حين هاجر محمد – صَلَّى الله عليه وسلَّم – وضع اللبنة النقية الصالحة المصنوعة بدقَّة في أهمِّ زوايا الدولة الإسلامية الناشئة، التي تتنفسُ حريَّةً، ومساواةً، ونَبْذًا لكلِّ تمييزٍ بين البشر، فالبشر مهما اختلفتْ هندسة الصَّبْغ أو المادة سواء، بلال الحبشي يقف موازيًا لعمر الهاشمي، وسلمان بنصِّ قول سيد الخلق – منَّا آل البيت – وصهيب الرومي ربح بيعه، وما أرقى أن تبيع لله، يشتري ويكافئ ويسامح! ومن أكرم من ربِّ الكون؟ أرسى سيدي أبو القاسم العلاقات بين من جاء مهاجرًا مُتجرِّدًا من كلِّ متاعٍ كان بين يديه، جاءوا كيوم ولدتهم أمهاتهم من غير مال ولا مادة، اشتروا بالدنيا الآخرة عن طيب خاطَر، أمَّا أهل البيت (الأنصار) فقد تجرَّدوا من كثير من أملاكهم، وتخلُّوا عنها عن طيبِ خاطِر أيضًا، تلاقى الخاطران الطيبان في مجال التجرُّد من الدنيا عن فهْم جاء به الدين يسري كما يجيءُ كلُّ طيَّب على أكتاف إبلٍ بيضاء تستظل بغيمة بيضاء تحفُّ بهم من فوقهم ومن كلِّ اتجاهاتهم وفوق ذلك ترشُّ الحامل والمحمول برذاذٍ من مطر تحمله الغيمة حتى لا يكسر الماء ظهور الإبل، وقفوا متقابلين يتبادلون التَّهاني بالسلامة وبولادة دولة إسلامية ستقلع كسرى وظلمه من جذوره، وتمسح قيصر وغطرسته من الدنيا كما يمسح طالبٌ سبورة انتهى ما عليها وعلينا أن نكتب الجديد النافع، كانوا يتواعدون بِسِواريْ كسرى، ذاك الوعد الذي قطعه محمد في طريق الهجرة على نفسه لفارس العرب سراقة بن مالك ، كانوا يبحثون عن العدل بهمَّة بدويٍّ يبحث عن الكمأة في بطن الصحراء لإحياء مناسبة وإثراء تاريخ.

وقف الأنصار يرحِّبون بإخوتهم، ولا يوجد في الدنيا علاقة تربط بين اثنين كما الأُخوَّة، الأُخوَّة، الحليب المشترك، والحضن الواحد، وتقاسم الفراش، واقتسام اللقمة حتى لو كانت يابسة، فلا يجوز لك أن تأكل وحدَك وأخوك ينظر إليك بعيونك المزروعة في رأسه، وقف الإخوَّة يُفعَّلون مادة (أخ) التي أضاعها كلُّ جاحدٍ فقد الطريق إلى الصواب حين فرطَ وفرَّط بعِقد إخوته، وذهب يجري خلف امرأة ما عرفتْ لطريق الله طريقًا، طيَّب إذا كانت هي لا تعرف لله طريقًا فهل تُضَيِّع أنت الآخر طريق أخيك وتُرسله إلى غَيابَة الجُب، وتَضِيعُ أنت ويَضِيْعُ هو وأنتما تلهثان خلف امرأة ما رضعتْ من حليب أمِّك ولا شاركتْك البطن الشريف تسكنه وتتزاحم فيه.

وقف سيدي أبو القاسم يُؤاخي بين أبناء الدولة ماسحًا الفرق الجغرافي الذي يقع كثير من البشر ضحايا لهذا العُرْف الذي ما لأحدٍ فيه يد ولا دور، مسحَ محمد البُعْد الشكلي اللوني العِرْقي القومي، حين آخى بين ابنَي مكة والمدينة، وبين الرومي والعربي، وبين الأسود والأبيض، والغني والفقير، والضعيف والقوي، لقد كانت أُخوَّة العقيدة التي إن أحببتَ أحدًا فيها فلا يجوز أن يكون حبَّك مُجزَّأً ولا مُجتزءًا؛ بل تُحبُّ لأخيك ما تحبه لنفسك (فلا يؤمن أحدكم حتى يُحبُّ لأخيه ما يُحبُّ لنفسه)، والدين الحنيف والعُرْف اللغوي والحالة الاجتماعية لم تجد عبارة تدلُّ على الاندماج والتلاحم خيرًا من عبارة (المؤاخاة)، وفي ذلك تنوير لكلِّ من بات يتاجر في لحم أخيه، يستبدل بالغالي والطاهر النجس، يرمي أخاه في البرد ومع الجوع ويهتمُّ بالغريب البعيد يدفئه ويملأ بطنه كما تفعل بعض النُّوق المضحوك عليها حين تدفع ابنها خارج ضرعها وتدرُّ على ولد غيرها، وربما يكون الولد من غير جنسها.

لم يقف الأخ بعيدًا عن بيت أخيه؛ لأنه قرأ في عين أخيه دلالاتِ الأُخُوَّة التي لا يقرؤها إلَّا من كان قلبه نظيفًا وعيون أخيه تُرسلُ الحقيقة كما هي من غير غشٍّ أو كذب، فأنت كيفما تُرْسل يَستقبل الآخر هذا الإرسال، العين المريضة الخائنة من المستحيل أن تكون إشاراتُها صحيحةً؛ فأول ما يُطلق النظرة صاحب العين تذهب إلى حيث قلبه يهجس، ولذا فلن تجدَ إلى قلب الأخ طريقًا، وقف الإخوةُ المتحابُّون يُعطُون بعضهم كلَّ ما يُعطى وما لا يُعطى بما لا يتنافى مع شرع الله.

رابطة الأُخوَّة لا فاصلَ لها، سلاسلها من حديد لا يُقطَّع ولا يُقتطع، يناشدُك أبوك إن كان تحت التراب ألَّا تُخفر ذمته ولا تسل دمعه بعد أن ذابتْ عينُه في التراب وغادرها الدمع، أمَّا إن كان يخطو فوق التراب، فلا تجعل قلبه يعيش الحسرة ويغدو سجين الأسى؛ لأنه خلَّفَك فوجدك لا تصل الرحم ولا تتمسَّك بأخيك الذي حملك أبوك وحمله كل الوقت لتعضده ويسند بعضكما بعضًا في وجه عوادي الزمن والزمن أبو العاديات، تناشدك أمُّك إن كانتْ في التراب ترابًا ألَّا تقطع حبل المودة الذي نُسج بحليبها وبآلامها وآمالها، ترنو إليك من غير عيون فالتراب أذاب اللحم ورمَّ العظم ومع ذلك تشكو إلى ربَّها عقوقك، أمَّا إن كانتْ تدبُّ على أرض الوهن وزمن الضعف فلا تدعها تأسف على حليبٍ جرى في فمك حين أخذ كلس عظامها لتقوى عظامك وتجحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد