حكومة النقراشي الثانية

رشح إسماعيل صدقي »محمود فهمى النقراشي« لرئاسة الوزارة بدلًا منه ليصبح رئيس وزراء مصر للمرة الثانية في نفس العام في 9 ديسمبر 1946 بعد استقالته في منتصف فبراير 1945، وأحتفظ النقراشي تلك المرة لنفسه بوزراتي الداخلية والخارجية، واستمر البنا وجماعته في معارضة النقراشي، فعندما رأس النقراشي وفد مصر إلى مجلس الأمن، ودافع عن حق مصر في الاستقلال في خطاب عنيف أمام المجلس في 5 أغسطس 1947 قائلًا: «لم نعد نعيش في ظلمات القرن التاسع عشر، إن مصر لم تكن طرفًا حرًا عند إبرام معاهدة 1936 لأن القوات البريطانية كانت تحتل أراضيها»، كان الإخوان يوفدون خطيبهم المفوه مصطفي مؤمن إلى مجلس الأمن مرافقًا ومراقبًا للوفد المصري. وفي 22 أغسطس 1947 وقعت واحدة من أطرف الحوادث التي تدل على التخبط في صنع القرار الإخواني، ففي نيويورك وأثناء اجتماع مجلس الامن وبعد خطاب النقراشي، ألقى مصطفي مؤمن خطبة ملتهبة من شرفة الزوار، وأشهر وثيقة موقعة بدماء الطلاب تستنكر المفاوضات من أساسها وتطالب بالجلاء التام، وعندما طرد مؤمن من قاعة المناقشات، نظم مظاهرة خارج مبنى الأمم المتحدة، في نفس التوقيت في القاهرة كان الإخوان يؤيدون خطاب النقراشي في مجلس الأمن وينشروه كاملًا، وينظم البنا مظاهرة تجمعت في الأزهر لتأكيد وقوف مصر وراء النقراشي وتأييده في مجلس الأمن.

فصل السكري

كانت الصدمة الكبرى في تاريخ الجماعة هي انفصال وكيل الجماعة أحمد السكري عنها، بعد خلافات مع صديق عمره وطفولته حسن البنا، الذي آثر الزعامة وفضلها على الصداقة، ووفقًا لرواية الإخوان الرسمية، فإن أسباب فصل السكري بدأت عندما شن السكري هجومًا على البنا في سلسلة مقالات على صفحات جريدتي صوت الأمة والكتلة، ذكر فيها أن البنا له اتصالات ببعض الشخصيات الأجنبية، واتهم السكري البنا بالاستبداد في اتخاذ القرار، فقررت الهيئة التأسيسية للإخوان المسلمين «إعفاء كل من الأستاذ محمد عبدالسميع الغنيمي أفندي، والأستاذ سالم غيث أفندي، والأستاذ أحمد السكري أفندي من عضوية الجماعة، لما تعرفه الهيئة من تصرفات الأستاذ أحمد السكري، واعتباره مناقضًا للعهد حانثًا باليمين، خارجًا على الجماعة، محاربًا للدعوة، وكذلك كل من اتصل به أو ناصره»، وأسهبت أدبيات الإخوان في وصف السمات الشخصية «السيئة» للسكري والتي اعتبروها «ليست تجريحًا في شخصه»، ولكنها «مواقف تضيء لهم تفسير حادث خروج السكري عن الجماعة»، فهو «محب للظهور والزعامة»، وكان «يتجسس على مخاطبات البنا الشخصية، وسرب وثائق الإخوان السرية إلى فؤاد سراج الدين لينشرها في حزب الوفد، فضلًا عن أنه استغل الدعوة لأغراض شخصية»، وفي المقابل، نشر السكري 24 مقالًا في جريدة صوت الأمة تحت عنوان «كيف انزلق البنا بدعوة الإخوان؟».

لكن السبب الحقيقي لانفصال السكري وكيل الجماعة هو عبد الحكيم عابدين زوج شقيقة البنا.

كان «عبد الحكيم عابدين» من أوائل من بايعوا مؤسس الجماعة حسن البنا، ولقد اختاره البنا ليزوجه شقيقته، وبذلك أصبح أحد أكثر الأعضاء قربًا من المرشد العام للجماعة، كان عبد الحكيم عابدين شخصًا شديد الالتزام في الظاهر لا يمكن أن تتطرق إليه أي شبهة أخلاقية، علاوة على ذلك فهو من الرعيل الأول للجماعة ومن أوائل من بايعوا المرشد العام، لذلك فما أن دعا عبد الحكيم عابدين لإنشاء نظام للتزاور بين أسر الإخوان لتعميق الترابط والحب بين الإخوان وبعضهم البعض، فقد لاقى هذا المقترح ترحيبًا كبيرًا، وأوكلت إلى عبد الحكيم عابدين مهمة تنظيم هذه الأمور والإشراف عليها ومتابعتها، فكانت هناك لقاءات أسرية وزيارات متبادلة بين الإخوان وبعضهم البعض في المنازل بدعوى تأليف القلوب، وفي العام 1945 بدا واضحًا للعيان أن هذا النظام حمل في طياته العديد من الفضائح الأخلاقية التي وصفها بعض الإخوان أنفسهم بأنها «يشيب من هولها شعر الوليد»، وأصبح واضحًا لكل ذي عينين أن عبد الحكيم أقرب ما يكون إلى «راسبوتين» الجماعة، ولم يكن أمام المرشد إلا الأمر بإجراء تحقيقات مكتوبة مع عابدين بمعرفة بعض كبار أعضاء الجماعة، تلك التحقيقات التي لا يعرف أحد أين ذهبت وثائقها، والتي نقل بعض الإخوان في مذكراتهم أن عابدين كان يتمرغ في الأرض ويبكي وينهار وهو يواجه بالتهم البشعة الموجهة إليه، وبعد انتهاء التحقيقات التي أكد الكثير من الإخوان أنها انتهت إلى إدانة واضحة لعابدين، اختار المرشد العام التكتم على الأمر مع حل نظام الأسر وتصفيته، لكن مع ذلك ظل عبد الحكيم عابدين صاحب نفوذ واسع في الجماعة بل وحتى بعد اغتيال حسن البنا، وأسفرت فضيحة عبد الحكيم عابدين عن خروج عدد كبير من الإخوان، وأحدثت شرخًا هائلا في بنيان الجماعة، وأثارت التساؤلات لدى الكثيرين عن مدى مصداقية القائمين عليها.

وقد كان على رأس الخارجين أحمد السكري وكيل الجماعة ومؤسسها الحقيقي ورفيق درب حسن البنا، والذي كانت فضيحة عابدين السبب الحقيقي لانشقاقه وخروجه، ومرت الأيام وغادر عبد الحكيم عابدين مصر في 1954 قبل وقوع محاولة اغتيال جمال عبد الناصر، وعاد إليها عام 1975 وتوفي عام 1977 ومات وسره معه، فحتى الآن لم يعرف أحد حقيقة ما حدث بالضبط، ولماذا اختار حسن البنا التضحية بشريكه في تأسيس الجماعة أحمد السكري على أن ينزل بعابدين العقاب، وحتى الآن لا تزال أوراق التحقيق مع عابدين طي الكتمان، والجماعة الغامضة لا تريد أن تكشف عن الحقائق المتعلقة بهذه القضية رغم أنها كانت من أخطر الأزمات التي واجهتها إن لم تكن الأخطر على الإطلاق، فقد كان خروج أحمد السكري من جماعة الإخوان المسلمين هو سبب المصائب التي حلت عليها بعد ذلك، فالرجل كان يمثل درعا سياسيا صلبًا يرسم لحسن البنا كيفية التعامل مع القصر والحكومات والإنجليز، فلما زال هذا الدرع تخبط حسن البنا ولم يعد قادرا على التعرف على الاتجاه الصحيح.

وبدأت صحف الوفد تهاجم الجماعة، وتنقل اتهامًا وجهه وكيل الإخوان أحمد السكري الذي انفصل مؤخرًا، بأن الشيخ حسن البنا حاول الحصول على مبلغ 50 ألف جنيه من حزب الوفد ثمنًا لتأييد الوفد ضد وزارة إسماعيل صدقي، واتهم السكري الشيخ البنا أيضًا بإجراء اتصالات مع رئيس الديوان الملكي، تعهد خلالها المرشد العام باتباع سياسة معتدلة إزاء الحكومة مقابل مساعدة القصر، ولم تنفِ جريدة الإخوان الخبر وإنما ردت بأن حسن البنا مستعد للتعاون مع الوفد إذا تبرع هذا الحزب بملغ 50 ألف جنيه لتنظيم سياسة قومية تساهم فيها كل الأحزاب حسب إمكاناتها ، وتصاعدت حملة الصحف الوفدية ضد البنا وجماعته، فتكتب في مايو ويونيو 1947 «يمعن الشيخ في التضليل فيزعم أنه ليس حزبًا سياسيًا، إذن ماذا أنت وجماعتك يا هذا؟ أنت تزاول نوعًا من السياسة هو أرخص وأقذر الأنواع»، وتكمل قائلة «انحسر آخر قناع عن وجه الشيخ البنا فإذا به أقبح سياسي لعب على مسرح السياسة في الجيل الحاضر»، وتكتب رسالة للبنا تقول فيها «إلى زعيم عصابة الإخوان، صليتم تظاهرًا وتصدقتم تفاخرًا واتخذتم هيئة الصلاح لتتسلطوا على عقول البسطاء»، وتحذره بقولها «الإسلام ليس لحية ولا عمامة ولا سفسطة، بل هو تعاليم نبيلة رفيعة تطبع المؤمنين بطابع الشرف والأخلاق والسمو وعدم الإسفاف، لا الجري وراء المال الحرام باستخدام التهريج والدجل والضحك على الذقون»، ويرد الإخوان على الوفد فينشرون وثائق تثبت أن السلطات البريطانية ساعدت شباب الوفد في حملتهم ضد الجماعة، لكن برقيات السفارة البريطانية أكدت أن هذه الوثائق مزورة ومفبركة، فلا تجد الجماعة إلا ورقة الدين ليلعبوا بها، فهي الورقة الرابحة في كل معركة خاسرة. فتكتب صحيفة الإخوان «أن صحف الوفد تفيض إباحية وفجورًا، وأن على الوفديين أن يجددوا إسلامهم، فهم في تصرفاتهم خصم للإسلام، وحرب على تقاليده وتشريعاته».

وفي نهاية أغسطس ‏1946 شنت صحيفة‏ «صوت الأمة»‏ الوفدية هجومًا عنيفًا ضد الإخوان ومرشدهم،‏ وقالت إن البنا يتعرض لهتافات معادية أثناء زياراته للأقاليم‏ ويصفه المتظاهرون بأنه صنيعة الإنجليز‏، وأطلقت عليه الصحيفة اسم الشيخ «حسن راسبوتين‏» من باب السخرية‏ في إشارة إلي المشعوذ الروسي الشهير‏، وقد اعتمدت الحملة الوفدية ضد الإخوان على عداء الجماعة للديمقراطية‏،‏ واعتمادها على تشكيلات شبه عسكرية‏، وعلى الرغم من محاولات التوفيق بين الوفد والجماعة‏ فقد استمر العداء‏،‏ ووصفت «صوت الأمة» البنا بأنه حكومي أكثر من الحكوميين‏،‏ ونقراشي أكثر من النقراشيين، وهكذا تتغير مواقف الإخوان من معاداة النقراشي إلى مساندته ثم إلى عداوته وهكذا، وكانوا مع الوفد فأصبحوا ضده ثم تحالفوا معه وهكذا، كانوا في أحضان القصر ثم عايروه بتصرفاته، ثم ارتموا وراء العظمة التي يلقيها جلالته لهم.

يتبع الأسبوع القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد