الدم

سجلت محاضر الشرطة أول أحداث عنف حقيقية من الجماعة بإلقاء قنبلة على النادي البريطاني في ليلة عيد الميلاد 1942، وتطور نشاط الجماعة بداية من نوفمبر 1944، إلى الحد الذي دفع «صالح أبو رقيق» الذي أصبح فيما بعد من كبار قادة الجماعة، إلى التبرع بمهر عروسته للتنظيم الخاص لشراء سيارة تحتاج الجماعة إليها فيما سمي بالعمليات الفدائية ضد الإنجليز، وتكررت عمليات ذلك الجهاز عام 1945 واستمرت الاعتداءات، لكن لم يتم القبض على أحد بسبب نقص الأدلة، ويروي أحمد عادل كمال في مذكراته «نقط فوق الحروف» قصة حصول الإخوان على السلاح فيقول: «حصل الإخوان بتوسط من الجامعة العربية والهيئة العربية العليا لدى وزارة النقراشي، على تصريح بجمع السلاح من صحراء مصر الغربية حيث كانت بقايا معارك الحرب العالمية الثانية ما زالت متناثرة حيث دارت، وكان التصريح لاثنتين من سيارات جريدة الإخوان عليهما اسم الجريدة وشارة الإخوان، غير أن النقراشي ما لبث أن سحب التصريح، ولم يكن بوسع الإخوان إذا سحب التصريح أن يمتنعوا عن جمع السلاح بعد أن صار لهم ألفان من المتطوعين لهم وجودهم الفعلي في الميدان ويفنون فيه أكبر الفناء في معاونة الجيوش النظامية بل نجدتها كلما تورطت أو وقعت في شرك، فكان يلزمهم السلاح والذخيرة. واستمرت حركة الجمع، وكان إخواننا الذين يجوبون الصحراء وراء السلاح يشاهدون اليهود يفعلون نفس الشيء من صحرائنا، وفى مصر أنشأنا بعض الترسانات المجهزة بالعدد والأدوات لترميم ذلك السلاح وفحص الذخيرة والمفرقعات وكافة أدوات الحرب التي نحصل عليها بعد أن بقيت بالعراء ما بين ثلاث سنوات إلى سبع»، ووقعت هجمات على أعداد كبيرة من البريطانيين المدنيين في سينما ميامي يوم 10 مارس عام 1946 وقذفت إحدى السيارات قنبلة خارج مبنى جمعية الشبان المسيحين يوم 5 مايو من نفس العام فأصيب 16 من أفراد القوات المسلحة البريطانية وسيدتان بريطانيتان، وألقيت قنبلة أخرى خارج ثكنات الجيش البريطاني بالعباسية فأصيبت سيدتان مصريتان تلك المرة، ودمرت أجزاء من سينما مترو في القاهرة بالقنابل في 6 مايو 1947 ونسفت سينمات ميامي وكوزموس ومتروبول، وأعلنت الحكومة عن مكافأة قدرها عشر آلاف جنيه لمن يرشد على الفاعل، وقد اتهم د. محمد حسين هيكل في مذكراته الإخوان بإلقاء القنابل، لكن صلاح شادي رئيس قسم الوحدات بالجماعة، ألقى التهمة على رابطة الشباب الوفدية، وتتابع إلقاء القنابل على سينما الإمباير كلوب الصيفية في 7 يونيو 1946 وأخرى على كوبري قصر النيل في 10 يوليو 1946، وارتكبت في 4 يوليو  1946 حوادث ضد السيارات والأندية الليلية للقوات البريطانية، وأعلن الإخوان عن «يوم الحريق» وهو يوم غير معلن موعده تحرق فيه الجرائد والمجلات والكتب الإنجليزية كرمز لمقاطعة الإنجليز وإعلامهم وثقافتهم، وتم ذلك فجأة في ليل 25 نوفمبر 1946 في أماكن عديدة من القاهرة والأقاليم وقد شاركت في إحراق بعض أجولة في تقاطع شارع الملك «مصر والسودان الآن» وشارع الملكة نازلي «رمسيس الآن» وقد تم ذلك عن طريق شعب الإخوان وكانت هذه لشعبة حدائق القبة، إضافة إلى القنابل التي ألقيت على عدد من أقسام الشرطة بالقاهرة في 26 نوفمبر 1946 ضد مشروع معاهدة صدقي – بيفن، وألقى أعضاء النظام القنابل على نادى الاتحاد المصري الإنجليزي ليلة عيد الميلاد للمسيحين الغربيين 24 ديسمبر عام 1946، فأصيب 3 من المصريين ولم يصب بريطاني واحد، وقبض على ثلاثة من الجماعة ووجدت مع أحدهم قنبلة يدوية، و حدث تفجير آخر في فندق الملك جورج  في العام نفسه، وحاول أومباشي مصري منتمي للجماعة نسف فندق بالإسماعيلية يوم 17 يناير 1947، بحجة أنه يقيم فيه جنود بريطانيون، ويروى صلاح شادي رئيس قسم الوحدات في مذكراته «الإخوان المسلمون وسنوات الحصاد» قائلًا: «كلفنا الأخ رفعت النجار من سلاح الطيران بالقيام بهذه العملية، بأن يحمل دوسيه به مادة ناسفة يشعلها ثم يتركها في ردهة الفندق إلى جوار الحائط خلف ستارة مدلاة على حائط الردهة ثم ينهض بعد ذلك ويمضي خارج الفندق، وجرى التنفيذ على أحسن وجه، ولكن ظهر للأخ رفعت عند مغادرته المكان أحد رجال المخابرات من الحراس الإنجليز الذي آثار شكوكه هذا الدوسيه المتروك، فتوجه الحارس ليمسك به، في حين أصر الأخ رفعت ليّ «ذراع» إنجاح التفجير فعاد إلى الدوسيه وأمسكه بيديه ومنع اقتراب أي شخص منه حتى تم التفجير في أثناء إمساكه به» وأصيب منفذ العملية إصابات بالغة، ويكمل صلاح شادي حديثه: «وأحضرنا له بعض الإخوة المحامين الذين دافعوا بأن قدراته النفسية والعقلية لا تضعانه في مستوى المسئولية الجنائية التي تمكن النيابة من تقديمه للمحاكمة! وتوجه الأخ رفعت للإقامة بمستشفى الأمراض العقلية بالقاهرة بالعباسية فترة اختبار انتهت بكتابة تقرير طبي من مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية إلى المحكمة بالإسماعيلية بعدم مسئوليته الجنائية عن هذا الحادث»، ويقول التلمساني: «إن السندي بث الفزع في قلوب المحتلين بتوقيت ليلة عيد الميلاد واختيار النادي البريطاني الذي كان مكتظـًا بالجنود الإنجليز وضباطهم» لكن يبدو أنه لم يتناسى أنه لم يقتل بريطانيًا واحدًا في تلك الليلة وقتل ثلاثة أبرياء مصريين لا ذنب لهم.

 

حادثة الجبل

تروي مذكرة حل الجماعة التي وردت في التحقيقات الرسمية إبان حل جماعة الإخوان أنه «في 19 يناير سنة 1948 ضبط خمسة عشر شخصًا من جماعة الإخوان المسلمين بمنطقة جبل المقطم يتدربون على استخدام الأسلحة النارية والمفرقعات والقنابل وكانوا يحرزون كميات كبيرة من هذه الأنواع – ضبط معهم 165 قنبلة – وغيرها من أدوات التدمير والقتل»، ويقول البنا في مذكراته تعليقـًا على تلك الحادثة كذبًا أن «هؤلاء الخمسة عشر الذين ضبطوا بعضهم من الإخوان ومعظمهم لا صلة له بالإخوان أصلًا، ولقد برروا عملهم بأنهم يستعدون للتطوع لإنقاذ فلسطين حينما أبطأت الحكومة في إعداد المتطوعين وحشد الجماهير، وقد قبلت الحكومة منهم هذا التبرير وأفرجت عنهم النيابة في الحال، فما وجه إدانة الإخوان في عمل هؤلاء الأفراد؟ خصوصًا وقد لوحظ أنه نص في قرار النيابة بأن الحفظ لنبل المقصد وشرف الغاية»، ويأتي عام 1987 ليروي أحمد عادل كمال عضو الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين في كتابه «النقط فوق الحروف» قصة حادثة الجبل بالتفصيل، وكيف كان يتم تدريب أعضاء التنظيم السري قائلًا: «كلفنا بالبحث عن مكان مناسب بجبل المقطم يصلح للتدريب على استخدام الأسلحة والمفرقعات، فكان جبل المقطم، فهو لا يحتاج إلى إجازات أو سفر، والمطلوب أن يكون المكان موغلًا في الجبل ميسور الوصول إليه بالسيارة، وأن يكون صالحًا كميدان ضرب نار، وأن يكون مستورًا عن العين، وأن يكون به ما يصلح أبراج مراقبة للحراسة، وبدأ التدريب في ذلك الموقع بمعدل مجموعتين في اليوم الواحد، مجموعة تذهب مع الفجر حتى العصر وأخرى تذهب مع العصر وتعود مع الفجر، وكان الذهاب والعودة يتم بسيارة ستيشن واجن، وكان الترتيب ألا ترى مجموعة الأخرى، وأن يكون هناك بصفة دائمة في مكان مرتفع من يرقب المجال حول الموقع بمنظار مكبر، هذا الحارس كان في استطاعته أن يرى أية سيارة قادمة بسرعة قبل أن تصل بثلث ساعة على الأقل، وكانت هناك حفر معدة ليوضع بها كل السلاح والذخيرة ويردم عليها لدى أول إشارة، وبذلك تبقى المجموعة في حالة معسكر وليس معها ممنوعات قانونية، واستمر ذهاب المجموعات وعودتها بمعدل مرتين كل يوم ولمدة طويلة حتى صنعت السيارة مدقـًا واضحًا مميزًا في الجبل، وحتى لفت منظر الحجارة في محاجر الجبل بأول الطريق الانتباه إليها، وبلغ الخبر إلى البوليس ونحن لا نشعر، وكان مسئول التدريب يدرب مجموعة هناك، ومن تكرار التدريب في أمن وسلام فقد تغاضي عن حذره فتجاوز عن وضع الحارس مكانه ولم يشعر والمجموعة معه إلا بقمم الجبل حوله قد ظهرت من فوقها قوات البوليس شاهرة سلاحها وتطالبهم بالتسليم وهم منهمكون في تدريبهم، كان ذلك يوم 19 يناير 1948 ونشرت الصحف الخبر»، وقال زعيم المجموعة سيد فايز وكان اسمه جديدًا تمامًا على البوليس برغم أنه كان رئيس التنظيم السري المؤقت بدلًا للسندي المقبوض عليه «إن السلاح يجري تجميعه من أجل فلسطين وأن الشباب يتدرب من أجل فلسطين»، وأكد «أنهم اشتروا السلاح من العرب «البدو» من أجل العرب «الفلسطينيين»»، وتحت ضغوط ووساطات من الجماعة أفرج عن سيد فايز وزملائه، ونأتي إلى النقطة المهمة في شهادة كمال حيث يؤكد «وحتى هذه الحالة كان هناك إعداد لمواجهتها، أجاب إخواننا المقبوض عليهم بأنهم متطوعون لقضية فلسطين، وهي إجابة كان متفقـًا عليها، وفي نفس الوقت كانت هناك استمارات بأسمائهم تحرر في مركز التطوع لقضية فلسطين، كما تم اتصال بالحاج محمد أمين الحسيني مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا، وشرحنا له الوضع على حقيقته، وكان متجاوبًا معنا تمامًا، فأقر بأن المقبوض عليهم متطوعون من أجل فلسطين وأن السلاح سلاح الهيئة، وبذلك أفرج عن الإخوان وسلم السلاح إلي الهيئة العربية العليا، ثم أخذ أمين الحسيني السلاح وسلمه مرة أخرى للجماعة»، وهكذا شارك إخوان مصر بقيادة البنا وإخوان فلسطين بقيادة مفتي القدس الحاج أمين الحسيني في خداع السلطات المصرية التي أفرجت عن الشباب لنبل المقصد وشرف الغاية، ولم يكتف البنا بذلك ولكنه راح يسجلها نقطة لصالح جماعته ببجاحة يحسد عليها، وينهي عادل كمال شهادته بالقول: «ومع ذلك فقد كان للحادث أثر بعيد ذلك أنه عثر مع المسئول عن المجموعة على كشف اشتهر فيما بعد بأنه كشف الجبل يحوي مائة اسم من أسماء إخوان النظام الخاص وأرقامهم السرية مرتبين في مجموعات، هي المجموعات التي كان مزمعًا تدريبها تباعًا من منطقة جنوب القاهرة، ولم يعلم أحد من المسئولين عن النظام في حينها شيئًا عن كشف الجبل ولم يذكره المسئول، لكن ذلك الكشف ظهر بعد ذلك في القضايا وكان من قرائن الاتهام القوية، فضلًا عن أنه كشف الأسماء التي احتواها».

أما عن الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين في ذلك الوقت فيعرف عنه موالاته للألمان، وسبق للزعيم النازي أدولف هتلر استقباله لدعم وجود النازية في الشرق الأوسط، ويذكر أنه درس في الجامع الأزهر ولكنه فشل في إكمال دراسته، ثم عمل مترجمًا لوكالة رويترز للأخبار في القدس، وتعرض للاعتقال عام 1920، ولكن البريطانيين أطلقوا سراحه ثم قاموا بترقيته وتعيينه مفتيًا للقدس رغم أنه لا يتمتع بمؤهلات علمية بل إن البريطانيين قاموا بتزوير الانتخابات بقصد تعيينه مفتيًا عام 1921، ولكنه أقيل من هذا المنصب عام 1937 بعد اكتشاف علاقته مع النازية الألمانية، ولكن البريطانيين سرعان ما قاموا إثر الإقالة بإنشاء المجلس الإسلامي الأعلى عام 1938 وعينوه رئيسًا عليها، وكان المجلس مسئولًا عن الأوقاف الإسلامية، وسبق للحسيني إقامة مؤتمر إسلامي في القدس عام 1931 بدعم مباشر من جماعة الإخوان، ثم سافر إلى بلدان عدة لجمع المال وحشد الدعم، وقبل ذلك كان مسئولًا في برلين عن النشرات الألمانية الدعائية المؤيدة لهم في منطقة الشرق الأوسط، كما ساهم في تأسيس شبكة من الجواسيس، كان أغلبهم من البوسنيين المسلمين، ولكنه غادر ألمانيا بعد انهزامها في الحرب، وذهب إلى فرنسا، لكن البريطانيين قرروا استغلال نفوذه ودعايته السياسية بدلًا من اعتقاله، فأرسلوه إلى مصر عام 1946 في ضيافة الملك فاروق، ومن المهام التي أوكلتها الاستخبارات البريطانية للحسيني الإشراف على محطة الشرق الأدنى الإذاعية، وقد انبهر البريطانيون بكفاءة الحسيني في حشد عواطف الناس، وفي العام نفسه قام الحسيني وحسن البنا بتشكيل قوات شبه عسكرية تحت مسمى المنقذين، بلغ تعدادها نحو 10 آلاف فرد مسلح، وفي عام 1947 عاد الحسيني إلى غزة ليعلن قيام الدولة الفلسطينية وينصّب نفسه رئيسًا لها، لكن الحسيني لم يهنأ كثيرًا بذلك التنصيب بعد هزيمة الجيوش العربية 1948 أمام إسرائيل.
يتبع الأسبوع القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد