام للمرأة» عندما تقدم إليه أحد الأعضاء بورقة مكتوبة فلما قرأها اعتذر عن المحاضرة وخرج، وبعد فترة وقف الشيخ عبد المعز عبد الستار ليقول بأنه صدر أمر عسكري بنقل الأستاذ البنا إلى قنا، واجتمع مكتب الإرشاد ورأى معظم الأعضاء تحدي القرار والامتناع عن تنفيذ النقل، وأن يستقيل المرشد العام حتى لا يكون لأحد سلطان عليه، وفكر البنا في الاستقالة من الوظيفة كونه لا يحتاجها أصلًا، لكن وفي ظل الحرب والأحكام العرفية وتقهقر الإنجليز أمام الزحف الألماني، وجد أن الإنجليز لن يتراجعوا أمامه، وأن مرحلة المواجهة لم تأت بعد ولا يحسن التعجيل بها، فآثر البنا أن يمتص الضربة بدلًا من أن يصدها فيأتي ما هو أسوأ منها، وقال للأعضاء «أمر الاستقالة سهل لا يتطلب سوى ورقة وقلم ولكن هل سيقف الأمر عند الاستقالة؟ إن أمرًا عسكريًّا سيصدر باعتقالي في الحال، فالأحكام العسكرية مفروضة على البلاد والعباد، والنقل أيسر الأضرار، وأنفع للدعوة من الاعتقال وهي فرصة تعطي للصعيد حقه في نشر الدعوة». وهكذا وافق الشيخ على النقل، وسافر البنا إلى قنا في أول قطار لينقل نشاط الجماعة إليها، ولتكون فرصة لتثبيت مواقعه ونشر تنظيماته في صعيد مصر، فاستهل نشاطه بعقد مؤتمر للمسلمين والمسيحيين، في هذا المؤتمر بين المرشد العام أهمية الحكم بالشريعة الإسلامية وبدد مخاوف الأقباط من الدعوة للحكم بالقرآن الكريم قائلًا «في ظل الشريعة الإسلامية عاش المسلمون والمسيحيون في وئام ليس له مثيل»، وأكد أن «الإسلام لا يعرف معنى الديمقراطية التي يحدد مدللوها الناس حسبما تقضي مصالحهم والإسلام لا يعرف المتغيرات بل هو شريعة العدل لا تتغير ولا تتبدل تبعًا للمصالح والأهواء»، وعلى الرغم من قرار البنا بالرضوخ والامتثال لقرار النقل إلا أن الجماعة لم تهدأ، فأقاموا الدنيا وأقعدوها وتوسطوا لدى أصدقائهم من نواب البرلمان ورؤساء الأحزاب الصديقة لهم لكي يضغطوا على سري باشا لإعادة النظر في القرار، حتى تدخلت السراي لإعادة البنا من الصعيد إلى القاهرة مرة أخرى، وعقب إعادة البنا بتأثير السراي، قال السفير البريطاني مايلز لامبسون «أن القصر الملكي بدأ يجد في الإخوان أداة مفيدة، وأن الملك أصدر بنفسه أوامر لمديري الأقاليم المحافظين بعدم التدخل في أنشطة الإخوان الذين يعملون بلا أطماع شخصية لرفاهية البلاد، وبلا شك أن الجماعة استفادت كثيرًا من محاباة القصر لها».

أتت المواجهة الثانية بين سري والبنا بعد ذلك بشهور قليلة، فقد طلبت السلطات البريطانية من سري باشا اعتقال البنا مرشد الجماعة والسكري وكيلها وعبد الحكيم عابدين سكرتيرها العام بناءً على تقارير أجمعت على قيام الجماعة بعمليات تخريبية، فاعتقلتهم الحكومة في 16 أكتوبر 1941 في معتقل الزيتون بالقاهرة، وتم ذلك وسط أجواء الحرب والأحكام العرفية مما لا يعطي أملًا للمرشد ووكيل الجماعة في إفراج قريب، لكن تحرك كثيرون مرة أخرى للدفاع عن البنا منهم توفيق دوس المحامي المسيحي نائب منفلوط، الذي قدم استجوابًا إلى مجلس النواب بشأن اعتقال البنا، وكعادة الإخوان في الحشد، اعتصم طلاب الإخوان في مسجد السلطان حسين اعتراضًا على اعتقال مرشدهم، ونتيجة للضغط قرر حسين سري الإفراج عن البنا وزملائه في 13 نوفمبر بعد أقل من شهر على اعتقاله، وأثمر الضغط بأكثر من الإفراج عن البنا، فقد جعل الجماعة تشعر أنها على درجة كبيرة من القوة، وأن باستطاعتهم فرض ما يشاؤون بالتهديد على حسين سري الذي بدأ يدرك جيدًا ضعف حكومته التي لا تتمتع بتأييد البرلمان، وفي نفس الوقت فقدت تأييد الملك والإنجليز، فبدأ تقارب حقيقي بين الملك والإخوان مرة أخرى، وسعى سري باشا لتحسين صورة البنا لدى السلطات البريطانية بناءً على تعليمات مباشرة من الملك، وما لبث أن تم اتفاق بين المرشد والإنجليز للتعاون على محو أسطورة الحاج محمد هتلر التي أشاعها الإخوان أنفسهم بناءً على اتفاق مسبق مع الألمان مقابل مساعدات مادية، ومقابل التغاضي عن نشاط الإخوان في المدن والقرى، وقد حدث ذلك بالفعل والأدلة كثيرة فقد تزامن ذلك مع تقدم الألمان داخل صحراء مصر الغربية وسحقهم للقوات البريطانية، وبدأت المظاهرات في القاهرة وعلا هتاف الطلاب قائلين «إلى الأمام يا روميل». أما الإخوان الملتزمون بالاتفاق مع القوات البريطانية فلم يشتركوا بالطبع في المظاهرات الشعبية الوطنية وخفت صوتهم تمامًا.

حادثة فبراير 1942

لم تستمر الحكومة طويلًا مثل باقي الحكومات، لكن نهايتها كانت مختلفة عن السابقين. كان الوضع قد تدهور في مصر ولزم تولي رئيس قوي لحكومة قوية إدارة البلاد بديلًا عن سري الذي لا يتمتع بأي شعبية في الشارع المصري، وكما أنهى السفير البريطاني مايلز لامبسون حكومة علي ماهر من قبل، طلب تلك المرة إنهاء حكومة حسين سري، لكنه تلك المرة طلب تحديدًا تولي النحاس لرئاسة الحكومة تحديًا لفاروق الذي يحمل عداوة فائقة مع النحاس، لكن فاروق تقبل الأمر في البداية على أن يتولى النحاس رئاسة حكومة ائتلافية من جميع الأحزاب، لكن النحاس الذي يشكل حزبه الوفد أغلبية البرلمان تعنت ورفض هذا الاقتراح، ورفض تولي رئاسة أي وزارة غير وفدية بالكامل، فقرر فاروق أن يضرب بتحذير لامبسون عرض الحائط ويأتي بآخر لتولي الوزارة، وفي صباح يوم 4 فبراير 1942 طلب السفير لامبسون مقابلة رئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا، وسلمه إنذارًا موجهًا للملك هدده فيه بأنه إذا لم يعلم قبل الساعة السادسة مساءً إنه قد تم تكليف مصطفى النحاس بتشكيل الحكومة فإنه يجب عليه أن يتحمل تبعات ما يحدث، وكان السفير جادًا في هذا الإنذار، وفي مساء هذا اليوم توجه السفير ومعه قائد القوات البريطانية في مصر الجنرال «ستون» ومعهما عدد من الضباط البريطانيين المسلحين الذين قاموا بمحاصرة ساحة قصر عابدين بالدبابات والجنود البريطانيين، ودخلا إلى مكتب الملك وكان معه رئيس الديوان أحمد حسنين باشا، ووضع أمامه وثيقة تنازله عن العرش، وقد كتب فيها «نحن فاروق الأول ملك مصر، تقديرًا منا لمصالح بلدنا فإننا هنا نتنازل عن العرش ونتخلى عن أي حق فيه لأنفسنا ولذريتنا، ونتنازل عن كل الحقوق والامتيازات والصلاحيات التي كانت عندنا بحكم الجلوس على العرش، ونحن هنا أيضًا نحل رعايانا من يمين الولاء لشخصنا»، وعندما وضع  السير لامبسون وثيقة التنازل أمام الملك تردد لثوان، وقال لامبسون في مذكراته أنه أحس للحظة أن الملك سوف يأخذ القلم ويوقع، لكن رئيس الديوان الملكي أحمد حسنين باشا تدخل باللغة العربية وقال له شيئًا ما، ثم توقف الملك وطلب من لامبسون فرصة أخرى أخيرة ليستدعي مصطفى النحاس على الفور وفي وجوده إذا أراد، وأن يكلفه على مسمع منه بتشكيل الوزارة، فسأله لامبسون إذا كان يفهم وبوضوح أنه يجب أن تكون الوزارة من اختيار النحاس وحده؟ فقال فاروق أنه يفهم، وفي اليوم التالي انطلقت المظاهرات تهتف بحياة النحاس وحزب الوفد ورئيس وزراء بريطانيا وعدو مصر مستر تشرشل وسير لامبسون سفير بريطانيا العظمى التي تحتل مصر، والتي اكتسب الوفد شعبيته من مواجهتها، في تصرف متناقض اعتاد الشعب المصري ممارسته دومًا، وهكذا عاد النحاس مرة أخرى لمواجهة الجماعة وعاد البنا لمواجهة النحاس.

يتبع الأسبوع القادم…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإخوان
عرض التعليقات
تحميل المزيد