في بداية عهد الإخوان المسلمين، كان قائد الجماعة ومحركها هو الشيخ حسن البنا رحمه الله. والشيخ البنا له شخصية محببة، فقد كان صديق الجميع، لم يدخل في عداوة مع أحد، وكان على علاقة طيبة بكافة من حوله، سواء من الإخوان العاديين أو حتى من السياسيين والزعماء المصريين، بل إن شخصيته المحببة للناس مكنته من الالتقاء ببعض حكام زمنه، هذه الشخصية العظيمة، شخصية المعلم/القائد، هي الشخصية الأساسية التي تقوم عليها الدعوات، وبعد وفاة الشيخ رحمه الله تولى القيادة تلاميذه ممن يتمتعون بالقبول نفسه بين الناس، وهذه الشخصيات هي ما يطلق عليه بعضهم “بناة الجسور”، الذين يقيمون الجسور والعلاقات القوية مع الجميع، حتى مع أعدائهم ومخالفيهم.

بعد أحداث 1965 وسجن عدد كبير من قيادات الإخوان، ونهاية النظام الخاص (فعليًا)، بدأت الأفكار المتطرفة تغزو الإخوان مرة أخرى، فظهر فكر شكري مصطفى (مؤسس جماعة التكفير والهجرة، وهي جماعة لا علاقة لها بجماعة التفكير في الهجرة التي انتمى لها كثير من المصريين بعد الثورة)، وظهرت غيره من الأفكار المتطرفة، لكن أخطر الأفكار ظهورًا كانت الأفكار التي لا تكفر المجتمع بصورة واضحة (على طريقة شكري مصطفى) بل تعمد لوضع فاصل فكري ونفسي مع عامة أفراد المجتمع.

وكان هذا الفكر نتيجة طبيعية للتعذيب الذي تعرض له الإخوان في السجون، وكان زعيم هذا الفكر هو سيد قطب رحمه الله، ويقول بعضهم إن أفكار سيد قطب كانت هي الأساس الذي بنى عليه كثير من قيادات التكفير والجهاديين أسسهم الفكرية والمنهجية، بل وصل الأمر لحدوث فتنة داخل السجون بين من أيدوا الفكر التكفيري ومن عارضوه، وكان نتيجة هذا ظهور كتاب دعاة لا قضاة، الذي وضع صورة واضحة لفكر الجماعة وأن التكفير بالعموم ليس جزءًا منها، فكر سيد قطب وغيره نتج عنه ما يسميه بعضهم “حافري الخنادق”، فهؤلاء لا يتواصلون مع المخالف لهم، ولا يرضون بفكره أو حتى يناقشونه فيه، بل يعتزلون من خالفهم ولا يقبلون إلا ذوي الفكر المقارب لفكرهم، دخول المدرسة السلفية مع سفر كثير من المصريين للسعودية (بعد حرب 1973 وارتفاع أسعار البترول) أوجد عاملاً آخر ساعد أصحاب نظرية حفر الخنادق، وقلل من مؤيدي نظرية بناة الجسور.

كانت قيادة الشيخ عمر التلمساني والشيخ محمد حامد أبو النصر قيادة دبلوماسية، فكلا الرجلين من بناة الجسور، وكان هناك توازن مقصود تدار به الأمور في عهد الشيخين رحمهما الله، فكان بعض أفراد الفريق من ذوي الحس الاجتماعي، وبعضهم الآخر من ذوي الحس الانعزالي. لكن فريق حفر الخنادق، نظرًا لطبيعته الشخصية التي تميل للعمل في هدوء، بدأ شيئًا فشيئًا يزيد من قوته داخل الجماعة، ظل هذا الأمر يجري في السر حتى ظهرت الشخصية الأخطر على الإطلاق، وهي شخصية خيرت الشاطر التي لم تكن معروفة حتى عام 1993 حين حدثت قضية سلسبيل وسقطت خطة التمكين في يد الأمن، حينها بدا للجميع أن التيار المؤيد للانفتاح على المجتمع يفقد أوراقه داخل اللعبة، وفي مطلع عام 1996، توفي الشيخ محمد حامد أبو النصر، وتولى القيادة بعده الأستاذ مصطفى مشهور، ملحوظة جانبية، في أي جهاز مخابرات، أو حزب، أو تنظيم سري أو حتى غير سري، سقوط وثيقة مثل وثيقة التمكين معناه نهاية المستقبل السياسي لمن انكشفت الخطة عن طريقه، ولا أدري كيف أمكن لمن تسبب في هذه المأساة أن يصبح نائب المرشد، لكن هذه قصة أخرى.

كان الأستاذ مصطفى مشهور من رجال النظام الخاص، وله باع طويل في العمل السري، وحمل الرجل فكرًا مقاربًا لحد كبير للأفكار الجهادية، ولطبيعة شخصيته وقيادته، فقد عمل على ترسيخ مبدأ الجندية، والسمع والطاعة، وهي الأمور التي بدأ الإخوان حتى من غير القيادات يشعرون بها وإن ببطء، وكان وصول الأستاذ مصطفى لهذا المنصب سببًا (أساسيًا أو مساعدًا، حسب الزاوية التي تنظر منها) لخروج مجموعة الوسط، وهي المجموعة التي تعرف نفسها بأنها تحمل فكرًا أقل تشددًا وأكثر ليبرالية داخل الإخوان، كان من هذه المجموعة عصام سلطان وأبو العلا ماضي ومحمد محسوب، وأعرف أيضًا بعض طلاب الجامعة وطلاب المدارس الثانوية من المفكرين ممن أحسوا بالتغييرات التي تحدث وتركوا على إثرها الجماعة.

وكانت هذه أكبر نكبة فكرية تصاب بها الجماعة، فكل من يحمل فكرًا مستقلاً أو مختلفـًا عن الفكر القطبي يترك الجماعة، وعلى مدار حوالي عشر سنوات، ومع المعايير الصارمة للارتقاء (المقاربة لفكر ومنهج النظام الخاص) بدأت القواعد الفكرية للجماعة تجف تدريجيًا، واختفى نجم المفكرين القادرين على الحوار (مثل عصام سلطان) وسطع نجم التنفيذيين من مؤيدي فكر السمع والطاعة (مثل صبحي صالح)، بمرور الوقت، أصبحت قيادة الجماعة تنفيذية فقط، فكل من في القيادة هم ممن وصلوا لمناصبهم عن طريق الكفاءة في السمع والطاعة، وذوو الأفكار إما خرجوا من الجماعة أو أجبروا على تغييب أفكارهم ونقاشاتهم في دهاليزها الفكرية الكبيرة.

تخيل جماعة لها ملايين الأعضاء حول العالم لا يوجد بها مفكرون، بل كل قياداتها، أو غالبيتهم العظمى، من التنفيذيين فقط، أصبح الأمر مثل شركة سيارات كبرى يتولى قيادتها مجموعة من السائقين، ما الذي سيحدث لها؟

هذا هو بالضبط ما حدث لجماعة الإخوان، أو ما يحدث لها الآن.

وكي لا يكون الكلام جزافـًا ومبهمًا، راجع تصرفات قيادة الجماعة منذ ثورة يناير 2011 وحتى الآن، فلا توجد أي خطط استراتيجية، أو اتفاقات ثابتة، أو تحالفات يمكن الاعتماد عليها، في يوم ما كان الشعار “مشاركة لا مغالبة” وبعد حركة نصب لعبتها المخابرات أصبحت اللعبة في (التكويش) على كل شيء، وكي ندرك خطورة غياب المفكرين، فلنتذكر جميعًا أن كثيرين أطلقوا تحذيرات محددة واضحة بشأن حدوث انقلاب، لعل أشهرهم – ولم يكن الوحيد- كان تحذير الشيخ حازم، وهو التحذير الذي ضرب به الإخوان عرض الحائط، رغم أن ملامح المرحلة إعلاميًا وعسكريًا كانت شديدة الوضوح، لكن غياب الفكر، وعدم وجود استراتيجية، والتعامل مع المعلومات الآنية بغير ربط، أوصل لقيادة الإخوان قناعة خاطئة أن الأطراف الأخرى – الجيش تحديدًا- لا تخطط للقضاء على  التجربة الديمقراطية، قد ينظر بعضهم لهذا الخطأ أنه خطأ كبير أو أنه السبب الحقيقي في ما آلت له الأمور، لكن في الواقع فإن عدم وجود تخطيط على أساس علمي واضح هو ما تسبب في كافة أزمات الجماعة، منذ أزمة الوسط وحتى أزمة الانقلاب.

الأزمة الحالية لجماعة الإخوان ترجع أساسًا لغياب الفكر، فالأفكار القديمة أصبحت هي ما يحرك الجماعة، والصراع الذي يبدو أنه صراع أجيال ليس في حقيقته صراع أجيال، بل هو صراع بين طرفين كلاهما تنقصه كثير من المعرفة والفكر، فكلاهما خرج من بوتقة واحدة، وكي يكون الكلام عمليًا، فما الفكر الذي يحرك شخصًا كخيرت الشاطر – فك الله أسره- مثلاً؟ فالرجل غير معروف بكتابات كثيرة يستقرأ منها فكره، ومتابعة حواراته الإعلامية في فترة الحرية التي تمتعت مصر بها تشي بوضوح أن الرجل ليس من رجال الفكر، بل هو أولاً وأخيرًا من رجال المال والأعمال، وهذا لا يعيبه بكل تأكيد.

على الجانب المقابل، فلو نظرنا لقيادات وحتى أفراد الطرف الآخر لما وجدنا الأمر مختلفـًا بصورة بينة، فالأفكار المطروحة من الطرف الآخر (خاصة كلام الأستاذ محمد منتصر) لا تعدو تجميعًا لجوانب فكرية مختلفة، يبدو الجانب الجهادي فيها أوضح من غيره، وهو رد فعل طبيعي على الظلم الذي يتعرض له كثيرون في مصر، لكنك رغم كل هذا الضجيج لا يمكنك سماع فكرة جديدة عن إدارة الجماعة، ولا مجال للحديث هنا عن إدارة الدولة التي فشل الإخوان (بطريفها المتصارعين) في إدارتها.

ما الحل؟ الحل الوحيد في رأيي المتواضع يتفق مع ما ذكره الشيخ القرضاوي، فلا بد أن يتنحى الطرفان عن الساحة ويتركا لأعضاء الجماعة الاختيار بين وجوه جديدة، هذا على المدى القصير، على المدى الطويل لا بد من عمل مراجعات فكرية ومنهجية قوية داخل فكر الإخوان، ففكر حسن البنا، الذي وضع عمليًا على الرف منذ عام 1996، لا بد من إخراجه مرة أخرى من الدرج، ومراجعته مراجعة كاملة شاملة، ثم إعادة طرحه بصورة تتفق مع الظروف الحالية.

هذا الأمر، رغم ثقله على نفس القيادات ذات التفكير المتحجر، كان هو العامل الأساسي في نجاح الربيع العربي في تونس، وكان هو العامل الأساسي في نجاح التجربة التركية، بل لو توسعنا قليلاً لأمكن القول إن صمود الشيوعية في قلعتيها الأخيرتين –كوبا والصين- لم ينجح إلا لأن هاتين الدولتين قامتا بمراجعة شاملة للنظرية الشيوعية، غيرا على أساسها كثيرًا من الأساليب الإدارية والاقتصادية، وهناك فقط نجحت الشيوعية رغم سقوطها في وكرها الأساسي في الاتحاد السوفيتي، فهل يمكن أن تنجح التجربة الإخوانية بعد مراجعة شاملة؟

إضافة مهمة أختم بها، ربما لا يتفق كثيرون مع فكرة أن الربيع العربي نجح في تونس، فقد تولت الثورة المضادة الحكم هناك أيضًا، لكن من المعروف عند علماء السياسة أنه لا توجد قوة ثورية تولت الحكم بعد ثورة واستمرت فيه، فالقول بانتصار تجربة تونس سببه أن الثورة المضادة – بقيادة السبسي- نجحت بأسلوب ديمقراطي، أي أنها باختصار ارتضت أسلوب الحكم الذي نادت به الثورة التونسية وهو الديمقراطية، وهو ما يعتبر في رأيي الانتصار الأهم للثورة التونسية، أما انتصار السبسي وهزيمة المرزوقي فلا تعدو كونها أسماء تتبدل وتتغير، مع بقاء القناعة بالفكرة الأساسية وهي الديمقراطية، من هنا انتصرت ثورة تونس، وتصلبت ثورة مصر ولم تصل لأي من نتائجها المرجوة والمستهدفة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد