لم يكن التغرب خيارًا قلنا ربنا الله فأخرجنا بلا سابق إنذار أو تخيل لما تخبأه لنا الأماكن البعيدة والأزمنة المتناثرة على شواطئ التيه التي لا ترسو مراكبها إلا لتبحر على غير هدى أو طريق وكأنها اتخذت من الشتات موطنًا فصار الاستقرار استثناء والانتماء خللًا والحنين عجزًا.

في اليوم الأول للخروج بينما نحمل حقائبنا مودعين أوطاننا وأهلينا خسرنا أول ما خسرنا أسماءنا فنادانا الناس في الوطن البديل بـ”الغريب” أو “المصري” أو “الحلبي” ليذكرك دائمًا أن شيئًا ما فيك يجعلك أقل من باقي البشر أن آدميتك مضطربة وكلك يفتقد لبعضك وهذا البعض لا يمكن إدراكه أو تجاوزه.

ثم ما يلبث الواحد منا أن يخسر بعد اسمه لسانه فيتخلى عن لهجته ولكنته والمصطلحات التي ألفها والتعريفات التي درج عليها فيعود أدراجه طفلًا يراقب ألسنة الناس يأخذ من هذا كلمة، ومن ذاك لكنة، ومن آخر تعبيرًا حتى يجيد اللهجة الجديدة ويستبدل بها القديم ويبالغ في التحدث بها متباهيًا بذلك على أقرانه من المتلعثمين ظانًا أنه بذلك استطاع أن يذوب في المجتمع الآخر، وأنه أصبح جزءًا من تكوينه وأحد أفراده، إلا أنه سريعًا ما يدرك أنه ذاب في الهواء، فلا هو احتفظ بلهجته، ولا استطاع أن يغير جلده بنزع لسانه ليضيف للتغرب عذابات أخرى لم يكن قد أعد لها حسابًا.

وإذا فقد المرء اسمه ولسانه تحول إلى بقايا، فاختلجت نفسه، وتهاوت أفكاره، وأسلمت روحه زمامها إلى المجهول، فتراه متجولًا في المتناقضات ضاحكًا باكيًا، هادئًا صاخبًا، منبسطًا ومهمومًا يحن إلى ما لا قدرة له عليه ويئن على ما لا يستطيع الرجوع إليه لا لذة الحاضر ولا راحة الغائب جسد هنا وروح هناك.

ثم تبدأ رحلة البحث عن هوية فموطنك غير راغب فيك، والآخرون يتوجسون خيفة لتقف على شرفة طموحاتك فلا ترى نفسك إلا حاصلًا على لقب لاجئ مع مرتبة الذلة والصغار والوضع القلق حازمًا أمتعتك مترقبًا أي تغير في سياسات البلد المضيف أو تحول في استراتيجياتها لتشد الرحال لأخرى فلا أنت معافى في بدنك، ولا آمنًا في سربك، ولا عمل يوفر لك قوت يومك، وكأنما تمتعت عنك الدنيا بحذافيرها، وما لك فيها إلا ما أخذت منك.

إن الله لم يخلقنا شجرًا، لا نغادر أماكننا، أو جمادات لا تتزحزح، بل أوجب علينا الهجرة عند الضيق فرارًا بالدين والنفس والعرض، وحبب السفر والترحال سياحة ورزقًا، لكن تلك الهجرة، إن لم تكن تحرفًا لقتال أو تحيزًا إلى فئة صارت فرارًا من زحف العدو وكبيرة من الكبائر التي شدد الله عليها العقوبة، كما أن السفر بحثًا عن الرزق أو لأغراض أخرى مشروعة يختلف عن مسمى النفي، فأنت فيه من تملك قرار الذهاب والعودة لا غيرك ولك وحدك الحق في البدء والختام متى تحب وأنى شئت.

وأخيرًا فإن عليك متى بليت بالمنفى أن تتعلم قوانين الشتات، فلا غنى لك عنها في رحلة الاغتراب البليدة التي تأخذك إلى ما لست تدري فلا تعرف أين مستقرك غدًا، ولا تهتم أين بت بالأمس، عليك بقضاء كل يوم وكأنه الأخير، فلا تنشغل بالقادم ولا تتعلق بالماضي.

عليك أيضًا ألا تصاحب صنفين من البشر أولهم الحمقى الذين يسيرون خلف كل ناعق ويبيعون الآمال والأوهام لمن تعلقت أرواحهم بأطياف الرجوع فترتفع بقلوبهم للعنان، ثم ما تلبث أن تهوي بهم في الحضيض عند تتابع النكبات واستقراء الواقع قراءة منطقية بعيدًا عن الأماني والاجتهادات السطحية الجانحة، وثانيهم المتشائمون الذين اسودت الدنيا في أعينهم، فجلسوا ينتظرون آجالهم مثبطين كل حر نافر حاطين من عزم المجموع لا هم لهم سوى الانتقاد والتلسين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد