صدقي والإخوان

بدأ إسماعيل صدقي يخطب ود الإخوان، وقام إبراهيم رشيد زوج ابنة صدقي باشا بالوساطة بين صدقي والمرشد العام، وطلب علانية الصفح عن ماضي صدقي الملقب بـ «جلاد الشعب» مقابل الكثير من العطايا التي سال لعاب البنا لها، وفي أبريل ‏1946 كتب حسن البنا في مجلة الإخوان المسلمين‏،‏ كلمة عنوانها‏ «الرجال السبعة‏»،‏ يطالب فيها رموز الحياة السياسية المصرية بمساندة حكومة صدقي في مفاوضاتها‏، وكان يقصد بهؤلاء السبعة مصطفى النحاس، وعلي ماهر‏،‏ ومحمود النقراشي‏، والدكتور محمد حسين هيكل‏،‏ ومكرم عبيد‏،‏ وحافظ رمضان،‏ وعبد الرحمن الرافعي.

 

وفي المقابل أجزل صدقي المنح للجماعة، فألغى تدابير الحكومة السابقة بمنع اجتماعات الإخوان المسلمين، وأعطاهم ترخيصًا لإصدار صحيفة رسمية يومية في مايو 1946، وامتيازات في شراء ورق الطباعة بالأسعار الرسمية التي تقل عن أسعار السوق بنسبة تتراوح بين ‏%20‏ إلى ‏30%‏، وتسهيلات خاصة بالجوالة تتمثل في تخفيض سعر زيها الرسمي وحرية الحركة واستخدام معسكرات الحكومة، ومنح الإخوان قطعًا من الأرض لإقامة المباني والمشاريع الخاصة بهم‏،‏ كما قدمت لهم إعانات مالية من وزارتي المعارف والشئون الاجتماعية، كما ضمت الحكومة محمد حسن العشماوي كوزير للمعارف، وهو معروف بميوله الدينية، حتى أن صدقي عرض على البنا تعيينه وزيرًا للأوقاف، لكن البنا رفض خشية أن ينتهي به الحال مجرد وزير سابق لا قائد للإخوان، وكذلك تمتعت الجماعة ببعض المساعدات غير المباشرة من وزارتي التعليم والشئون الاجتماعية، وكلف حسن رفعت باشا وكيل وزارة الداخلية من جانب صدقي باشا بتنفيذ هذه السياسة حتى أن المفوضية الأمريكية قد كتبت إلى واشنطن تقول: «يتزايد تنظيم الإخوان كل يوم كقوة سياسية، وبالذات منذ تولي صدقي باشا السلطة، وقد رفع رئيس الوزراء الحظر الذي فرضه النقراشي باشا على اجتماعات الإخوان وهو يجامل الإخوان، ربما بدعم مالي بأمل فصل ارتباطهم بالوفد»، وكان ذلك حقيقيًّا، فما من مظاهرة خرجت وعارضت وزارة إسماعيل صدقي إلا وتصدى شباب الإخوان المسلمين لها بالسكاكين والعصي، حتى أتى يوم دخل فيه طلاب الإخوان المسلمين إلى قاعة الاحتفالات الكبرى بجامعة فؤاد «القاهرة» بعد أن كسروا الأبواب، وعقدوا مؤتمرًا كبيرًا لتأييد إسماعيل صدقي، افتتحه وخطب فيه زعيم الإخوان بالجامعة طالب الهندسة مصطفى مؤمن مثنيًا على وعود إسماعيل صدقي في المفاوضة، مستشهدًا بالآية الكريمة «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا»، واتهمت صحف الوفد الجماعة بامتصاص الحركة الوطنية وأنهم تقاضوا الثمن من إسماعيل صدقي مقابل إجهاض الحركة الوطنية ضد جلاد الشعب، ولعب رئيس الديوان الملكي الجديد القيادي السعدي إبراهيم عبد الهادي دورًا بارزًا في تدعيم الروابط والعلاقات بين الملك ومرشد الإخوان‏ مرة أخرى،‏ من منطلق العداء المشترك للوفد من ناحية‏، وللحد من تغلغل انتشار الشيوعية من ناحية أخرى، الجدير بالذكر أن وزارة إسماعيل صدقي مثلت قمة الارتباط بين فاروق والإخوان، وأصبح صدقي مع حكومته مرتكزين على الإخوان المسلمين الذين زادت قوتهم إلى درجة كبيرة، حتى أن حسن البنا دعي في فبراير‏1947 إلى إحدى ولائم قصر عابدين، لكنه اعتذر لأن الحضور لا بد أن يكون بـ «الردنجوت» وهو لا يملك المال الذي يشتريه به حسبما قال، وينقل عن القائم بالأعمال البريطاني في نهاية سبتمبر 1948، أن القصر في بعض الظروف يقدم على تأييد الإخوان لأنهم التنظيم الديماجوجي الوحيد ذو القوة الكافية التي تمكن فاروقًا من الحصول على التأييد الشعبي، وإحكام الموازنة في حالة عودة الوفد للحكم، وبالطبع توترت العلاقة بين الوفد والإخوان‏ وتبادلا الهجوم الحاد‏،‏ ووصل الصراع إلى ذروته في يوليو ‏ 1946، ‏ففي زيارة المرشد لمدينة بورسعيد المعروفة بولائها التقليدي للوفد، تجمع أعضاء الجماعة ليقيموا «زفة بلدي» ترحيبًا بالمرشد، واستقبلوه في المحطة استقبال الملوك، فحدثت مناوشات بين الوفديين والإخوان انقلبت في الحال إلى العنف‏، وألقى أنصار الإخوان ثلاث قنابل حطمت واجهات الكثير من المحلات، ثم أخذوا يطلقون الرصاص من مسدسات يحملونها واستلوا خناجرهم وأعملوها في أجسام الناس كأنهم أعلنوا الحرب، مما أسفر عن مقتل أحد الوفديين وإصابة العشرات، وحوصر المرشد العام حسن البنا‏،‏ حتى أفلت بصعوبة من أيدي الجماهير الغاضبة وسط تغاضي الجميع ملكًا ورئيس حكومة عن تصرفاتهم، وانتقامًا مما حدث تجمع الوفديون في ثورة غضب مضاد، وحاولوا إحراق دار الإخوان المسلمين في منفلوط والنادي الرياضي‏، وأطلقوا النار ليلًا على محمد حامد أبو النصر المرشد الرابع للجماعة فيما بعد، وألقى الشباب الوفدي الغاضب الحجارة على مؤتمر الإخوان المقام في مسجد أبو النصر في منفلوط.

بدعم إخواني، بدأ صدقي مفاوضاته الفاشلة لاستقلال مصر مع الإنجليز، تلك المفاوضات التي قوبلت برفض شديد من الشارع المصري، ورفض الشعب مشروع اتفاق صدقي- بيفن برمته، ونشطت المظاهرات أكثر وأكثر ضد صدقي بسبب تلك المفاوضات، وقوبلت التظاهرات بالقمع والاعتقال وتعقب الطلبة ونشطاء الحركة الوطنية، في نفس الوقت الذي طالبت فيه الجماعة أعضاءها بالوقوف خلف صدقي لنجاح المفاوضات، وتوهم صدقي أن للإخوان قاعدة شعبية ذات وزن، لدرجة أنه استدعى المرشد بعد عودته من لندن بساعتين وأطلعه على مشروع «اتفاقية صدقي– بيفن» وحصل على موافقته على المشروع قبل أن يطلع عليه النقراشي وهيكل المشاركين له في المفاوضات، وعندما تصاعدت المظاهرات الشعبية ضد هذه الاتفاقية، طلب صدقي باشا من المرشد أن يركب سيارة «سليم زكي» باشا مساعد الحكمدار المكشوفة ليعمل على تهدئة الجماهير، واستجاب المرشد لطلب صدقي باشا بالفعل.

مرت الأيام وبدأ البنا يتدارك الأمر ويضعف أمام رفض الشارع لصدقي ومشروع اتفاقيته، وبدأت شعبية الإخوان في الشارع وقدرتهم على استمالة الجماهير تضمحل، وبما أنهم قد استفادوا من صدقي وما عادوا في حاجة إليه الآن، خصوصًا أنه في طريقه لفقدان منصبه كرئيس للحكومة، فبدأ الإخوان في مهاجمته وانقلبوا عليه، وأعلنت الجماعة رفضها التام للمفاوضات واعتبرتها وسيلة الضعفاء! ودعت الجماعة إلى عرض القضية على مجلس الأمن، ولما عاد صدقي من لندن بعد توقيع المعاهدة بالأحرف الأولى، هاجمه الإخوان هجومًا شديدًا ونسوا أنه «صادق الوعد»، واشتدت المظاهرات العنيفة من قبل الإخوان ضده يوم 2 ديسمبر، واحرقوا الكثير من محلات الأجانب، وقاموا بإلقاء القنابل في وقت واحد على عدد من أقسام الشرطة بالقاهرة، وألقيت قنبلة يوم 3 ديسمبر على منزل الدكتور محمد حسين هيكل باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين، ورئيس الشيوخ الذي عرف بعدائه للجماعة ومعارضته لهم، ورصدت الحكومة مكافأة 3000 جنيه لمن يرشد عن المتهم، وهو مبلغ كان يعد ثروةً في هذا الوقت، ويروي محمود الصباغ عضو التنظيم الخاص في كتابه «حقيقة التنظيم الخاص» أن «تفجير القنابل تم في جميع أقسام البوليس في القاهرة يوم 3/12/ 1946 بعد العاشرة مساءً، وقد روعي أن تكون هذه القنابل الصوتية، بقصد التظاهر المسلح فقط، دون أن يترتب على انفجارها خسائر في الأرواح، وقد بلغت دقة العملية أنها تمت بعد العاشرة مساءً في جميع أقسام البوليس، ومنها أقسام بوليس الموسكي والجمالية والأزبكية ومصر القديمة ونقطة بوليس السلخانة، ولم يضبط الفاعل في أي من هذه الحوادث، فاشتد رعب الحكومة من غضبة الشعب، وفكرت كثيرًا قبل إبرام ما عزمت عليه، ثم توالى إلقاء القنابل على أقسام بوليس عابدين والخليفة ومركز إمبابة وعلى المعسكرات البريطانية، وعمد النظام الخاص إلى إرهاب الحزبين اللذين منحا صدقي باشا الأغلبية البرلمانية للسير قدمًا في تضييع حقوق مصر دون أن تقع خسائر في الأرواح، وذلك بإلقاء قنابل حارقة على سيارات كل من هيكل باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين، والنقراشي باشا رئيس حزب السعديين في وقت واحد، وقد نفذ عملية هيكل باشا الإخوان: أحمد البساطي، ومحمد مالك، أما عملية قنبلة النقراشي باشا فلم تنفذ لعدم العثور على سيارته في ذلك اليوم، ولقد زادت هذه العملية من رعب الحكومة وأعوانها، خاصةً أن كل فئات الشعب كانت ثائرة ضد ما اعتزمت الحكومة أن تقدم عليه، فأضرب المحامون واشتدت المظاهرات، حتى اضطر صدقي باشا إلى النزول على إرادة الأمة، وتقديم استقالته في 9 ديسمبر سنة 1946، ولم يكن أمام القصر بد من قبولها»، وهاجمت جريدة صوت الأمة الجماعة قائلة إن «الإخوان أسوأ مثال للأدب والأخلاق، وقد بليت البلاد بهذه الشرذمة الفاسدة التي تتكون من مجموعة ميكروبات يجب استئصالها حرصًا على المجتمع، وعلى سلامة الدعوة الدينية الإسلامية».

 

موقف الإخوان من الحركة العمالية

الحقيقة إن موجة العداء التي تصاعدت ضد الإخوان وسط صفوف العمال لم تكن فقط بسبب الممارسات السياسية المعادية للمشاعر الوطنية، والتي وقفت بالإخوان في صف رئيس الوزراء الطاغية إسماعيل صدقي، وضد حركة الجماهير الشعبية المعادية للاستعمار بقيادة اللجنة الوطنية للعمال والطلبة، وإنما كانت بسبب ممارسات محددة ضد مصالح العمال المباشرة، وأشهر الوقائع كان إضراب شبرا الخيمة الشهير.

ففي سبتمبر 1945، قاد العمال إضرابًا شاملًا وناجحًا في منطقة شبرا الخيمة حيث توقفت كل مصانع تلك المنطقة عن العمل، وتشكلت قيادة سرية للإضراب عجز البوليس عن الوصول إليها، وفي البداية أيدت جماعة الإخوان الإضراب، لكنها ما لبثت أن انسحبت منه وبدأت حملتها ضده، بل لقد أرسلت وفودًا من دعاتها إلى المنطقة لإقناع العمال بالعدول عن الإضراب بحجة «أن الدين يحرم الإضراب لأن فيه خسارة لأصحاب المصانع من المسلمين»، وانتهى الإضراب بالفعل لفترة مؤقتة، وما لبث أن عاد عمال شبرا الخيمة إلى الإضراب من جديد في إضراب أكثر شمولًا وأكثر تنظيمًا استمر طوال شهري مايو ويوليو 1946، ومنذ البداية وقف الإخوان ضد الإضراب، واتهم قادة الإضراب أعضاء جماعة الإخوان «بأنهم قد سلموا البوليس قوائم بأسماء وعناوين القادة السريين للإضراب، ونتيجة لهذه المعلومات ألقي القبض على أكثر من مائة من القادة العماليين»، لكن الإضراب استمر رغم ذلك، وصمم أصحاب المصانع على عدم السماح للعمال بالعودة للعمل، إلا إذا تعهدوا كتابةً بعدم العودة للإضراب، وأيدت جريدة الإخوان ذلك، ودعت العمال «إلى إنهاء الإضراب والتوقيع على التعهد الذي طلبه منهم أصحاب المصانع ومكتب العمل بعدم اللجوء إلى سلاح الإضراب في المستقبل»، وقالت الجريدة إنها «تأمل بعد عودة العمال للعمل وتوقيعهم على التعهد المطلوب أن تعمل الحكومة على حل مشاكل العمال»، بل إن جريدة الجماعة تواطأت مع السلطات في محاولة تخريب الإضراب، فنشرت خبرًا غير صحيح يستهدف تصفية الإضراب قالت فيه: «إن وفدًا من عمال شبرا الخيمة أعلن اعتزام العمال إنهاء الإضراب»، وردت عليها إحدى صحف حزب الوفد ببيان لقيادة الإضراب نفت فيه هذه الواقعة، وأكدت أن الإخوان يتجسسون في صفوف العمال لحساب البوليس، في نفس الوقت الذي واصلت فيه صحيفة الجماعة الدفاع عن موقف معلن وصريح يستهدف تصفية الإضراب، وأكدت أن منظمي الإضراب «مهيجون محترفون»، وكمكافأة للإخوان عقب إسهامهم في إفشال الإضراب الكبير عام 1946، بدأ أصحاب المصانع في تعيين العديد من الإخوان كرؤساء للعمال ليضمنوا خصومته لأي توجه يساري وسط العمال، وقد مكن ذلك الجماعة من استقطاب عدد محدود من العمال، وإن كان قد أكسبها كراهيةً ونفورًا وسط الجموع العمالية، ولعل أحد الأدلة الهامة على ضعف النشاط العمالي للجماعة أن المذكرة التفسيرية للأمر العسكري الصادر بحل الجماعة في عام 1948 تتحدث عن نشاط الجماعة تفصيلًا من خلال ثلاثة عشر بندًا، تتضمنها المذكرة فتشير إلى نشاطها وسط الطلبة والموظفين والفلاحين بدون إشارة واحدة للنشاط وسط العمال، ويفسر البعض ذلك بأن نشاط الجماعة وسط العمال كان دومًا في خدمة أجهزة الأمن وبالتنسيق معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد