أعتقد أن الحديث في الوضع السياسي بات من الأمور غير المُجدية في مصر.. ليس فقط لأن السيسي قتل السياسة في الثالث من يوليو عام 2013 ولكن لأن الفئة المعارضة للسيسي هي الأخرى – وعلى رأسها الإخوان وداعموهم – لا يمارسون أي نوع من أنواع السياسة المعروفة التي تفتح الشهية للنقد والتحليل أو حتى تصنع الأمل في واقع سياسي أفضل في المستقبل القريب.

عن ماذا أتحدث في السياسة؟ عن ذلك الرجل الذي يحكم مصر ويسير بها نحو الهاوية؟ أم عن هؤلاء الذين لا يزالون يؤيدونه برغم ما بات واضحًا للجميع من أن المسألة لم تكن مجرد عزل الإخوان بقدر ما هي تدمير ثورة يناير وبناء إحدى جمهوريات الموز؟ أم عن الإخوان الذين يريدون إسقاطه بدون إغضاب أمريكا والاتحاد الأوروبي؟ هل أتحدث عن المعتصمين الذين تم خداعهم للذهاب إلى “رابعة” من أجل الوصول لتفاوض سياسي كما قال حمزة زوبع؟ أم ترى أتحدث عن هؤلاء الذين لم يجدوا ما يبررون به تصريحات زوبع الواضحة الصريحة سوى أنه ليس قياديًا مهمًا ولا يؤخذ على كلامه؟ أم تراني أتحدث عمن يصدعوننا بأنه لا عز سوى بالسلاح بينما يستمتعون بـ”العز” في الأراضي التركية؟ هل أتحدث عن القنوات الإعلامية الفاشلة؟ أم عن زوبع – القيادي غير المهم – الذي أفردوا له برنامجًا يوميًا لمدة ساعتين ليمارس فيهما كافة أنواع العكشنة السياسية والإعلامية؟ أم أتحدث عن مذيعي القنوات المعارضة الذين إن شاهدتهم لمدة نصف ساعة أصابك ثقل ظلهم وانعدام موهبتهم بالاكتئاب؟ عن ماذا أتحدث إذًا؟ حسنًا.. يمكن الحديث عن رهانات القوى المعارضة للسيسي وعلى رأسها الإخوان.

في المجال السياسي والثوري, كل تيار يراهن على شيء معين. فهناك من يراهن على الدعم المالي أو الحواضن الاجتماعية أو، أو… ولكن علامَ يراهن الإخوان؟ هل يراهنون على تغير الموقف الأمريكي الذي أتى بالسيسي – أصلًا – ليقرر أوباما اقتلاعه من الحكم وإعادة الإخوان للصدارة؟ أم يراهنون على تغير موقف الأستاذ “سعيد” الموظف المرتشي صاحب زبيبة الصلاة الضخمة الذي يفتح درجه للمواطنين كي يضعوا “أكواب الشاي” بداخله وهو مطمئن تمامًا إلى عدم إمكانية فصله إلا بإجراءات معقدة تنتهي ببراءته أو معاقبته بعد خروجه على المعاش؟ أم يراهنون على الأستاذ زكريا الذي عيّن أبناءه الثلاثة في الحكومة بموجب قانون “أبناء العاملين” ليترك كل هذه المميزات وينضم للدفاع عن الشرعية؟ إن الأستاذ سعيد والأستاذ زكريا وأمثالهم لن ينضموا لك أبدًا مهما فعلت لأنهم مجموعة من الفشلة معدومي الموهبة ويعلمون أنهم لن يجدوا أي فرصة سوى في نظام مثل النظام العسكري الحالي.. وفي المقابل يغض “النظام” الطرف عنهم لأنهم “العِدة” السياسية الخاصة به التي تنقذه في أي أزمة.. نحن هنا نتحدث عن أقل أنماط المستفيدين فما بالك بالحيتان الكبار؟ علام تراهن إذًا؟

يفترض الإخوان – بشكل تلقائي – أن أي شخص يرفض أسلوب إدارتهم للمشهد هو خارج عن السلمية أو يدعوهم لحمل السلاح.. لست ضد “السلمية” لكن: هل ما يمارسه الإخوان منذ 3 يوليو وحتى الآن “سلمية” أم “استسلام”؟ للسلمية أساليب معروفة لم يستخدم الإخوان أيًا منها حتى الآن كي لا يغضب منهم الغرب. هذا يعيدنا لأطروحة كانت مرفوضة في الماضي القريب  لكنها الآن أصبحت أكثر رواجًا لدى الكثيرين ألا وهي أن الإخوان مازالوا يعتبرون أنفسهم جزءًا من النظام العالمي الذي يضع قواعد صارمة على الأنظمة – والمعارضة – على السواء. وعليهم أن يلتزموا بها وإلا فالويل والثبور وعظائم الأمور.

هل الخطة أن يخرج يوميًا 20 شخصًا للتظاهر وسط مخاطر داهمة لإجبار السيسي على التنحي؟ أم الخطة أن يخرج على الفضائيات المقربة من الإخوان شخصيات كارتونية لترفع حاجبًا واحدًا وتقول في خطورة: “هذا الحراك الثوري العظيم سوف يكتب نهاية نظام السيسي بتضحياته ودمائه”.. الوضع القائم يكشف أن خطة الإخوان لإسقاط السيسي هي “اللا خطة”.. لا يبدو أن هناك أي تخطيط أو جدول زمني، أو تثوير للمجتمع، أو كسب أرض جديدة لدى المكونات التي ما تزال تؤمن بثورة يناير؟ الخطة هي أن تحدث معجزة إلهية تعيد الوضع ليوم 29 يونيو 2013.

هذا الكلام يعيدنا لمشكلة أخرى وهي أنك كلما انتقدت طريقة إدارة الإخوان للمشهد قال لك مؤيدوهم: لتُرِنا أنت ماذا ستفعل؟ إنه نفس نمط مؤيدي الأنظمة السلطوية الذين يطالبون كل ناقد أن يقوم هو بدور الدولة طالما أن أداءها لا يعجبه.. على ذلك إن انتقدت شيئًا يتعلق بقيام السيسي بإبرام صفقة سلاح مع فرنسا فيجب عليّ حينها أن أقوم بإبرام صفقة سلاح أخرى لصالح الدولة المصرية على نفقتي الخاصة طالما أن الأمر لا يعجبني.. منطق مجنون ولا يمكن القبول به في المجال السياسي. من يملك السلطة والأموال والأجهزة التي تنفذ توجهاته هو المنوط به القيام بكل شيء.. لكن يجب عليه القيام به بشكل “صحيح”.

بتطبيق تلك القاعدة على تنظيم كالإخوان يمكننا أن نتساءل: من يملك المال؟ من يملك السمع والطاعة؟ من يملك القنوات التليفزيونية “حتى ولو كانت فاشلة”؟ من يتصدر المشهد؟ من الذي كان رئيسُ الجمهورية – الذي يملك الشرعية – عضوًا في جماعته؟ من أجل هذا كله أنتقدك وينتقدك الآخرون.

عمومًا ما كتبته ليس دعوة للاستسلام أو ترك النقد أو المعارضة.. كما لا يمكنني أن أخبرك ما هو الطريق الصحيح. لكني يمكن أن أخبرك – بنية صادقة – أنك تسير في الطريق الخطأ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد