ربما يتساءل البعض عن سر الربط بين مستقبل الإخوان ومصير الثورة المصرية التي باتت مكتسباتها أثرًا بعد عين عشية مرور عامين على نكسة يوليو 2013.

فمن المعروف أن السمة الغالبة للثورات الشعبية هي اتساعها لتحالف العديد من الأيديولوجيات وهو ما كان واضحًا للعيان في يناير2011، ولكن المتأمل للحالة المصرية الراهنة سيلاحظ أن الإخوان والإسلاميين وجمهورهم العريض يمثلون التيار الرئيسي لمعسكر الثائرين ضد بطش العسكر.

لذا فإن أزمة القيادة في الإخوان والتي تبدت للعيان في الأسبوعين الماضيين لا تضع الإخوان وحدهم في مفترق الطرق بل تضع الأمل في استعادة الثورة المصرية في مهب الريح، فهل كانت الأزمة التي تواترت الأنباء عن احتوائها أخيرًا هي صراع على قيادة الجماعة ؟ أم أنها نتجت عن اختلاف حاد وجذري في رؤية مستقبل الجماعة وإستراتيجيتها الحركية في ضوء التغول والبطش الأمني للانقلاب الذي صار يمارس جلاوزته القتل على الهوية خارج نطاق القانون ( ولو كان هزليًّا).

الراجح أن هذا الخلاف بين القيادة الحالية في مصر وبين مجموعة من القيادات التي أدارت المشهد حتى مجزرة رابعة (د. محمود حسين أبرزهم) انطلق من فكرة توجه مجموعات من الشباب نحو ممارسة جهاد دفع الصائل ضد من يقومون بأسرهم والاعتداء عليهم وقتلهم في وضح النهار، واشتعل الخلاف بعد مقالات د. محمود غزلان ود. البر عن النهج الإصلاحي الملزم للجماعة، وعلى الجانب الآخر صدر بيان 159 من أبرز علماء المسلمين (نداء الكنانة) الذي تواءم مع حراك الشباب على الأرض المتجه بقوة للتصعيد الثوري الميداني ضد الانقلاب، ففي نصه: ((إن الحكام والقضاة والضباط والجنود والمفتين والإعلاميين والسياسيين، وكل من يَثْبُتُ يقينًا اشتراكُهم، ولو بالتحريض، في انتهاك الأعراض وسفك الدماء البريئة وإزهاق الأرواح بغير حق.. حكمهم في الشرع أنهم قتَلةٌ، تسري عليهم أحكام القاتل، ويجب القصاص منهم بضوابطه الشرعية «مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا»)).

وفيه أيضًا: (الدفاع بأية وسيلة مشروعة عن النفس والعرض والمال حق مشروع، بل واجب شرعي، لا يملك أحد أن يمنعه أو يمنحه، فللمعتدَى عليه صدُّ المعتدِي بذاته دون غيره، وبالقدر الواقع عليه دون تعدٍّ أو تفريط: «وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ»، وهو ما يعد تأصيلًا شرعيًّا للتكتيكات الثورية الدفاعية وللقصاص ممن يتيقن قتلهم للشباب أو انتهاكهم للأعراض، وقد بدا واضحًا أن الحراك الشبابي على الأرض وحتى على وسائل التواصل الاجتماعي يدعم بقوة المضي في اتجاه التصعيد مصطفًا إلى جانب القيادة المنتخبة فبراير 2014.

بين السلمية والعنف أم بين الإصلاح والثورة؟

يندفع البعض في توصيف الخلاف الدائر بكونه بين منهج سلمي يدير خده الأيسر وآخر مندفع عنيف دون حساب للمصالح والمفاسد محاكيًا تجربة (مروان حديد) مع نظام الأسد أواسط السبعينات، بينما يرى الآخرون أن الخلاف بين منهج إصلاحي متدرج وبين منهج ثوري حركي يواكب الصراع الاستئصالي الذي يواجه الحالة الإسلامية بأكملها معتمدًا على المرونة التي تأسست عليها الجماعة مستشهدين بما اتخذه الشيخ حسن البنا من تدابير غير تقليدية أبرزها تأسيسه للنظام الخاص في الأربعينات وما أبلاه من بلاء حسن في حرب 48 ضد الصهاينة، وفي المقاومة في القناة أوائل الخمسينات.

الصراع بين الثورة والعسكر.. هل هو صراع صفري؟

يبدو السؤال مستنكرًا في ضوء المجازر التي أرتكبها العسكر منذ تنحي المخلوع وسعيهم الآن لاستئصال كل الأصوات المقاومة وعلى رأسها الإسلاميين، رغم ذلك يرى كثير من الباحثين أن هناك عدة دروس تاريخية من الثورات ومن الصراعات الأهلية ينبغي أخذها في الاعتبار ونحن ندرس الحالة المصرية:

1.لا يمكن لقوة عسكرية أو أمنية باطشة أن تستئصل فكرة أو تقضي على تنظيم يحمل فكرًا أيديولوجيًّا مهما تمادت في القمع وسفك الدماء.

2. لا يمكن لمليشيات عسكرية أن تنجح تمامًا في الانتصار على جيش نظامي وطني (غير محتل).

3. أن أي صراع سياسي أهلي بغض النظر عن هوية المتصارعين ومدى العداء بينهما غالبًا ما ينتهي على مائدة التفاوض.

لذا فإن الصراع مع العسكر يمكن أن يؤول للتفاوض إذا ما قاموا بالتخلي عن السيسي وعصبته التي تورطت في سفك الدماء وحرق الأحياء. لذا فإن المقارنة مع تجربة الإخوان في سوريا تبدو شاسعة البون، ويبدو للمتابع أن رؤية الجماعة تفرق بين قادة العسكر وبين مجمل أفراد الجيش، كما تفرق بين الزند ومجموعة القضاة المنتقين للحكم في قضايا ما أسموه مكافحة الإرهاب، وبين مجمل قضاة مصر، كما تفرق بين من تم التغرير بهم في 30 يونيو ثم تراجعوا عن تأييد الانقلاب بعد 3 يوليو وبين مجموعات السياسيين والإعلاميين التي باركت المجازر ولا زالت تتحرك كعرائس الماريونيت طبقًا لمنشورات المخابرات الحربية أو لتعليمات مكتب (عباس كامل).
ولكن أي مفاوضات مقترحة سواءً مباشرة أو عن طريق أطراف خارجية ستصطدم بعقبات كئود تتمثل في ضرورة رضوخ الجيش ليس فقط للتخلص من السيسي وعصبته بل للتخلي تمامًا عن مسار 3 يوليو بالكامل والاعتراف بعدم صوابه والعودة للمسار الديمقراطي ولدستور 2012 والجنوح نحو مصالحة مجتمعية شاملة.

وختامًا فإن ما يجري من تغيير في منهج المواجهة بين الإخوان وبين نظام يوليو في ثوبه الفاشي يعد ضرورة وجودية للجماعة وللحالة الإسلامية في ضوء ما يمر بالأمة منذ 28 يناير 2011 حتى الآن، ولو لم يقم الإخوان بذلك لتعرضوا لهزات جذرية تضرب مصداقية التنظيم لدى صفه ومؤيديه.

أما على الجانب الثوري فيبقى السؤال المطروح هو: كيف يتحقق الاصطفاف الثوري؟ وماذا عن سيناريو ما بعد سقوط السيسي؟

يُعدُ الاصطفاف الثوري ضرورة وطنية لن يُكتب لها الصمود إلا إذا تم بناؤه على سيناريو تشاركي واضح المعالم لمرحلة ما بعد إسقاط الانقلاب يسهل دعوة جموع الشعب لتبنيه، أما مسئولية تحقيق ذلك الاصطفاف وإنضاج هذا السيناريو فهي تقع بالأساس على عاتق الإخوان المسلمين والرموز الثورية والشبابية البارزة في الداخل والخارج، وتبقى معركة تحرير العقول واجب الوقت بعد ما صار شعار بعض الجماهير مطابقًا لما أبدعه أحمد مطر في وصف هكذا حالة من تضليل الوعي.

ما عندنا خبز ولا وقود
ما عندنا ماء.. ولا سدود
ما عندنا لحم.. ولا جلود
ما عندنا نقود
كيف تعيشون إذن؟!
نعيش في حب الوطن!!
الوطن الماضي الذي يحتله اليهود
والوطن الباقي الذي
يحتله اليهود!
أين تعيشون إذن؟
نعيش خارج الزمن!
الزمن الماضي الذي راح ولن يعود!
والزمن الآتي الذي ليس له وجود!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد