كتبت يومًا تحت عنوان «من يوصل الرسالة إلى فضيلة المرشد العام»، ولما أن تيقنا أن فضيلة المرشد العام هو وإخوانه القادة المأسورين معزولون عن العالم في سجونهم الانفرادية، لا يصل إليهم شيء، ولا يُنقل عنهم شيء إلا ما ندر؛ كان لا بد لنا أن نتوجه بخطابنا إلى قيادات الإخوان الحرة خارج السجون، في داخل مصر وخارجها، الذين آلت إليهم الأمور وأصبحوا أصحاب القرار، وعليهم لا على غيرهم أن يحسموا أمرهم، وقد حانت ساعة الحسم.

أيها القادة الكرام:

لا يخفى عليكم الحال الذي صرنا إليه، فهو حال لا يخفى على أحد، وقد بات ظاهرًا لكل عين، حال لا يخفى إلا على عَمِيّ لا يرى.

ثورتنا تلفظ أنفاسها الأخيرة، وحراكنا يخمد، ونارنا تبرد، وجموعنا الثائرة التي كانت تهدُر أصحبت أفرادًا تندُر.

أيها القادة الكرام:

دائمًا ما أؤكد على أننا لم نُعط صكًّا من الله بنصرتنا في كل جولاتنا مع الباطل، إنما هي معركة أزلية، وإنما هي جولات، فجولة وجولة، والصراع سجال، ونحن في معاركنا لا نستسلم ونُقِرّ، ولكننا نكر ونفِرّ، ثم نكُرّ ونفِرّ، إلى أن يحكم الله بيننا وبينهم.

أيها القادة الكرام:

فرق كبير بين التفاوض والمصالحة.

المصالحة تعني الرضا بما آلت إليه الأمور والإذعان له، وغض الطرف عن كل ما جرى نسيانًا وإهمالًا. وهذا ما لا يكون أبدًا، فإن ما جرى هو صفحات قد خُطت بالدماء، الدماء التي أريقت ظلمًا وطغيانًا، والدماء المظلومة تفور إلى يوم القيامة أو إلى القصاص لها، غير أننا نعجز الآن عن ذلك عجزًا بيّنًا.

ولن نعترف بالوضع القائم ولو لُفت على أعناقنا جميعًا حبال المشانق، والاعتراف يعني الإقرار رسميًا بالنظام الانقلابي، وهذا ما دونه الموت.

أما التفاوض فلا يعني في رأيي إلا اتفاقًا مع الخصم على الانسحاب الآمن، انسحاب آمن نحن مضطرون إليه ومجبرون عليه.

لم يعد لنا خيار أيها الكرام، لم تبق لنا ثورة، ولم يدم لنا حراك، ولم تستمر لنا جموع.

المعركة التي لا يمر فيها يوم إلا ونحن نضعف فيه عن اليوم الذي يسبقه، معركة لا بد من إيقافها.

لقد تمكن الانقلابيون من أمرهم تمكنًا بالغًا، وما عاد تعويلنا على اصطفاف ثوري جديد إلا تضييعًا للوقت والجهد.

وما كانت قضية جزيرتي تيران وصنافير إلا كاشفة وفاضحة.

لا تملك القوى الثورية أي وجود على الأرض، وليست إلا بعضًا من الشباب الذين يصدرون بيانات وتصريحات بين الحين والآخر.

وعداؤهم للإخوان لا يقل عن عدائهم للعسكر، بل إن عداءهم للعسكر يتحطم على صخور الخوف، أما عداؤهم للإخوان فهو عداء حر وطليق وواسع.

المعركة هي معركة إخوان وعسكر، والكل مشاهد ومتفرج.

ثلاث سنوات كافية لإسقاط الكثير من الأوهام؛ وهْم القوى الثورية والاصطفاف الثوري، وهْم شرفاء الجيش والشرطة، وهم الأزمة الاقتصادية ونهاية الدعم المالي الدولي.

أيها القادة الكرام:

أنا أعرف أن الأمر ثقيل عليكم، صعب جدًا أن تأخذوا مثل هذا القرار، وأن تقدموا على مثل هذا التفاوض، فلن تُرحموا حينها من شباب يعتبر ذلك خيانة ومن شيوخ ينازعونكم في أمر القيادة ويزايدون عليكم.

لكن الحكمة تقتضي أن تفكروا في الأمر بجدية وروية، ولا يضيركم أن تدفعوا ثمنًا من أجل القرار الصائب، فأنتم تدفعون الآن أثمانًا باهظة من أنفسكم وأموالكم، بل ومن تشتت جماعتكم وتشرذمها. إذن لن يكون الثمن الذي تدفعونه حينها أكثر مما تدفعونه الآن.

أيها القادة الكرام:

فاوضوا إن استطعتم، فإن كان المنقلب الغادر قد أيقن بقوته وجبروته، ويرفض الآن مفاوضتكم، لظنه أنه امتلك الأمر، فليس أمامكم إلا المضي في طريقكم، آملين أن ينفخ الله في ثورتنا من روحه، فتهب الجموع من جديد، ويعود الخامل، ويقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

قادة
عرض التعليقات
تحميل المزيد