لم يكن ليخفى أي ذي فكرة طفيفة بالسياسة أن الإخوان – أو بالأحرى تيار الإسلام السياسي– سيكتسح الانتخابات البرلمانية والرئاسية بعد ثورة 25 يناير مباشرة.

تلك هي طبيعة المجتمعات الفاشية؛ أن يضع كل فاشٍ جماهير الشعب في خوف من فصيل آخر، مع ترك هذا الفصيل يمارس الحياة السياسية لكن بشروط، وعقد صفقات معه لتسير الأمور في توازن، ويكون الرد المنطقي على أي رفض للدولة الفاشية “أنا؟ أم ذاك الفصيل؟!”، وغالبًا ما يكون هذا الفصيل مّضطهدًا بطريقة أو بأُخرى من قبل الدولة، وله حدود لا يتثنى له تجاوزها، فإن تجاوزها انصب عليه غضب الدولة.
كلمة الفاشية، مُستمدة من الكلمة اللاتينية (Faseism)، ومعناها العصبة أو الاتحاد، نشأت في تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما كون موسوليني مجموعة من الاشتراكيين الثوريين، استغل موسوليني الأوضاع السيئة التي مرت بها إيطاليا عقب الحرب العالمية الثانية وأسس الحزب الفاشي.

وفي عام 1920 بلغت الأزمة الاقتصادية ذروتها، وقام العمال بالاستيلاء على مجموعة من المصانع، مما شل حركة الاقتصاد، طالب موسوليني بتأليف حكومة قوية إِلَّا أن طلبه قوبل بالرفض، فألف جيشًا وعمل على ما يسمى “بالمسيرة إلى روما”، حيث جمع كل الفاشيين في كل مكان وهدد بالاستيلاء على الحكم، فقدمت الحكومة استقالتها، وطلب موسوليني من الملك رئاسة الحكومة فقبل طلبه، من هُنا نشأ مفهوم الفاشية.

جماعة الإخوان  تتمثل  فيها كل معانى الفاشية بالمعنى الحقيقي للكلمة، وتتمثل فيها كل خواص الفاشية من حيث إن القائد العظيم الـمُلهم لا يُخطئ، وأن الطبقة الممتازة هي القادرة على تحمل المسؤولية التي تعمل لصالح الشعب “أهلي وعشيرتي”، وتضحية الفرد في سبيل المجموع “مفيش مانع نضحي بجزء من الناس علشان الباقي يعيش”، وأن الحكومة فوق الجميع، وأن وظيفة الفرد هي خدمة المجتمع. تحاول الفاشية السيطرة على كل المناصب الهامة في الدولة، وتسيطر على الجيش والقضاء والنقابات كوسيلة لكتم الشعب نهائيًّا.

إذا تغولنا داخل الجماعة كتنظيم، نجدها جماعة تتخذ من الإسلام وسيلة للوصول إلى الحكم، فلا ثوابت عندها سوى مصلحتها فقط، وسط إيمان قويّ من أعضائها بأن أعضاء الجماعة أعلى قدرًا – دينيًّا– ممن سواهم، وأن مصلحة الجماعة هي مصلحة الإسلام والمسلمين.

نجد ذلك يظهر جليًّا في موقفهم من إسماعيل باشا صدقي عام 1946، فقد كان إسماعيل باشا وزيرًا للداخلية وقتل الطلاب بالرصاص عام 1930، ثم تقرر أن يكون إسماعيل باشا رئيسًا للوزراء، فخرج عموم المصريين رافضين رئاسته، فخرج القيادي الطلابي الإخواني “مصطفى مؤمن” في مؤتمر تأييد لصدقي في جامعة القاهرة قائلاً:

“لماذا ترفضون إسماعيل باشا صدقي؟! ألم يقُل الله في قرآنه (واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد)”(1)، وانشق الصف المصري، وعُين إسماعيل باشا رئيسًا للوزراء. وفي عام 1937 عندما طالب النحاس باشا بالحد من نفوذ الملك غير الدستوري على مؤسسات الدولة، خرج عموم المصريين يهتفون “الشعب مع النحاس” فخرجت مظاهرات الإخوان تهتف “الله مع الملك”، وكتب حسن البنا وقتها مقالاً بعنوان “الفاروق يُحيي سنة الخلفاء الراشدين” (2) حيث شبه الملك بالفاروق عمر بن الخطاب.

في سياق مُنفصل؛ تحالف عبد الناصر مع الإخوان في عام 1954 واعدًا إياهم بمناصب وزارية، تحالُف جعلهم يهللون ويتغنون بـجهاز إعادة الشباب وبشدة، مُتجاهلين نص حديث رسول الله القاطع بأن لكل شيء علاج إِلَّا الشيب. أظّن أن هذا يكفي جدًّا لتقتنع أن الإخوان لا علاقة لهم بالإسلام من قريب أو من بعيد.

 

أما على مستوى الخيانة الوطنية، فهم يبحثون عن صالحهم وفقط، دونما أي اعتبار لأي مصلحة وطنية، فهم مؤمنون تمامًا أن مصلحة الجماعة هي مصلحة الإسلام هي مصلحة الوطن، ففي ما ذُكر سابقًا بعض الدلائل، وأظن أننا قد رأينا منذ 25 يناير 2011 عديدًا من المواقف التي تثبت ذلك؛ بداية من رفضهم النزول في 25 يناير ببيان رسمي أعلن عدم مشاركة الجماعة وترك لأعضائه حرية المشاركة، ومن ثم حتى لو تواجد كل أعضاء التنظيم في الميدان فهذا لا يدلل على مشاركة الجماعة، فقد شاركوا بصفتهم الفردية لا بصفتهم التنظيمية.

ثم مرورًا بموافقتهم المشاركة يوم 28 يناير باشتراط عدم الهتاف ضد مبارك مُطلقًا، واقتصار الهتاف ضد الداخلية فقط، ثم أثناء الانتخابات لما قال مُرشدهم إن مظاهرات محمد محمود وسيلة لتشويه العُرس الديمقراطي، ثم في أحداث مجلس الوزراء وقت كانوا في البرلمان وقالوا إن وزير الداخلية أخبرهم أن قواته لم تستخدم الخرطوش، ووصفهم للثوار في الميدان بأنهم غوغائيون بلطجية يُريدون الانقضاض على الدولة.

كفاني ذكرًا في فضائحكم، ودعوني أعود بكم إِلى الحاضر، منذ 19 مارس 2011 وأنتم العقبة الكُبرى في طريق ثورتنا المجيدة، نظرتم إِلى مصلحتكم الشخصية، ودهستم أحلامنا وآمالنا وطموحاتنا في عيشٍ وحريةٍ وعدالةٍ وكرامةٍ، واتفقتم مع العسكر علينا، غير مُتعلمين من ماضيكم الأليم، ومن كمية الأيادي التي صفعت قفاكم مستغلة هرولتكم خلف كرسي الحكم كالكلاب، حاولتم القفز علينا وعلى ثورتنا مُدّعين أنها لكم، وأنكم أحق الناس بها، ووقت الصدام صوتنا لرئيسكم، رئيسكم الذي أحمله مسئولية كل من قُتل منكم، وأُحمل جماعتكم كل ما وصلنا إِليه من تدهور.

قد كنت في غاية العجب وأنا أرى مرسي وهو واقفٌ قبيل إعلان نتيجة الانتخابات وبجانية علاء الأسواني وحمدي قنديل ورموز الشخصيات الوطنية، وأمامه شباب الثورة، ثم يترك كل هذا ويقول أهلي وعشيرتي، ويترك كل هذا ويسعى فقط للحصول على امتيازات له ولجماعته الفاشية ليُسيطر على الدولة ويُعيد إنتاج نظام مبارك ليخدم الجماعة، إن مُشكلتكم ليست في أن مُبارك وحاشيته يسرقون ويبطشون، إن مشكلتكم الحقيقية في أنه ليس أنتم من تفعلون ذلك!

لقد حاول العسكر مرارًا وتكرارًا أن يوقعوا بين الشعب وبعضه وفشلوا، حاولوا فعل الخلطة السحرية الـمُتمثلة في أن يُخونوا جزءًا من الشعب ليستطيعوا تحت ذلك أن يستولوا على السلطة وأن يقمعوا الثورة، لكنهم فشلوا، حتى جئتم أنتم إِلى الحكم وظننتم أن لا مثيل لكم في الكون، وغرتكم قوتكم، وهرعتم خلف مصالحكم، فهجم الشعب عليكم فكرهكم، وجعلتم الفرصة سانحة أمام العسكر لينقضوا، ثم انقلبوا عليكم وخونوكم، وما زلنا تحت قمعهم بسببكم.

منذ أيام سمعت أحدهم على شاشة التليفزيون يتحدث عن خطة مُحكمة لتظاهرات 25 يناير القادم ينتج عنها الاستيلاء على الأماكن القيادية في الدولة بالقوة، والاستيلاء على ماسبيرو وإعادة رئيسكم إِلى الحكم، أيا أيُها الإخوان ألَّا تريدون أن ترحمونا؟!

 

كنتم عقبة وقت المظاهرات، وعقبة وأنتم في الحكم، ومُصممون أن تكونوا عقبة حتى بعد خلعكم؟! ألم تفهموا بعد ما جرى؟! ألم تفهموا أنكم مكروهون؟!

أيها الإخوان، إذا كنتم تريدون الثورة كما تزعمون – وأنا على يقين أنكم لا تريدون سوى الحكم الذي انتُزع منكم– إن كنتم تريدون الثورة فاجلسوا في بيوتكم، نحن – كثوار– لا نستطيع التصرف الآن طالما أنتم تدعون وتهللون وتُطلقون التصريحات، إنكم تُفسدون أي تحرك، فأي تحرك تتزعمونه محكوم عليه بالفشل قبل أن يحدث.

 

لقد اقتنع عموم الشعب بما قيل له، نحن في خطر الإرهاب الأسود، ولا بد من القضاء عليه، وأي شخص في الشارع يُعارض يُقتل بتأييد وطلب شعبيّ، ألم تتعلوا بعد؟! اهدأوا في بيوتكم، اجعلوا الآخرين يُفكرون بعيدًا عن ضغط الخوف من الإرهاب، اصمتوا حتى لا تكونوا شمّاعة يُعلق عليكم الجميع أسباب الفشل، واعلموا جيدًا أنكم لن تعودوا ثانية للحكم، وأنه عندما يثور الشعب ثورته القادمة، سيأخذ حقه منكم.

 

حقيقةً؛ فإنني لا أدري أيُهم أكثر بؤسًا؛ أهذا الذي يؤمن أن الإخوان سيكسرون الانقلاب ويُعيدون مُرسي للحكم، أم هذا الذي يؤمن أن الثوار سينتفضون ضد العسكر حتى إذا ما أزاحوهم حملوا مرسي على الأعناق وأجلسوه على كرسي الحكم؟

ألَّا أيها الإخوان، اتلمُّوا يرحمكم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

(1) "سنوات الغضب" صبري أبو المجد، و"صفحات من تاريخ الإخوان" لـ رفعت السعيد.
(2) مجلة النذير العدد 24 في مايو 1938
عرض التعليقات
تحميل المزيد