وأنت سائر على الطريق مثلًا

فعندما تكون سائرًا على الطريق إلى مكان ما، فإنك ترى في الطريق مثلًا بناية تناطح السحاب، تبهر عين الناظر إليها، وتسعد القلب بجمال التصميم، ورونق المكان وعلو الارتفاع، ورحابة مساحتها، فترجو أن تكون أنت أحد ساكنيها، فما رأيته هو المشهد النهائي في حلقات متسلسلة من العمل الدَءوب الشاق والفكر الفني الهندسي المتميز هذا هو ما حَصَّلَ نتيجة انبهارك وإعجابك الشديد.

فهذا المثال سلفًا هو مدخل للموضوع حيث ينتشر في الآونة الأخيرة في مصر وربما أقاليم عربية وغيرها، عدة ظواهر متنوعة تؤثر في المجتمع سلبًا أو إيجابًا، ويتأثر بها الكثيرون. تتركب كل ظاهرة من عدة عوامل أساسية ساعدت في وجودها وانتشارها، وكذلك محيط مكانى وزمانى، وجذور تاريخية إستنبتت منها. وقد تتشابك أو تتشابه ظاهرة مع أخرى في بعض الأمور، وربما تنبثق ظاهرة من أخرى. وسوف نفرد مقالًا أو أكثر للحديث عن كل ظاهرة حسب الاحتياج إلى البيان أو الأهمية.

أولًا: ظاهرة الإلحاد والجهر بالكفر

وعلى امتداد النظر إلى بدايات بزوغ هذه الظاهرة نجد أول بذورها كانت في الغرب المسيحي، إبان حكم الكنيسة عصرالثيوقراطية. تخلل هذه الفترة من الزمان الكثير من الأحداث التاريخية التي كان منها الحروب الصلبيبة على الشرق المسلم في معظمه. سيطرت الكنيسة على كافة مناحي الحياة: العلمية –  السياسية – الاجتماعية… وغيرها. عادت الكنيسة فى أوروبا كل شيء من هذه المجالات إلا ما يصدر عنها ويقرره مجلسها العلمي الثيوقراطي، وما حدث للعالم إسحاق نيوتن ولغيره ليس ببعيد. أقيمت محاكم التفتيش داخل الأديرة والكنائس، لمعاقبة من يخرج عن تعاليم الثيوقراطية. مما أدى إلى الظلم والاضطهاد والفقر وكثرة الجهل… وغيره، لعامة الشعوب الأوروبية.

شمل ذلك أيضًا المسلمين الذين يحيون فى هذه البلاد، بل امتد ذلك إلى بلاد الإسلام حقدًا وكراهية، تمثل ذلك في شن الحملات الصليبية على الشرق لنهب الثروات وهدم حضارته العظيمة والسيطرة على هذه الأمة. مخافة امتداد الإسلام إلى بلادهم، كما حدث أيام قوة الدولة الإسلامية، حيث انتشر في هذه الحقبة الزمنية مقولة: «دمروا الإسلام أبيدوا أهله». وربما بقيت بعض آثارها حتى الآن.

أدى ذلك كله عبر سنوات ممتدة لمئات السنين إلى استنبات بذور الكراهية  والكفر والإلحاد في نفوس المسيحيين أنفسهم ضد تعاليم الثيوقراطية، والدين المسيحي نفسه. تمثل ذلك في مقولة: «اشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس». والتي ترددت بقوة إبان انتفاضات أو ثورات التحرر من قيود تعاليم الدولة الدينية في أوروبا، ونجاح بعضها وإخفاق البعض الآخر، إلى أن غمرت موجة الثورات أوروبا كلها.

نتج عن ذلك عدة أمور نذكر بعضها:

1- التحرر من قيود تعاليم الثيوقراطية.

2- التحرر من كل القيود القيمية الأخلاقية والدينية… وغيرها.

3- ظهور الإلحاد والجهر بالكفر، كرد فعل لما عاناه المسيحيون طيلة هذه الفترة.

4- تفكك بنية المجتمع من الأسرة إلى الفرد «الانحلال الخلقي والسلوكي».

5- انتشار أفكار عقلية في تفسير بعض الظواهر، علمية واجتماعية وسياسية واقتصادية… محاولة لفهم وإيجاد حلول لها، وكبديل للمعتقدات الدينية الثيوقراطية.

تحولت فيما بعد هذه الأفكار إلى مذاهب فكرية فلسفية، انبثقت منها المذاهب السياسية، والاجتماعية، الاقتصادية… وغيرها.

6- إفساح المجال للطلبة والعلماء لدراسة التراث العلمي للأمم الناهضة، لاستخلاص العبر والدروس، لكى تبنى دولة قوية لحضارة متقدمة وحديثة.

7- البدء في وضع قواعد وأسس علمية لم تكن موجودة من قبل أو تحديثها حيث التأصيل لمنهج البحث العلمي، ليستضيء بها الدارسون، وتكون أساسًا لبناء علوم تشهد لهذه الحقبة برفعة البنان وعلو الهمة.

8- إتاحة الفرص للبحث العلمي في كافة المجالات دون قيود.

وللحديث بقية نستكمل فيه انعكاسات ذلك وارتباطه بنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد