(1)

تحدثت وما زلت أتحدث عن الإدارة وأهمية التطوير والمراجعة، وانتقدت بحرية تعدت كل الأطر التقليدية حالة الجمود والتقوقع والانكفاء على الذات، وطالبت مرارًا وتكرارًا اعتماد أسس الإدارة الحديثة في الدعوة والفكرة والحركة واعتماد إستراتيجيات مستقبلية في إطار استشراف مستقبل الجماعة، وتحديد سيناريوهات إنفاذ الفكرة وقيادة المجتمعات وتكوين الدولة وتأسيس أستاذية حقيقية، على أساسها تقوم تربية الأجيال تربية مؤسسية موجهة وتطوير الكفاءات بصورة تسمح بالوصول إلى نتائج حقيقية من النجاح والإنجاز، وتحقيق أهداف الإسلام في مجمله، والدعوة في خصوصيتها، والتنظيم في ذاته، والكف عن الدوران في فلك الفراغ.

حاولت مرارًا وتكرارًا أن أكون منصفًا، وقد قادتني تجربتي في الداخل وأثناء المحنة وفي الخارج إلى الاحتكاك بأشخاص كانوا وما زالوا جزءًا أصيلًا من الأزمة وأيضًا من الحل، واطلعت على تفاصيل وحقائق لم تكن متاحة من قبل، وعايشت أحداثًا كنت لصيق الصلة فيها بمن يملك مفاتيحها، وخالطت أناسًا كانت الدعوة همهم والأزمة هي المنغص لحياتهم، وشاركت وأُشركت في نقاشات حول الأزمة بشكل غير مسبوق, وخلصت كما خلُص غيري إلى نتائج وأفكار ورؤى ومشروعات للخروج من أزمتنا الكبرى؛ أزمة الوطن والأمة، فضلًا عن أزمتنا الصغرى؛ أزمة الجماعة والتنظيم.

(2)

خلص فيها الرأي إلى موافقة كلا الطرفين في أشياء ورفض أشياء، فوافقت طرفًا في دعواته المستمرة إلى تطوير الإدارة وترميم المؤسسية وتجديد اللوائح بما يتناسب مع الواقع الجديد، والخروج من ربقة الماضي بحلوه ومره، وإعادة ضخ الدماء والأفكار وتشكيل مستقبل يواكب التقدم ويسعى لترسيخ الشورى المؤسسية المبصرة، ويعمل على إحياء جديد ثالث لجماعة كانت وما زالت وستزال قاطرة الإصلاح في عالمنا العربي والإسلامي.

ورفضت وما زلت أرفض في هذا الطرف كل الأفكار والأطروحات والممارسات حول عسكرة المواجهة مع النظام، وتحويل الثورة السلمية إلى نكسة تضيع الماضي والحاضر والمستقبل.

ووافقت الطرف الآخر وأثني وأثمن تدخله التاريخي لوقف حالة الاستدراج التي كانت تسارع فيها الجماعة نحو السقوط بين براثن العنف والعسكرة، أو على الأقل حالة الاصطفاف في ناحية رد الفعل تجاه ممارسات النظام غير الإنسانية وغير الأخلاقية في ظل قيادة الطرف الآخر.

ورفضت في هذا الطرف وما زلت أرفض حالة الجمود والغموض، وتكريس الماضي والإفلاس الإداري وغياب بوصلة المستقبل والإصرار على استمرار التيه والتخبط بنفس الأفكار والرؤى والأطروحات، والدوران في فلك المحنة والتنظير والتماهي معها والتباطؤ في التعامل مع محاولات الوساطة أو مبادرات حل الأزمة، وأمورًا كثيرة ينسجها نفس هذا المنوال.

(3)

وبالتالي نحن بحاجة ملحة إلى حركة ودعوة وفكرة لكلا الطرفين كي يستقيم الطريق وتتكامل الأفكار، ويصبح المستقبل قيثارة من التناغم بين الثورة والحكمة، بين الحماسة والتروي، بين الأصالة والتجديد، وما زالت الدعوات إلى اللحمة وإصلاح ذات البين هي الأساس ولن ينصلح الحال وتنضبط المسيرة إلا بكلا الطرفين.

فالأزمة في حقيقتها ليست معركة بين الشباب والشيوخ، ولا بين القديم والحديث، ولا هي أزمة بين المنهج السلمي التصالحي والمنهج الثوري العسكري، ولا مشكلة بين الولاءات والكفاءات، ولا صدام بين القيادات والقواعد.

ولكنها أزمة في منهجية الإدارة والرؤية المستقبلية وإستراتيجية المواجهة والصمود، وخطط استشراف المستقبل لإنفاذ الفكرة وتطبيق الدعوة وبناء المشروع الحضاري, وأيضًا مرونة في منهج ولائحة وتربية بما يتواءم مع مستجدات تنظيمية وفكرية, محلية وعالمية, مجتمعية وسياسية, لتعيد إنتاج جماعة تمثل رأس المشروع الحضاري الإسلامي السني المعاصر, فتعيدها إلى خطها التاريخي في البناء والقيادة بعيدًا عن الاستنزاف والترهل والاستقطاب.

(4)

ولكن…

حينما ينفرد طرف بخارطة طريق أحادية يتجاهل فيها الآخر, ويشرع في انتخابات وبناء هيكل إداري جديد, مما يعد تكريسًا للانقسام والتشرذم والضعف.

وجب على الجميع أن يهبوا من سباتهم العميق ويؤذنوا في آذان الجميع بأن الجماعة في خطر حقيقي, خطر الانقسام والتمزق, ومن يعلم عمق الجرح يدرك بأن الأمر هذه المرة ليس كسابقه, وأن الانقسام هذه المرة ليس كـ«جماعة محمد» وكل من كان على شاكلتها, ولكنه انقسام حقيقي لجماعتين!

هذا الانقسام الذي يواكب ما يحدث في الأردن من انقسام الإخوان المسلمين وتمزقهم إلى جماعتين, وما يطرأ حاليًا من متغيرات جذرية على الخط الأيديولوجي لحزب النهضة «إخوان تونس», والانقسام الكبير في حركة مجتمع السلم «إخوان الجزائر» إلى خمس أو ست جماعات!

(5)

أخيرًا…

أطلب من كلا الطرفين الحكمة والتروي والتعقل وعدم التمادي في الإجراءات الأحادية التي تعمق حالة الانقسام في ظل أوضاع مأساوية تعصف بالحرية والديمقراطية وتجمد الحاضر وتضيع المستقبل.

من القيادة التاريخية…

أتمنى منها أن ترعى هذه المتطلبات وأن تتبنى خارطة الطريق وتجعلها وليدًا شرعيًا ينمو في رحمها، كي نتجاوز المحنة ونفوت فرص الانقسام والتشرذم.

من الطرف الآخر…

أتمنى أن نعي دروس التاريخ ولا نصادم نواميس الكون، ونسعى نحو التغيير التدريجي والتطور الطبيعي بما يحقق التوازن لمشروع إسلامي حقيقي.

ولنتذكر جيدًا أن كلا الطرفين يمثل رمانة الميزان التي تحافظ على الوسطية والاعتدال وتجعل السير الحثيث إلى الله متوازنًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد