منذ أن وقع بالأحرف الأولى على الوثيقة السياسية ثم الوثيقة الدستورية، جرت هناك عدة تغيرات في المشهد السياسي السوداني، فمنذ اللحظة الأولى أعلنت كتلة الجبهة الثورية رفضها الوثيقة الدستورية التي وقعت بالأحرف الأولى بين المجلس العسكري، وإعلان قوى الحرية والتغيير، معللين ذلك بالاستهتار بوثيقة السلام التي جرى التوصل إليها بين مكونات قوى الحرية والتغيير، والجبهة الثورية في أديس أبابا، والتي شارك في جزء من جلساتها ممثلو الوساطة الأفريقية والآسيوية.

عللت الجبهة بعدم تضمين كل ما اتفق عليه ووصلوا إليه في أديس أبابا، مما يجعل قيام الدولة المدنية معيقًا ولا يحقق السلام والاستقرار في السودان، مما دفعهم لرفض تلك الوثيقة الدستورية، التي عدوها عبارة عن استبداد جديد، لا يحقق حلم الآلاف من الشعب الذي عانى من ويلات الحروب والنزوح والاقتتال، هذا المؤشر الخطير جعل قوى الحرية والتغيير تعيد النظر مرة أخرى في الوثيقة، التي تعدها مرجعية لكل اتفاق قادم، وهذا ما رفضته الجبهة الثورية، هذا المشهد جعل وزارة الخارجية المصرية تقدم دعوة رسمية للأطراف ما بين قوى الحرية والتغيير، إلى جولة مفاوضات في القاهرة لحل الخلاف العالق بينهم؛ مما يؤدي إلى تحقيق حلم الدولة المدنية.

بعد اجتماعات متواصلة من قبل مكونات قوى الحرية والتغيير، قبلت الدعوة مع تحفظات بعض أجسامها على جولة المفاوضات، قبلت ولكن اشترطت للوفد المفاوض زمنًا محددًا، وهو 72 ساعة فقط للمفاوضات.

حسب الاتفاق بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وحسب المصفوفة المعدة حتى تشكيل الحكومة، أن يوم 17 أغسطس (آب) الجاري، سوف يجري التوقيع النهائي بين الطرفين، في احتفال سوف يشرفه قادة بعض الدول الأفريقية والاتحاد الأفريقي، وبعض دول الجوار، بعدها مباشرة سوف تشكل الحكومة حسب الاتفاق بين الطرفين.

هل سوف تتجدد الأحداث السياسية، وتعمل على تغيير بعض بنود الاتفاق بين الطرفين؛ لإرضاء الجبهه الثورية، التي رفضت الاتفاق السياسي والدستوري، أم سيظل الوضع محتقنًا؟

هذا سؤال مهم يحتاج إلى إجابة شافية، ولكن ستظل قضية السلام هي الأولى في تحديات الحكومة المقبلة، بدون السلام لا يستقر الوضع، ولا يستقر السودان، وذلك سوف يزيد من الاحتقان السياسي من جديد. هنالك مئات أو الآلاف من الشعب يعاني من حالة اقتصادية متدهورة جدًّا؛ بسبب الحالة السياسية في البلد، وكذلك بسبب ارتفاع الأسعار المستمر الذي أرق الجميع، كذلك إعادة بناء كل المناطق التي دمرتها الحرب.

هل سوف نحلم بوطن حر ديمقراطي؟

يحق لنا أن نحقق ذلك الحلم الذي كافحنا وناضلنا من أجل تحقيقه، وطن حر ديمقراطي عادل، وطن خالٍ من المحسوبية والعنصرية والفساد، وطن يحترم الإنسان وكرامته، يجب ألا نتوقف عن هذا الطريق الذي اخترناه، أن نبني الوطن.

هنالك مئات الشهداء الذين ماتوا من أجل أن نعيش نحن أحرارًا في وطن ينعم بالسلام والطمأنينة والعدالة، هنالك ما زال الفاسدون أحرارًا يتجولون دون مساءلة ودون توجيه تهم لهم، هنالك يوميًّا «القتل مستمر في ربوع الوطن، الدم قصادو الدم ما بنقبل الدية، تلك المقولة يجب أن تكون واقعًا» من أجل الحقوق، من أجل شهداء الثورة والوطن.

يجب أن نحلم، ويجب أن نحقق حلمنا في بناء الوطن الذي انتظرناه 30 عامًا، وطن منهوب من قبل النظام البائد الذي سلب إرادة الشعب وحقوقه، أدخل الوطن في دوامة حروب أهلية وقبلية، وحروب دينية وطائفية، قسم السودان إلى شمال وجنوب. سنظل نكافح إلى أن تتحقق الدولة المدنية الوطنية الحرة، التي يتساوى فيها الجميع تحت القانون، لا أحد كبير على القانون.

هذا الوطن لنا وسوف يبقى كذلك، وطنًا حرًا، ديمقراطيًّا بإرادة هذا الشعب السوداني العظيم، الذي اقتلع النظام بسلمية وقاوم الظلم.

وللحلم بقية وللوطن حلم سوف يتحقق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد