بينما كان يتهمها منافسوها من الجماعات الإسلامية بأنها جماعة سياسية أكثر منها جماعة إسلامية، عمليًّا لم يكن للسياسة ذلك الحضور عند جماعة الإخوان.

فعلى مستوى المناهج، اقتصرت على الثقافة الشرعية، وخلت من أي دراسة لعلم السياسة وتطبيقاته، وعلى مستوى الممارسة اليومية، كان الإخوان مشغولين بالدعوة والتربية.

لم يكن الإخوان يشتغلون بالسياسة إلا «موسميًّا»، من خلال نافذتين اثنتين:

النافذة الأولى: قضايا المسلمين في العالم الإسلامي، وعلى رأسها قضية فلسطين وما يدرس وينشر حول ذلك من كتب، وما يقام من مؤتمرات، وما ينشر ويعلق من صور ومنشورات.

النافذة الثانية: المشاركة في الانتخابات؛ الطلابية والنقابية والنيابية، كانت العملية الانتخابية فقط هي المظهر السياسي الواضح، ثم الانشغال بعد ذلك بتقديم الخدمات، مع بعض الأنشطة السياسية الأخرى، كالمظاهرات بالنسبة للطلاب، والمؤتمرات السياسية في النقابات، وإحراج الحكومة في مجلس الشعب.

وبالنسبة للانتخابات العامة -مجلس الشعب في الغالب، ونادرًا الشورى، والمحليات- لم تكن الانتخابات مقصودة لذاتها لانسداد الأفق السياسي، وللتزوير، ومن ثم كانت فرصة لرفع الشعارات الإسلامية، وإظهار فساد الحكومة، والترويج لاسم جماعة الإخوان، كقوة فاعلة في المجتمع المصري، ومن ثم لم يتم التركيز على التأهيل السياسي للمرشح، لأن الفوز غير مضمون، يكفي أن يكون المرشح معروفًا بالسيرة الحسنة، مع الدعاية الممتازة نتيجة خبرة الممارسة العملية، وضعف المنافسين، ليفوز مرشح الإخوان، أو يخسر بالتزوير. حتى ردد الإخوان مقولة الوفديين: لو رشح (الوفد) حجرًا لانتخبه الناس.

وبعد النجاح تعد دورات مكثفة للفائزين، لكن هناك فرق بين أن تنتقي المرشح من قاعدة واسعة مثقفة سياسيًّا، وبين أن تعطي دورات مكثفة للفائزين كأمر واقع، بغض النظر عن إمكانياتهم وقدراتهم.

وعودة إلى المقررات الثقافية، كان هناك تفسير آيات الجهاد، ودراسة السيرة النبوية، وتاريخ الدولة العباسية والعثمانية، وقراءة كتب صراع الإخوان مع جمال عبد الناصر.

لكن اعتبار هذه الدراسات سياسية، فيه نوع من التجوز والمجازفة، لأنها دراسة لبعض النصوص السياسية في الإسلام، ولسياسة دولة الرسول صلى الله عليه وسلم. وحين تقرَّرَ دراسة الدولة العباسية والعثمانية، كنموذجين لإقامة الدول، واحدة في التاريخ البعيد وأخرى في التاريخ الحديث، عاب الكتاب المقرَّر تركيزه على سرد الوقائع، وليس على عوامل قيام الدول وبقائها وانهيارها.

أما كتب تاريخ صراع الإخوان وعبد الناصر، فهي أقرب للذكريات الشخصية ووجهات النظر الفردية، يخرج منها القارئ بتعاطف كبير مع الإخوان جراء المظالم الكبرى التي نزلت بهم، لكن دون دروس مستفادة لقابل الأيام.

السؤال: هل تغير الإعداد السياسي للإخوان، على الأقل في جانبه التثقيفي عن ذي قبل، لا سيما بعد ثورة عارمة، ثم الوصول للحكم، ثم الانقلاب وأهوال ما بعد الانقلاب؟

الإجابة: للأسف –فيما أعلم– لا، يبقى الوضع على ما هو عليه. ولا يعدو التغيير في الجانب الثقافي سوى قراءة بعض مقالات وأخبار ودراسات أولية من هنا وهناك، دون بعد علمي أو منهجي، مع اجتهادات فردية يقوم بها بعض الأشخاص.

نعم السياسة هي معركة الوقت، والقضية الأولى والأخيرة، والهدف الأكبر للمرحلة إسقاط الانقلاب وإخراج المعتقلين والعودة بالبلاد إلى مسار الحرية، لكن ذلك لم ينعكس بأي صورة جادة على التثقيف السياسي، فضلًا عن التأهيل السياسي، والكل غارق في طوفان الأخبار، ومحاولة تحليلها بالمجهود الذاتي والرؤية الشخصية.

قد تجد ألفًا بل آلافًا وعشرات الآلاف من الأطباء المهندسين والمحاسبين والمشايخ، ولا تجد مفكرًا رصينًا ومنظرًا سياسيًّا واحدًا يضع للجماعة رؤيتها، ويرسم لها سياستها.

وإذا كانت منطلقات جماعة الإخوان المسلمين إسلامية في المقام الأول، فمن العيب على من درس اهتمام الرسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، بالحرب العالمية بين الفرس والروم، ونزول سورة الروم تتلى إلى قيام الساعة، من العيب أن تترك أكبر جماعة في المعارضة المصرية تخوض معاركها السياسة المحلية والإقليمية والدولية، وتكتوي بنارها، دون أن تعد أفرادها بثقافة سياسية أولية، فضلًا عن إعداد كوادر، وتأسيس مراكز أبحاث ودراسات واستشراف للمستقبل، يعتمد عليها اتخاذ القرار السياسي!!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإخوان
عرض التعليقات
تحميل المزيد