المعلومات القادمة من داخل جماعة الإخوان المسلمين تقول بأن الخلاف الحالي بين قياداتها ليس خلافا منهجيًّا حول رؤية العمل وإستراتيجية الحركة، بل حول بعض اﻷمور التنظيمية والخلافات اﻹدارية وطريقة عمل التنظيم، ولعل هذا محبطٌ بشدة لقطاعات كثيرة كانت تتوق ﻷن تكون اﻷزمة الحالية بابًا ﻹحداث عملية تجديد وإحياء كاملة للجماعة.

 

لكنَّ أملا يلوح في اﻷفق بالنظر في عملية التغيير التي تحصل اﻵن في مشاعر وقناعات وأفكار اﻹخوان، عملية شاملة لم تتحدد ملامح نهايتها بشكل كامل، بل لازالت تعمل وتتدافع داخل القلوب والعقول، والناظر في شئون الجماعة والباحث في تاريخ الجماعات يرى أن عملية التغيير قادمة بشكل حتمي، وإلا فإن بديلها نهاية الجماعة أو بقاؤها خارج أي دائرة للفعل والتأثير.

 

التجديد الذي تحتاجه الجماعة اﻵن نوعان: تجديد فكري وتجديد تنظيمي.

التجديد الفكري تجديد يجعلها تكمل وتتم ما بدأه البنا المؤسس لا أن تقف عنده وتكتفي به، فالبنا قد اجتهد لزمانه وفيما يصلح له، وزمان البنا قد ولى، فلتأخذ الجماعة من مؤسسها وتترك كما أصل هو في أصوله.

 

منذ أيام نشب اشتباك فكري حول السلمية واستخدام القوة عقب تصريح ﻷحد قيادات الجماعة، تبارى الطرفان في إثبات أن البنا يقول ما يقولون، فأهل السلمية يثبتون سلمية البنا والمخالفون يرون في الرجل داعيَ ثورة وقوة، ولم نجد أحدًا يقول: حتى لو قال البنا سلمية أو عنفًا فواقعنا ليس كواقعه لذا فاجتهادنا لا يجب أن يكون كاجتهاده، وسنختار ما يناسبنا ويوصلنا حتى وإن لم يصل له البنا ولم يدونه في رسائله.

 

التجديد المنشود تجديد يواكب الحالة الثورية الجهادية التي تحياها الجماعة اﻵن بإنتاج أطروحات فقهية وحركية ودعوية تناسبها، والتي تختلف كثيرًا عن تنظيرات وأفكار مرحلة الدعوة والانتشار والعمل مع المجتمع التي عاشتها الجماعة سنينَ وأتقنتها أجيال اﻹخوان المتلاحقة وفقهت احتياجاتها الفكرية والحركية.

 

فالتثقيف الثوري للجماعة وأفرادها، وفهم طبيعة الشعوب وحركتها، والبحث والدراسة في عوامل قيام الثورات وأسباب نجاحها وفشلها خطوة تأخرت كثيرًا، لكن مازالت هناك فرصة ما دام هناك شهيدٌ مبتسم، ومعتقلٌ صابرٌ ثابت وشباب مازالوا مؤمنين بالحلم والثورة.

 

تجديد يدخل الجماعة طور الدولة بعد ثمانين سنة في مرحلة “الدعوة”، فموازين القوة الشعبية في مصر حتى اﻵن تقول أنه في حالة سقوط النظام بثورة شعبية أو بغيرها ستكون الجماعة رقمًا كبيرًا في المعادلة، والفترة التي قضتها الجماعة في مجلس الشعب وقصر الرئاسة أظهرت ضعفًا كبيرًا لديها في رؤية الحكم والقدرة على ممارسته، فقد ظهر كوادر الجماعة كمجموعة هواة بلا خبرة ولا قوة تتقاذفهم اﻷحداث.

 

فبناء الجماعة وأفرادها بناءً سياسيًّا تدرك به أصول الحكم وخباياه وتعقيداته وتشابكاته خطوة لازمة لمنع تكرار تجربة مؤلمة لو تغيرت الظروف في أي لحظة وتبدلت.

 

تجديد يدفع الجماعة وأفرادها لتنويع مصادر المعرفة والتلقي المحصورة في “الكتاب اﻹسلامي” ليصاحبه معه في مدارسات اﻹخوان الداخلية كتبٌ في السياسة والعلوم اﻷمنية والعسكرية والإنسانية والاقتصادية، ليصبح هدف الجماعة هو تكوين الحد اﻷدنى من الثقافة ﻷفرادها في هذه المجالات بعد أن كان محصورًا في تكوين الحد اﻷدنى من الثقافة في العلوم الشرعية.

 

والتجديد اللازم الثاني هو التجديد التنظيمي، تجديد يعيد للتنظيم شبابه وحيويته، ويدفع عنه الترهل وثقل الحركة.

 

تجديد يدخل أفراد الجماعة دائرة متخذ القرار، ويعطي الصف حق الحصول على المعلومة، ويفعِّل آليات المحاسبة والتقويم والعزل، يدير أموره التنظيمية مغلبًا القوانين والقواعد واللوائح ومغلفها بالحب واﻷخوة، فلا تطغى إحداهما على اﻷخرى، بعد أن طغى العرف والتراضي على أسلوب الجماعة في حل مشاكلها وتسيير شئونها.

 

تجديد يجعل دورة حياة المسئول في مهمته قصيرة، فنتوقف عن سماع أن مسئولا بقي عشر سنين وعشرين سنة في مهمته!

 

تجديد يضبط الثقافة الانتخابية للأفراد، فتتجه العقول لاختيار القوي اﻷمين المؤهل للمهمة المناسب لها، ويمنع توجه القلوب لاختيار عاطفي يقدم اﻷخ الكبير تقديرًا لشيبته وتضحياته فقط، وإن لم يكن قادرًا على أداء أعباء المهمة وتكاليفها.

 

تجديد يعيد منظومة وآلية ضم الجماعة ﻷفراد جدد، يعيد تحديد المعايير وطريقة قياسها، بعد أن ظهر خلل كبيرٌ فيها، فأفراد كثر قدمتهم الجماعة ولم تجدهم في الميدان، وآخرون التفتت عنهم كانوا جبالا ورجالا يأخذون اﻷلباب بعقولهم وأعمالهم في ساحة الثورة.

 

إن حياة الجماعات كحياة اﻷفراد، تولد وتكبر وتشيب وتموت، وما لم تجدد الجماعة – أي جماعة – شبابها الفكري والحركي والتنظيمي تهرم وتشيخ وتموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد