استراتيجية الأخوة ضد استراتيجية حدود سايكس بيكو

اقتضت حكمة الله في الإنسان أن تجبل فطرته على الاتحاد والعيش في مجتمعاتٍ جنبًا إلى جنب برباط الإخاء مع البشرية.

فنزع الإنسانُ منذ القدمِ خصوصًا بعد نزولهِ إلى الوادى لتكوين المجتمعات البشريةِ في صورها المختلفة ابتداءً بالأسرة والعشيرة وانتهاءً بالإمبراطوريةِ والدولة، ولم يسبق للإنسانِ فى أي طور من أطواره أن استطاع العيش متفردًا وحيدًا خاليًا من كل مظاهر الاجتماع والالتحام مع الناس؛ وذالك لأن الاتحاد كان يعني له الأمان والقوة في مواجهة الطبيعة، بينما التفرد والانعزال يعني الضياع وابتلاع الطبيعة له.

ولقد عززت فطرة التجمع من قدرة الإنسان منذ القدم على إنشاء الحضارات وازدهارها واستطاع بعد ذلك بمساندة أخية وبالقوة الهائلة في المجتمع الناشئة عن التوحد: تسخير الطبيعة وجعلها في خدمتة.

ولقد جاءت الرسالاتُ السماوية موافقة لهذة الفطرة تحث عليها وترسخها في وجدان أتباعها وتضع قوانين وتعاليم ومبادئ تنقل فطرة التجمع والأخوة الإنسانية من النظرية إلى التطبيق عن طريق نظم وفعاليات وتشريعات وعبادات تعمق معني الأخوة بين الأتباع.
وإن المثال الناصع لهذا الأمر يتضح في تطبيق الإسلام للأخوة حيث جعل لها ثلاث درجات أعلاها الأخوة في العقيدة، ثم الأخوة في النسب، ثم الأخوة في الإنسانية، وبهذا شملت الأخوة في الإسلام البشر بصفه عامة، بغض النظر عن الجنس واللون والعرق والدين.
كما أن الإسلام عزز هذا المبدأ من خلال الكثير من الأيات والأحاديث، ثم تلقف النبي هذه التوجيهات وصبها في قالب تطبيقي غاية في الروعة، فكانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار لبنة أساسية من لبنات الحضارة الإسلامية الناشئة وعاملًا قويًا من عوامل انتشارها وبسط نفودها بالحب والأخوة على نصف الكرة الأرضية في سنين وجيزة، فأسست لإمبراطورية تعيش فيها جميع الفئات والطوائف والعرقيات والأديان المختلفه ككتلة واحدة في وئام وسلام لا يعدو عليه أي حدود معنوية بينهم، كالنعرات الطائفية والأحقاد المذهبية والدينية، أو حدود مادية تفصل بالحديد والأسلاك الشائكة بين مناطقهم.

وظلت الحضارة الإسلامية مستلهمة من تلك المبادئ رخاءها وقوتها مقدمة نموذجا غاية في الرفعة والسمو يقتدي به العالم أجمع، واستمر هذا الازدهار طويلًا، لكنه كما هي عادة الأشياء وسنن الكون لم يكن أبديًا.

ولم يلبث أن بدأت شمس الحضارة الإسلامية في أفولها نتيجة أمراضها الداخلية المستشرية في جسدها الضعيف ونتيجة معول التفرقة والتفكك، هذا الحل والمعول السحري الذي اهتدي إليه الغرب.
حيث أدركوا أن السبيل إلى هدم أي حضارة، ووأد أي رسالة، هو تفريق أفرداها وكياناتها تفريقًا معنويًا عن طريق إثارة النعرات وإحياء القوميات وبعث الأحقاد الدفينة، وتفريقًا ماديًا عن طريق تقسيم الأرض إلى مناطق صغيرة متناحرة على قضايا غير ذات بال يحرك هذا التناحر اختلاف الهوية الذي صنعه المستعمر وتضاربها.

وهذا هو عين ما حدث في الوطن العربي قبل 200 عام من الآن؛ حيث كان كتلة واحدة شاسعة تمتد من المحيط إلى الخليج، متحدٌ في التاريخ، والجغرافيا، واللغة، والدين، والعادات، والأعراف، والتقاليد.
كان العرب يعيشون فيه لا يعرفون للحدود معني، يتمتعون بحرية الحركة بين جنباته الشاسعة، كان الرجل يخرج من المغرب العربي قاصدًا الحجاز لا يوقفه شيء، وكان يخرج من مصر قاصدًا أعالي الشام فلا يعترضه عارض.
حتى استخدم الإستعمار مبدأه الشهير «فرق تسد» في وطننا العربي، فبدأ في تقسيمه إبان سقوط الخلافة العثمانية إلى جزئيات صغيرة مفككة، صنعت حدودها بريطانيا وفرنسا بهندسة مندوبيها سايكس وبيكو، والأخطر من ترسيم تلك الحدود على تراب الوطن العربي هو ترسيمها في وعي الشعوب العربية،
فعمدوا إلى فصل الشعوب العربية فصلًا معنويًا عن طريق إثارت قوميات: الفرعونية، والآشورية، والبالبلية، والفينقية، وفصلًا ماديًا عن طريق تزكية الصراعات والحروب بين الجيران والأخوة، وظلت تتنامى حتى بلغت ذروتها في حرب اليمن وحرب العراق والكويت.

ونحن اليوم نعيش نتائج حدود «سايكس بيكو» المادية والمعنوية ولا خلاص لنا إلا بانتهاج استراتيجة الأخوة الواحدة أمام القوميات المتعددة، وإزالة الحدود من عقلياتنا وقلوبنا ليكون زوالها سهلًا على أراضينا وترسيخ قيم الاعتصام والمحبة والتنظير لمبدأ الأمة الواحدة وزرعها في الوعي الجمعي لشعوبنا، وتجاهل النخبة التي تنظر للقوميات وتدافع عن الحدود، ويجب أن يتم ذلك أولًا في مجال الوعي والأفكار مراعاة للواقع، وإيمانًا بأنه على المدى الطويل، إذا زالت الحدود في عالم أفكارنا ستتلاشى وتصبح هباءً على الأرض من تلقاء نفسها.

والأمل يحدونا عندما نري من آنٍ لآخر محاولات جريئة من شعوبنا العربية لإعلان موقف رفض قوي لتلك الحدود كما حدث في مصر في أعقاب ثورة يناير (كانون الثاني) حينما توجه المتظاهرون إلى الحدود مع فلسطين مطالبين بفتح الحدود، وكما حدث مؤخرًا بين الشعبين المغربي والجزائرى، حيث تظاهروا على الحدود مطالبين بفتحها لأجل التحام الشعوب والتقاء الأسر.

وهذه الحوداث القليلة والفريدة في الآن نفسه تثبت أن تلك الحدود حتمًا إلى زوال لأنها شيء غريب على جسم الأمة العربية لن ينسجم يومًا معها وستلفظه حينما تواتي الظروف التاريخيه المهيأة، حينما يخرج المارد العربي من قمقمه متسلحًا بشعار الأخوة الخالد الذي أطلق النبي محمد صيحته منذ 1400 عام، وما زال يتردد صداه في جنبات الوطن العربي ينتظر أن يتلقفه ذلك المارد فيغير به وجه أمته، ووجه العالم المتعطش للوحدة والترابط والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد