حل الجماعة

كان مقتل اللواء سليم زكي حكمدار شرطة القاهرة، هو القشة التي قصمت ظهر البعير، فأمر عبد الرحمن عمار الرقيب العام في نفس اليوم 4 ديسمبر 1948 بتعطيل صحيفة الإخوان إلى أجل غير مسمى، فأوفد البنا الأخ أبو غدير والشيخ أحمد شريت في نفس اليوم إلى حامد جودة رئيس مجلس النواب يطلبان منه التوسط لدى النقراشي لبدء صفحة جديدة بين الحكومة والجماعة، وقال الرجلان «نحن نبرأ إلى الله مما حدث اليوم ونرجو أن تحل حمامة السلام بين الإخوان والحكومة»، لكن حامد جودة رفض وبإصرار مراوغتهم وتنصلهم من المسئولية، وقال «الجماعة قتلت اليوم سليم زكي، وما بينها وبين الحكومة لا يمكن الوساطة فيه أبدًا»، حمل الرجلان هذا الجواب إلى المرشد العام الذي أدرك خطورة الموقف فإن حامد جودة نفسه قد توسط في السابق للإفراج عنه من المعتقل في عهد حكومة حسين سري يوم كان يعلم أن هناك مجالًا للتوفيق.

كانت كل الدلائل تشير إلى أن هناك نية لحل الجماعة بعدما استفحل نشاطها الإرهابي، فاتبع الإخوان سياسة المداهنة، وتخوفًا من إصدار النقراشي الأمر بحل الجماعة، حاول البنا مقابلة الملك وفشل، فحاول مقابلة إبراهيم عبد الهادي رئيس الديوان الملكي مرتين ولكن رئيس الديوان اعتذر، فلجأ البنا إلى أحمد مرتضى المراغي مدير الأمن العام في منزله بحلوان، وقال له «عندي رسالة شفوية أرجو أن توصلها إلى القصر، يريد رئيس الحكومة حل الجماعة وهذا قرار بالغ الخطورة وقد يكون له عواقب وخيمة ولابد أن يقع بيننا وبين الحكومة صدام عنيف، ونحن الإخوان نشعر أن النقراشي باشا جر الملك فاروق إلى خصومتنا»، وأكد له أنه يريد التعاون مع الحكومة معبرًا عن أسفه إزاء اغتيال حكمدار العاصمة سليم زكي، واصفًا الجرائم التي ارتكبها بعض أعضاء جماعته بأنهم مندسون، فقال مرتضى المراغي إن «قيادة الإخوان عجزت عن وضع المارد (يقصد التنظيم السري) في القمقم بعد خروجه وانطلاقه، لقد أصبحت الهيئة العليا للإخوان بلا حول ولا قوة إزاء هذا التنظيم وكأن الشيخ البنا غير قادر على الحد من قوة الجهاز السري والتسلط عليه»، ثم وجه حديثه للبنا قائلًا «هل تأذن لي أن أدبر لك مقابلة مع النقراشي باشا لعلك تستطيع بلباقتك وحكمتك أن تصفي الجو بينه وبينكم»، فرفع البنا يديه وقال «لا أمل في الوفاق معه. أعرف طباعه؛ إنه عنيد، وإذا ركب رأسه فلن يلوي على شيء وسينفذ رأيه»، وانقلب الشيخ الوديع نمرًا هائجًا وقدحت عيناه شررًا كما وصفه المراغي وقال «إنها جريمة نكراء يريد النقراشي ارتكابها هل يظن أننا لعبة يستطيع تحطيمها بسهولة؟»، فأجاب المراغي «رسالتك خطيرة وسأبلغها إلى الملك، وسأنقل رأيك في حل الإخوان وخطورة عاقبته إلى النقراشي». وفي اليوم التالي قابل المراغي رئيس الوزراء وروى له الرواية، فقال النقراشي «هل تريد أن تقر الإرهاب وتريد أن تعترف بشرعيتهم وهل تسمح لهذه الجماعة أن تتمادى؟ لابد من حلها»، ثم هز النقراشي رأسه استخفافًا وقال للمراغي «كان أحسن لو لم تقابله»، ووصل الرد للبنا، فحاول أن يسلك طريقًا آخر لمنع الحل، وأعاد التفكير فيما قاله المراغي عن تهدئة الموقف، فتوجه إلى وزارة الداخلية للقاء عبد الرحمن عمار مدير الأمن العام قائلًا إنه يريد مقابلة النقراشي للتفاهم معه حتى يعدل عن عزمه على حل الجماعة، وأكد أنه سيعود بنشاط الجماعة إلى نقطة البداية، وسيقتصر نشاط الجمعية على الشئون الدينية البحتة، ولن يتدخل في السياسة، وأنه يريد التعاون مع الحكومة، معبرًا عن أسفه عما فعلت جماعته، ثم بكى كعادته فصدقه عمار، ثم توجه الرجلان – البنا وعبد الرحمن عمار – إلى رئاسة مجلس الوزراء، فانتظر البنا في غرفة الانتظار بينما دخل عمار إلى مكتب النقراشي يعرض عليه الأمر، ولكن النقراشي رفض لقاء البنا، وتلقى البنا وعدًا زائفًا مطمئنًا من عبد الرحمن عمار بفعل ما سيجده صحيحًا، فتقدم الإخوان بالتماس إلى القصر الملكي يشكون فيه من حملات الاعتقالات التي يتعرضون لها، والتهم التي يواجهونها بلا تحريات جدية، أو تحقيقات تتولاها النيابة، لكن الالتماس لم ينشر بسبب الرقابة على الصحف، فقد كان قرار حل جماعة الإخوان المسلمين قد اتخذ بالفعل بلا رجعة ولم يتبق إلا التنفيذ.

في صباح الأربعاء 8 ديسمبر 1948 نشرت مجلة آخر ساعة خبرًا غامضًا يشير إلى أن قرار حل الجماعة سيصدر في اليوم نفسه لكن الأمل كان لا يزال باقيًا في صدر البنا بعد وعد عبد الرحمن عمار الزائف.

قال صالح عشماوي إنه عندما مر النصف الأول من اليوم ولم يصدر قرار الحل، عاد إلى بيته وقد ظن أن الحكومة ستعدل عن قرارها، وبعد صلاة المغرب تجمعت قيادات الجماعة في المقر الرئيسي بالحلمية، وكان الجميع في حالة قلق بالغ، فاتصل المرشد بإبراهيم عبد الهادي باشا لإقناعه بالتدخل في اللحظات الأخيرة لمنع صدور القرار، لكن رئيس الديوان أخذ يماطل، وطلب من المرشد الذهاب إلى عبد الرحمن عمار في وزارة الداخلية، لكن صالح عشماوي اعترض تلك المرة، وقال للمرشد «ركب القوم رؤوسهم والغرض من المقابلة كسب الوقت فضلًا عما فيها من إذلال»، ولكن المرشد رأى أنه مكره وغير مخير، فاستقل سيارته إلى وزارة الداخلية ليلتقي بعبد الرحمن عمار مرة أخرى، وعاود البنا استجداء عبد الرحمن عمار لمنع قرار الحل حتى العاشرة مساءً بدون رد قاطع من عبد الرحمن عمار، فعاد البنا إلى مقر الحلمية ليطمئن أعضاء الجماعة قائلًا إن «روح عبد الرحمن عمار طيبة وقد أبلغني أن حل الإخوان هدم لصرح الإسلام في هذا العصر، ووعدني بإبلاغ النقراشي باشا وأن الأمر سينتهي على خير»، وطلب البنا إلى الإخوان المجتمعين في المركز العام الانصراف وبشرهم بحل الأزمة.

في الساعة الحادية عشرة مساءً، أعلن الراديو المصري القرار العسكري الذي أصدره النقراشي باشا رئيس وزراء مصر، ونصه الآتي «أصدر السيد رئيس الوزراء الحاكم العسكري العام، الأمر العسكري التالي: حل جماعة الإخوان المسلمين وجميع شُعَبها في مصر، وإغلاق الأمكنة المخصصة لنشاطها وضبط أوراقها وسجلاتها وأموالها وممتلكاتها، وحظر اجتماع خمسة أشخاص أو أكثر من أعضائها، وتسليم كل وثائق الجمعية وأموالها لأقسام الشرطة، لأن الجماعة أمعنت في شرورها بحيث أصبح وجودها يهدد الأمن العام والنظام تهديدًا بالغ الخطر، وبات من الضروري وقف نشاط الجماعة التي تروع الأمن لضمان سلامة أهل البلاد في الداخل وجيوشها في الخارج، وكل من يخالف هذا الأمر يعرض نفسه للحبس مدة تتراوح بين ستة شهور وعامين وغرامة تتراوح بين مائة جنيه وألف جنيه، والموظف أو الطالب الذي يخالف هذا الأمر يفصل من عمله أو من معهده»، وتلا نص القرار أسباب الحل في مذكرة تفسيرية قدمها عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية قال فيها إن الجماعة جمعت الأسلحة والقنابل والمفرقعات وقامت بتخزينها وساعدها في ذلك ما تقوم به بعض الهيئات من جمع الأسلحة والعتاد بمناسبة قضية فلسطين، ووجه عبد الرحمن عمار اتهامًا للإخوان باتخاذ الإجرام وسيلة لتنفيذ مراميهم، وحدد 13 نشاطًا إجراميًا لهم بدأت عام 1942 وانتهت في 15 من نوفمبر عام 1948 من بينها «إلقاء القنابل في مدينة القاهرة بتاريخ 24 من ديسمبر من 1946، والاعتداءات على رجال الشرطة في 29 من نوفمبر 1947، وتهديد الشركات والمحال التجارية وابتزاز أموالها، وإلقاء قنبلة على فندق الملك جورج بالإسماعيلية في السنة نفسها، واعتداءات على خصوم الجماعة في قرية كوم النور مركز غمر، وحرق أحطاب أحد الملاك في كفر بداواي، وقتل شيخ خفراء البلدة وإطلاق النار على رجال الشرطة في قرية البرامون، وتحريض الفلاحين على زيادة أجورهم، وتحريض عمال تفتيش محلة موسى لوزارة الزراعة على المطالبة بتملك أراضي التفتيش، وضبط كميات ضخمة من القنابل والمفرقعات والبنادق والمسدسات والمدافع ووثائق في 22 من أكتوبر تقطع بأن الجماعة كانت تعد العدة للقيام بأعمال إرهابية واسعة النطاق، إفساد النشء ببذر الإجرام وسط الطلبة والتلاميذ، فانقلبت معاهد التعليم مسرحًا للشغب والإخلال بالأمن وميدانًا للمعارك والجرائم، قتل المستشار أحمد الخازندار بك وكيل محكمة استئناف مصر باستخدام القنابل لإرهاب القضاة وثبت أن أحد القاتلين كان سكرتيرًا خاصًا للشيخ البنا، نسف شركة الإعلانات الشرقية يوم 12 من نوفمبر 1948».

فور سماع قرار الحل أسرع أعضاء الجماعة وأشقاء البنا عبد الرحمن وعبد الباسط ومحمد إلى المركز العام للجماعة، فوجدوا البنا مع قادة الجماعة لا يزالون في المقر بعد الصدمة، وفي الحادية عشرة وعشر دقائق وصلت قوة من رجال الأمن السياسي والقسم المخصوص وحاصرت المركز العام بالحلمية الجديدة، وقبضت على كل من فيه، وملأت بهم السيارات لتنفيذ القرار، وتم اعتقال معظم أعضاء الجماعة ما عدا حسن البنا المرشد العام للجماعة ورأسها المدبر، وبقي المرشد ينتظر دوره في الاعتقال، ولكن أحدًا لم يسأله ذلك، ورآه سكرتيره سعد الدين الوليلي الذي اعتقل أيضًا، يصعد سلم إحدى السيارات اللوري فمنعه رجال الشرطة من الصعود، وتشبث بالسيارة ولكن ضابطًا أبلغه بأنه لم تصدر أوامر باعتقاله، فازداد البنا تشبثًا بالسيارة واعتلى أولى درجات سلمها وهو يصيح «لا تأخذوا هؤلاء بجريرتي فأنا أولى منهم بالاعتقال، وإذا كان الإخوان عصابة إجرامية فأنا رئيسها»، وتحركت السيارة بالمعتقلين والشيخ متعلق بسلمها إلى دار المحافظة، ولكن رجال الشرطة رفضوا اعتقاله، وبخدعة بسيطة أنزلوا الشيخ من السيارة التي تحركت بالأعضاء إلى المعتقل.

أكلت يوم أكل الثور الأبيض

أتى إبراهيم عبد الهادي ليدير ماكينة العنف الرسمي إلى أقصى مداها، ولتتسع دائرة الاعتقالات في صفوف الإخوان فتشمل 4000 معتقل، وتعرض بعض المعتقلين لأقصى درجات التعذيب الوحشي الذي لم تعرف له مصر مثيلًا من قبل، وكانت الأشهر الستة التالية لتولي إبراهيم عبد الهادي الحكم صورة راسخة في أذهان المصريين جميعًا للسلطة الرسمية الغاشمة، وقد اكتسب عبد الهادي لنفسه خلالها عداء كافة فئات الرأي العام المصري، ودارت ماكينة العنف البوليسي ضد الإخوان، هؤلاء الذين باركوا دورانها ضد خصومهم من الوفديين والتقدميين والشيوعيين في السابق، فإذا بغول الديكتاتورية يبتلعهم هم أيضًا، والمعتقلات التي افتتحت في ظل مباركة الإخوان وتهليلهم يوم 15 مايو 1948 بمناسبة حرب فلسطين والتي استقبلت خصومهم السياسيين، أخذت تتوسع كي تستقبل الألوف من أعضاء الإخوان، وفي زنازين التعذيب الرهيبة كان أقصى ما يؤلم الإخوان قيام أجهزة الأمن بتعليق الآية الكريمة «إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الحياة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم»، ولعل شكوكًا كثيرة قد ساورت هؤلاء الشبان من أعضاء الجهاز السري وهم يعانون من التعذيب الوحشي في جدوى عملية الإرهاب ضد خصومهم، وربما في مدى مشروعيتها.
يتبع الأسبوع القادم…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد