«ولقد أقرَّت مجموعة من الإخوان في سوريا في السبعينيات اعتماد هذا المبدأ -المبادئ الستة لسيد قطب- في مواجهة حكم النصيرييّن للبلاد، واضطرت قيادة الإخوان وقتها إلى اعتماده وإقراره». صلاح الخالدي- سيد قطب من الميلاد والاستشهاد (ص 401)

ما أعظم أن يَصطَفَ قلمِي، ليُرصفَ بعض الكلمات مِن هنا وهناك، ويلحم هذه في هذه بلحام الدقة والبحث لترجمة مِنْ تَراجِم عصر ميلاد الثورة الإسلامية السورية. وما أجمل أن أختص لقصاصتي بطلًا يكون بوصلة الرواية وربّان قاربي لإرهاصاتي حول العالم الجديد الذي يتكون في كوكبنا الفاسد.

قصدتُ البداية مِن الشام. واعتليتُ قاربي ورسوتُ في الشام، كما سترسو الأحداث القادمة للأمة. وحرتُ لمّا نزلت سوريا عِند المنارة البيضاء. من أين أبدأ؟

مِن مقدمة تبدأ بألف الحدث. كما عهِدَ الكُتّاب أو مقدمة تبدأ بياء الحدث كما عهد بديع الدين الهمذاني «من أنه كان يكتب ما أقترح عليه فيبدأ بآخر سطر منه إلى الأول».[1] فاخترت مذهبَهُ وبدأتُ مِن آخر سطر في المشهد.

عفا الله عما مضى، لن نحاسبك على شيء بشرط واحد أن تترك السلاح.

قال حديد بثقة:

بشرط واحد: أن تساعدني على قيام الدولة الإسلامية في سوريا. [2]

كان هذا هو الحديث الدائر بين رئيس الدولة النُصيري حافظ الأسد، ومروان حديد بعد اعتقاله في سجن المزة العسكري.

كأن هذا العقد الذي سطره مروان حديد في الجهاد لم يكن شيئًا وفي لحظة سيخرج، أو كأنه سياسي يفاوضه رئيس الدولة على انسحاب حزبه من الانتخابات. ولم يكن ذلك الإرهابي المطلوب في كل ربعٍ من ربوع سوريا.

كأن هذا الرجل، لم يكن يقاوم بالسلاح هو وزوجته منذ أيام عندما جاءت قوات الجيش البعثي لتحاصر بيته وتعتقله، في 30 حزيران 1975.

لم يكن هذا الحوار إلا الضوء الذي في نهاية النفق الذي يبين لنا قوة هذا الرجل الذي بدأنا من عنده.

لم تبدأ حكاية مروان الزمنية مما بدأت به في الغيهب الصغير المُظلم، في سجن المزة بدمشق. وإنما بدأت في كلية الزراعة جامعة عين شمس، عندما كان الصراع مشتد بين عبد الناصر والإخوان في مصر. كان ذلك في عام 1954، وكان قد بدأ الدراسة بعدها بسنة أو سنتين، وبدأ يدخل في هذا الصراع في الجامعة بحُجتهِ؛ مما أدى إلى اعتقاله أكثر من مرة، الأمر الذي أدى إلى تأخر تخرجه إلى عام 1964.

وفي هذا العقد الذي عاشه في مصر، التقى بالأستاذ سيد قطب، وتأثر بهِ وتغذى من كلماتهِ كما تغذى العالم الإسلامي منها، إلى أن غادر مصر إلى سوريا في 1964، وبدأ بدراسة الفلسفة في كلية الآداب.

هذا الاتساع المعرفي جعله يُقبل على نظريات الحرب بعد ذلك عند اشتعال الثورة. ووقتها بدأ يدرُس «الحركات الثورية في العالم مثل تشي جيفارا وغيره، حيث قامت بعض هذه الحركات التحررية بقلة من الناشطين، وهاجمت بعض المخافر واستولت على أسلحتها واستخدمتها، وهكذا نمت وترعرعت: سلاحي من عدوي مستفاد»، وعلى ذلك قال: «سنربي جيلًا مقاتلًا يسلب من عدونا السلاح ويحقق أهدافه التي يقاتل من أجلها». [3] كل هذا كان تقديمًا في عالم الغيب، لوظيفتهِ القدرية التي ستبدأ في حماة.

الثورة الإسلامية الكُبرى

يأتي في ذهن القُرّاء ذلك اللفظ مقرونًا بالناحية الجغرافية الفارسية. عند إيران! ثورة الخُميني 1979. لكن لا يُدرك كثير من أجيالنا بل وآبائنا أن هناك ثورة إسلامية سُنية قامت قبل الثورة الإيرانية بثلاث عشرة سنة. وظلت ممتدة مخترقة خرسانة الحداثة الصلبة إلى أكثر مِن عشرين سنة.

سمّها ما شئت. ثورة حماة، أو ثورة إسلامية، أو الثورة المروانية، أو ثورة أم الحُسْن !

أعي ما جاء في خاطرك وما صادف أذنك من موسيقى غير مُتناسقة في كلمة أم حسن. ولم تجئ عبثًا ولا تهكمًا، وإنما جاءت مع القدر الذي قدّم حديد، لصناعة الحديد.

بدأت الثورة عند بستان في مدينة حماة يقال له «أم الحسن». وهي حديقة سياحية بها «جزيرة صغيرة، وبركة ماء فيها البط والإوز وأنواع الطيور، مما يجذب الأطفال خاصة، وهي حديقة فيها الورد والزهر والعطر. هي حديقة طبيعية سياحية قل نظيرها في العالم، وبعبارة أفصح: لا يوجد لها مثيل في العالم، وقد نالت حماة المركز الأول في الجمال على مدن سوريا. هذه الحديقة، أصبحت مرتادًا للتبرج، والاختلاط، والفساد».[4] ولخيالك أن يتصور كيف كان الحال في الستينات عندما سيطرت القومية بشُعَبِها البعثية النُصَيِرية والاشتراكية على عواصم الإسلام الثلاثة: بغداد، ودمشق، والقاهرة. ولأفلام الستينات أرشيف مُسف يدل على هذا الخيال الظلامي الذي ابتلع الأمة في ثقب أسود. لا زلنا نحاول الخروج منه حتى الآن.

التدافع

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ومساجد، فالحق ينتصب، والفطرة تهتز وتضطرب لتذب عن النقاء. ويجتبي القدر من جمهور الخلق، من يتولى هذا الدفع؛ فأختار الفارس الذي أعده القدر.

مروان حديد: الذي كان مسئولًا لقطاع الطلاب في جماعة الإخوان المسلمين. كان مروان معروفًا داخل الوسط الإسلامي؛ لكثرة دروسه في العقيدة وأصولها، وخطبه المعروفة التي علت في درجات التربية كما علت في درجات إنكار المنكر حينما رأى هذه الإباحية المنتشرة في هذا البستان؛ فخطب في الناس وفي الشباب خطبة حتى وصل إلى سيف التوجيه فقال: «لماذا نسكت عن هذا المنكر؟ ألسنا مسلمين؟ والحديث الشريف: من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان ولماذا نكون ضعيفي الإيمان؟ أمن السجن نخاف؟ أم من الموت؟ كفى بالأجل حارسًا يا عمر. بل سنغير هذا المنكر بأيدينا بإذن الله».[5] توجّه مروان وتلاميذه إلى ذلك البستان، ذاهبين لتغيير هذا المنكر ليبدؤوا أول فصول الملحمة.

مفاوضات الأمن مع الشيخ مروان

حصلت مشاجرات بين تلاميذ الشيخ، وبين الشباب الضال. في الحديقة، وبين الأمن أيضًا؛ حتى استدعى الأمن الشيخ مروان وقال له: «يا شيخ لماذا تقومون بهذه الحركات الاستفزازية؟

الشيخ: بل أنتم الذين تقومون بها !

– وكيف؟

– أنتم تفسحون المجال للاختلاط وتشجعونه…

– الحديقة ملك الجميع.

– صحيح، ولكن يمكن أن تخصصوا يومًا للرجال وآخر للنساء.

– ولكن في هذا صعوبة بالغة.

– إذًا يمكن أن تفصلوا الحديقة: قسم للرجال، وقسم للنساء.

– هذا لا يمكن.

– أنتم لا تغارون من مشاهد السفور؟ وحديث الشباب مع البنات؟

– نحن جهاز أمن وتحقيق، ولو عرفتم ما أعرف، من الفساد المخفي لذهلت.

– قال -صلى الله عليه وسلم- «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده» وأنا أرى المنكر في الحديقة، ولم أره فيما ذكرت، ولو رأيته لغيرته».[6] هكذا نقل أحمد الخاني في كتابه (ثورة حماة 195) منطق الجدل بين مروان والسلطة. وعلى أساسها رفض مروان كل أطروحات المفاوضة.

موقف جماعة الإخوان من تحركات مروان حديد في هذا التوقيت

كانت قيادات جماعة الإخوان تتابع تحركات مروان من البداية. وكان الأمر أشبه بصك حرية لمروان يفعل ما يشاء. ولم أجد في أوراق قيادات الإخوان في هذه الفترة ما يشين تحركات الشيخ وشباب الإخوان «قسم الطلبة». وربما كانت الجماعة في وقتها تضمر في ضميرها الجمعي أن أفكار مروان قد تجر الجماعة إلى صدام ليست جاهزة له مع السلطة. ولذلك لجأت إلى التهدئة حتى قتل الشاب عبد الرزاق الجواد.

مؤتمر للتهدئة يشعل الثورة

روى المراقب العام السابق لإخوان سوريا في مذاكرته روايةً عن مؤتمر للتهدئة في مسجد الشيخ زين. خرج فيها أحد دعاة الإخوان عن جو المؤتمر العام، وأخذته الحماسة لينادي في الناس: «بالتعبئة العامة في وجه السلطة، ودعا إلى ما يشبه حلف الفضول، لحشد سكان المدينة عبر هيئاتها ومنظماتها وأحزابها في التصدي لأجهزة الأمن والشرطة والحزب الحاكم، وكان الناس كالبركان لا ينقصهم إلا عود الثقاب لينفجروا ويحدث الصدام».[7]

——————————————–

[1]  يتيمة الدهر (4/256).

[2]  العدد الحادي عشر من مجله صوت الجهاد – محرم – 1425هـ.

[3] رواية أحمد الخاني للأحداث في كتابه ثورة حماة 1964م.

[4] نفس المرجع السابق.

[5]  مقال بعنوان محطات في ملحمة حماة 29-4-2013 م (منتدى الألوكة).

[6]  الجزء الثاني من المقال بتاريخ 27-5-2013م.

[7]  مذاكرات المراقب العام السابق عدنان سعد الدين (ج2/ ص 46).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد