كل مجتهد في حدود ما معه من الفهم والعلم والديانة بالغ لا محالة المنازل العليا والدرجات الرفيعة، نعم سقطت الخلافة الإسلامية، وصحب ذلك نوع من الهزيمة النفسية ووهن للمسلمين، فانبرى من بين ذانك الركام فارس امتلك فهمًا وعلمًا ومن ثم معرفة تامة بهدفه فشرع في استعادة مجد الأمة وعمل على هدفه بجد وإخلاص فطاب الحرث وأينعت ثمار الجهد بتأسيس أهم حركة إحيائية في العصر الحديث.

لم يرد الشيخ الإمام حسن البنا لجماعته أن تكون معزولة عن الواقع على طريقة الجماعات الصوفية، ولا متعصبة لمذهب أو إمام أو حزب سياسي، ولا نخبوية تتحرك في إطار طبقي ضيق، بل كان رحمة الله عليه يسعى لتكوين قاعدة صلبة ذات جماهيرية عريضة تمتد في نسيج المجتمع بمختلف فئاته وطبقاته لترشده إلى الوجهة الصحيحة، جماعة تسعى بقوة نحو الغاية العليا في استرداد الخلافة المفقودة وإقامة دولة الإسلام الحاكمة بشرع الله.

من أجل ذلك عكف الشيخ رحمه الله على البناء الجديد وأولى عناية خاصة بإعداد  شخصية الفرد المسلم باعتباره اللبنة المهمة التي إن صلحت حسن بناء الجماعة وتم، فحرص على تكوين شخصية واسعة الفهم صاحبة عمل دؤوب، وكانت أبرز ملامح هذه الشخصية ذلك البناء العقدي المتين  الحريص على الالتزام بمنهج السلف الصالح والرجوع إلى الكتاب والسنة باعتبارهما المرجعية الأساسية لكل مسلم كما بين في أصوله العشرين؛ بنى جماعته على العقيدة فكانت جماعة عقائدية تتحرك بعزم لا يلين ساعية إلى سيادة هذه العقيدة في دنيا الناس “حتى يكون الدين كله لله”.

أدرك الشيخ أن هذا المراد لن يتم  إلا بحفظ أفراد الجماعة من الانحراف عن منهج الله في مناحي الحياة المختلفة سياسية كانت أم اقتصادية أم غير ذلك، مجنبًا إياهم مزالق المناهج الأرضية الأخرى وتبعاتها التي كان يرى بعين البصيرة مساوئ شرودها عن عقيدة الإسلام، ذلك المعنى الذي كان حريصًا على تأصيله في قلوب ومجامع عقول أتباعه حيث كان يقول:

“فمفروض على كل مؤمن أن يكون جنديًا في سبيل العقيدة التي آمن بها يذود عنها، ويعمل لها، ويجاهد في سبيلها بنفسه وماله، ولا عذر لأحد في ذلك”.

انطلقت دعوته صافية واضحة بعيدة عن المناهج الأرضية السائدة لا تعرف سوى الإسلام منهجًا فريدًا فلقد أدرك كيف تأثر المسلمون بهذه المناهج فحدد موقفه منها بوضوح وفي ذلك يقول:

“إننا معشر أمم الإسلام لا شيوعيون ولا ديمقراطيون ولا شيء من هذا الذي يزعمون، ولكننا بحمد الله مسلمون”.

وشاء الله أن تسقط في البداية لوثة اليسار والتي اتسع نطاقها حتى تأثرت بها الحركة الإسلامية فصدر مثلاً في هذا الصدد كتاب “اشتراكية الإسلام”.

وبقي علينا أن نُسقط اللوثة الديمقراطية عن أدبيات الحركة الإسلامية وفكرها، فنحن لسنا ديموقراطيين أيضًا كما قال الشيخ  بل نحن دعاة لرسالة خالدة، وجماعة حاملة لرسالة الإسلام وحدها لا تطمئن ولا تهدأ حتى تتحقق هدف هذه الرسالة كاملاً وهو إقامة الدين، وتحكيم الشريعة.

تنبه الإمام مبكرًا لما أصاب الأحزاب السياسية من مفارقة للمنهج الإسلامي القويم وفساد وقرر أن الحكام الذين يخرجون من رحم هذه الأحزاب بعيدون كل البعد عن غايته لأنهم لا ينطلقون من مرجعية الإسلام ولا يحرصون على إنفاذ تعاليمه وكان يرى أن هذه الجماعة في سيرها لا ينبغي أن تقنع بالمكاسب السياسية المحدودة التي تحيد بها عن رسالتها لذلك، فيقول رحمه الله عن دور الحاكم  تجاه أحكام الشريعة: “وإذا قصر الحاكم في حماية هذه الأحكام لم يعد حاكمًا إسلاميًّا، وإذا أهملت شرائع الدولة هذه المهمة لم تعد دولة إسلامية”.

ثم يقول عن ذلك الحاكم:

“لا يكفي في اعتباره حاكمًا مسلمًا حتى تكون شرائع دولته ملزمة إيّاه بحماية أحكام الإسلام بين المسلمين، ملزمة إياه كذلك بتبليغها لغير المسلمين، وتحديد موقف الدولة منهم بناء على موقفهم هم من دعوة الإسلام، هذا الكلام لا نقاش فيه ولا جدل وهو ما تفرضه هذه الآيات المحكمة من كتاب الله” ا.هـ

وهذا الكلام يدفع الطرح الذي يضفي صفة الولاية الشرعية على حاكم يمتنع عن تطبيق الشريعة فضلاً عن الحاكم المحارب لها، تلك الفرية التي تولى كبرها بعض المروجين للخنوع للطغاة تحت ذريعة كونهم ولاة أمر، كما أنه يدفع ويبطل شيئًا من المعاني الفاسدة التي تسربت لنا عن كون ذلك الحاكم الذي لا يقوم بدوره تجاه الشريعة يمكن تسميته بأنه والد للمصريين أو راع لمصالحهم، فهذه المعاني لا تصح أن تخرج من مشكاة هذه الدعوة المباركة.

كما أن هذه النصوص تؤكد بجلاء أن هذه المناهج الأرضية ديمقراطية أو غيرها لا تعد أصولاً صحيحة معتبرة في الحكم وهذا الطابع كان هو الطابع الحاكم على تجربة الإخوان الأولى أيام البنا وحتى زمان الأستاذ سيد قطب الذي جلى بكتابته قضية حاكمية الشريعة بأبهى صورة.

غير أن هذا المنهج دخله بعد حين بعض الدخن الفكري والانحراف العملي فكانت أبرز سلبيات المشاركة السياسية للإسلاميين في العهد الماضي بعد انقضاء مرحلة الجيل الأول هي:

أن الحركة الإسلامية مع الوقت فارقت حالة الاضطرار التي دخلت الحياة النيابية على أساسها وبدأت تأصل لصحة هذا المنهج العلماني الديموقراطي باعتباره نظامًا معتبرًا للحكم، حتى ظهر فينا من يرى الديمقراطية أصلاً في التغيير لا حالة عابرة في تاريخ الأمة يمكن الاستفادة فقط من بعض آلياتها في تحقيق قدر من الدعاية لمنهج الإسلام في زمن الاستضعاف مع ضرورة الإعداد المستمر ثم الانطلاق في مشروع مقاومة جاد.

لقد كان هذا التأصيل عظيم الأثر على الأجيال لأنه ساهم في إبعادهم عن منازعة الطغاة حق المنازعة وعن الإعداد لمقاومتهم.

وهذا الأثر السلبي من القيام بالتأصيل لعدم تعارض هذه المناهج الغربية مع الإسلام وإن بدا أنه  أمر فكري لكنه أيضًا كان عمليًا مؤثرًا بالسلب على سير الحركة الإسلامية نحو هدفها حتى وإن حققت تلك المشاركة السياسية قدرًا من المكتسبات في جانب الخبرة وغيرها ولعلي أفرد مقالاً خاصًا بالجانب السياسي يبين هذه المسألة بمزيد شرح إن شاء الله.

ولو أن الحركة اكتفت بالدخول لبيان الإسلام والدعوة إليه كما استهدف الإمام البنا والشيخ أحمد شاكر وغيرهما من الرموز الداعية لاستغلال هذه المنابر أحيانـًا في الدعاية للإسلام ومحاربة القوانين المخالفة لكان خيرًا من اعتماد هذا الطريق على الدوام وبخطاب سياسي مصبوغ بصبغة غربية ديموقراطية إلا عند من رحم الله منهم.

لقد ظل الأمر مستقيمًا كما أسلفت طول فترة البنا وحتى تولى الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله وإلى بروز العملاق سيد قطب منظرًا لهذه الفترة، فلم يبعد طريق الإخوان عن الدعوة لحاكمية الشريعة واعتبارها سبيلاً مفارقة لتلك المناهج الأرضية رافضين لكل حاكم لا يخضع لسلطان الشريعة إلى أن جاءت المحنة الناصرية فحدث في ختامها أمر جديد بدأت بعده عملية التخفيف من شأن الحاكم الذي لا يلتزم تحكيم الشريعة.

لقد خرج في نهاية هذه المحنة منتج فكري منسوب للأستاذ حسن الهضيبي هو كتاب “دعاة لا قضاة” والذي أتى على الفكرة السابق ذكرها وخفف من وصف الحاكم بغير الشريعة في ثنايا أطروحاته وكان الهدف من الكتاب هو أن تقل نزعة العداء تجاه ذلك الحاكم ليستقر أمره وستر كاتبوه من غير الإخوان هذا الهدف خلف الدعوة البراقة لعدم التكفير والتي كثر الحديث حولها حتى استقر الرأي على نتيجة جديدة هي: ترك حالة مفاصلة تلك الحكومات والبراء منها كما حدث مع جمال عبد الناصر والبدء في التعاون مع الحكومات الجديدة والاندماج في دولاب الحياة السياسية بغية الإصلاح لا التغيير الجذري الأمر الذي تجلى بوضوح في خطاب الحركة في السبعينات من القرن الماضي.

ورغم أن مسألة نسبة الكتاب للأستاذ حسن الهضيبي هي محل شك كبير بين الإخوان في ذلك الوقت إلا أن تحقيق تلك المسألة ذهب خلف أسوار المحنة وطوي مع الزمن وهذا هو الأستاذ أحمد عبد المجيد أحد قيادات التنظيم في 65 يبين تشكك الإخوان في نسبة الكتاب للأستاذ حسن الهضيبي ويقول في كتابه الإخوان وعبد الناصر القصة الكاملة لتنظيم 1965:

وعلمنا أن الذي قام بوضعها الأستاذ مأمون الهضيبي نجل الأستاذ المرشد العام بمعاونة بعض الإخوان بالمزرعة، وموافقة الأستاذ المرشد على ما جاء فيها بعد عرضها عليه، ولم يعلم أحد يقينا كيف تم هذا العرض، هل تم بدراستها معه بابًا بابًا وجملة جملة وفكرة فكرة، أم عرض إجمالي لمضمونها؟ أم عرض ملخص لها؟ ولم تتوفر المعلومات عن حقيقة ذلك”، ثم يشير إلى تصور فئات من الإخوان قائلاً بأن هناك: “الرأي القائل بأن الأستاذ المرشد لم تعرض عليه لدراستها دراسة عميقة متأنية، بل حتى لم يقرأها وأن ظروف صحته ومرضه كانت لا تسمح إطلاقـًا بذلك”. ا.هـ

وبعيدًا عن هذه المسألة وعن كون الكتاب صدر خلف القضبان ومعلوم أن مراجعات السجون عمومًا سيئة السمعة ولا يمكن الوثوق بصحة نسبتها لأصحابها أو الاطمئنان أنها تمت برضاهم إذ إنها خرجت تحت سياط الجلادين حتى لو أقرها ابن صاحب الكتاب فهو لم يكن ذا صفة قيادية في الجماعة حينها ثم الأجيال المقرة  بعده تبع له لم يحضروا المشهد ليعرفوا تفاصيله كما حضرها قادة التنظيم الذين دونوا هذا التشكيك السالف ذكره حول صحة نسبة الكتاب؛ غير أن أخطر ما يمكن  أن يقال عن أثر هذا الكتاب هو دعوته لعقيدة إرجائية ليست على طريقة السلف التي تبناها الإمام المؤسس حسن البنا ودعا لها صراحة في رسائله فقضية الإيمان وحقيقته لها منهج عند السلف الصالح والصحابة رضوان الله عليهم يلخصها شيخ الإسلام  ابن تيمية وذلك بتقرير أن الكفر لا يكون بالقلب فقط ولكنه يقع بالعمل أيضًا وأن حصره في القلب منهج المرجئة يقول رحمه الله: “وحصر الكفر في القلب مما ذهب إليه كثير من أهل الإرجاء”، وأكد ذات المعنى الإمام البنا حين قرر زوال الإيمان عمن “عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر” كما جاء في الأصل العشرين، فالأعمال يقع بها الكفر أيضًا.

ويبين ابن تيمية أن زوال الإيمان عن المبدل أمر متفق عليه بين أئمة السنة قال رحمه الله: “والإنسان متى حلل الحرام – المجمع عليه – أو حرم الحلال – المجمع عليه – أو بدل الشرع – المجمع عليه – كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء” ا.هـ

وينقل الإجماع  ابن كثير أيضًا يقول: “فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين”. والياسا قانون التتر الوضعي الذي حُكم به بدلاً من الشريعة.

وهذه الركيزة العقدية  حول حقيقة الإيمان لا ينبغي تمرير ما يخالفها بغض النظر عن الأشخاص لأن نشر عقيدة مخالفة لما عليه أهل الحق أخطر بكثير من الخطأ في الحكم على شخص الحاكم ونظامه وفي كل سوء.

وإن رفض الجماعة لتبديل الشريعة الإسلامية وتنحيتها عن الحكم مقتضاه عدم التسليم بشرعية من يحارب شرعة الله ولا موادعته بل العمل المستمر على خلعه وتقويض حكمه إعدادًا كما دل عليه شعار الجماعة، وجهادًا وهو ما عمل له الإمام البنا ومجدد الجماعة الثاني سيد قطب والجيل الأول للدعوة وهي النتيجة التي ساهم  ذاك الكتاب  في الابتعاد عنها.

إن استقراء هذه التواريخ يعلمنا أن  كل طاغية يعمل على نشر ثقافتين لترسيخ حكمه :
* نشر ثقافة الخوف وعدم القدرة على مواجهته  حتى ييأس الناس فلا يفكرون في مقاومته.
* وهدم الثوابت العقدية التي تحفظ الإيمان وينطلق منها المقاومون له  لمنابزته وخلعه وهذا ما يمكن ملاحظته بسهولة بعد الانقلاب من هجوم على ثوابت الشرع المطهر.

إن  الخط المقاوم الذي لا يوادع الطغاة وينطلق من ركائز العقيدة الصحيحة هو خط قد  صُرفت عنه جموع  الحركة سنين عددًا منشغلة بدهاليز المنافسة الانتخابية، وهو خطاب ظهر تقريبًا منذ منتصف السبعينات حين ظهرت شعارات التعايش السياسي عند الإسلاميين الأمر الذي استمر إلى وقتنا هذا أي ما يقرب من نحو 40 سنة ، وهذا هو عمر الجيل في التاريخ.

وقد آن الأوان أن يستدرك الجيل الجديد الصاعد من أبناء الحركة والذي قدم دماء وشهداء ما وقع في تلك الفترة من أخطاء ويعود لأصوله الأولى التي أرساها الإمام البنا على وفق الشرب الأول لسلفنا الصالح من الإعداد للتغيير الشامل وليس الاندماج ومحدودية الإصلاح.

إن الحركة الواعدة لا تبرر أخطاءها، ولكنها تفتش دائمًا عن مواطن الخلل لتصلحها، وتعمل على رد الأفكار الباطلة التي تسربت لها، وتقوم بالتصحيح المستمر، فإن الثورة بدايتها وعي وفهم وكلما زاد الوعي بالمنطلقات الصحيحة وتم العمل بها كلما قلت تكلفة الخسائر البشرية وقل الوقت المطلوب لتحقيقها.

من أجل هذا كان بيان هذا الجانب العقدي الذي تأسس عليه أفراد الجماعة منذ انطلاقها أمرًا له أهميته القصوى في هذه المرحلة الفارقة فهو أصل وليس فرعًا وثابت حافظت عليه طلائع الجماعة الأولى لأنه عنصر نجاح وصمام أمن، وليس متغيرًا يمكن هجره مع الوقت أو الرضى بغيره بديلاً وهكذا ينبغي أن نسير الآن فمن أسس بنيانه على أركان الإيمان الثابتة ومرتكزات العقيدة الصافية يُرجى له أن يصمد في الملمات ويحقق الغايات، وصدق ربنا القائل في كتابه العزيز: “أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به”. نسأل الله السداد والرشاد وسلامة الطريق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد