على شاطئ الإسكندرية، الشمس تنحدر إلى بيتها عند الغروب، مصافحة البحر بشعرها ذي اللون الذهبي الجميل، يمر الغروب على الشاطئ في ثيابه النقية، يلقي السلام على كل من يعرف ومن لا يعرف. مرت الشمس والماء يعكس لون شعاعها الأخير قبل قدوم الليل. هناك كان الشاب «عزيز» ذو العقدين من الزمن يجلس مع من يجلسون، باسطًا خياله، في استقبال ضيف ما، لم يعلن عن اسمه بعد، ولكن كانت مراسم الاستقبال توحي بأنه شخص ذو مكانة رفيعة، هبط من سفينة توحي معالمها أنها قادمة من الشاطئ الآخر، كان في استقباله وفد من كبار الكتبة المصريين، فقد كان القلم المصري ذائع الصيت في أثينا – عاصمة المعرفة، منبع الفلسفة والعلوم – في ذلك الوقت.

هبط صاحب الجمهورية، شخص يبدو من نظرات عينيه أنه يتمتع بقدرة تحليلية ليست بالعادية. كانت زيارة تحمل في ظاهرها الطابع الرسمي، وفي باطنها طابع الوطن الثاني. مر الليل وخيال «عزيز» يتصفح التاريخ وأحداثه، ويقف على الواقع بالتحليل والمقارنة، فكما يقولون إن التاريخ ربما يدور في دائرة الزمان.

ومن داخل أروقة مكتبة الإسكندرية العريقة، كانت القاعة في انتظار صاحب الجمهورية، تشرق الشمس لتعلن التقاء شعاعها الأول مع صفحات كتاب كان أمام الضيف، يبدأ حوار ذو افتتاحية واضحة القواعد، عميقة المعاني هادفة، كانت بصوت هادئ يملؤه السلام.

دعنا نبدأ ببعض القواعد

– إن التفكير المنظم هو أحد عوامل الوصول إلى الحقيقة أو إدراك أبعاد جديدة أو اكتشاف خطأ لم يكن مكتشفًا، وهكذا كان سقراط يسعى إلى الحقيقة بهذا المنهج السليم وطريقة التفكير المنظمة.

– إذا أردت أن تشيد مملكة عظيمة فعليك أن تحفر حفرة كبيرة لتصب فيها أساسًا متينًا، يمكنه أن يحمل مملكتك عبر الزمن، هذا الأساس لا بد أن يكون مشبعًا بالمعرفة والحقيقة.

كلمات تسقط على آذان الحضور، كقطرات المطر إذا ما سقطت على نبات أصابه ذبول العطش، فقد أتى إلى اللقاء كل من كان يتطلع إلى بناء بلاده، اصطدمت تلك العبارات داخل الأذهان، مع بعض المفاهيم المحشوة خطأ داخل عقول أفراد الأوطان، أكمل الضيف حديثه عن مقومات بناء الأوطان.

يا بلاد الأهرامات! إن المعرفة والحقيقة والعدل هي أهم المقومات الارتكازية للبناء الحقيقي للأوطان، وبعدها تأتي الديموقراطية لذا فلنبدأ بقاعدة الهرم.

إن مفهوم المعرفة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإدراك، إدراك الأشياء على حقيقتها، «والحقيقة هي تطابق الأمور مع واقعها وموضوعها كما هي»، لذا فهي أساس المعرفة السليمة، وهي غاية في ذاتها وستفرض ذاتيتها في يوم من الأيام، «فالحقيقة قيمة وجودية في خدمة الحياة»، أما العدل فهو «استِعمال الأُمور في مَواضِعها، وأوقاتِها، ووجوهِها، ومَقاديرها، من غير سَرَفٍ، ولا تقصيرٍ، ولا تقديمٍ، ولا تأخير»(1) لذا فهو الضامن القوي لوصول الحقيقة والمعرفة إلى الفرد، إذا فبناء المجتمع القوي السليم يأتي ببناء أفراد لديها التطلع دائما للمعرفة والرغبة في الوصول إلى الحقائق، والإيمان بتأصيل قيمة العدل داخل ذات الفرد، أي العدل على نفسه ولغيره ثم لنفسه وعلى غيره، كل ذلك يمنحك مزيدًا من القوة، والخيارات الجيدة ثم الثروة الحقيقية.

فالقوة هي أن تصبح في يديك العديد من الخيارات الجيدة، والثروة الحقيقة هي ما تملكه من المعرفة، وما لا تعرفه يشكل المخاطرة الكبرى، كما أن الآراء التي لا تستند إلى المعرفة لا يمكن الاعتماد عليها دائمًا، حتى وإن كانت صحيحة في بعض الأحيان، بالضبط كالأعمى الذي يصادف الطريق الصحيح.

إن الانتقال السريع إلى الديمقراطية في الشعوب التي لا تمتلك قدرًا كافيًا من المعرفة، غالبًا لا يدوم، فالديمقراطية تحتاج إلى معرفة يُبني عليها الاختيار السليم أو الأقرب إلى السليم، ثم معرفة أخرى بكيفية صيانة روح التعددية واحترام الرأي، ثم حكمة في كيفية اجتثاث جذور الفساد والتخلص من أتباعه، وإصلاح ما يمكن إصلاحه من أجل وضع منهج البناء السليم.

فدعنا نسقط مثالا

كانت هناك مدينة تُعرف بأسوارها الحزينة أو كما كانوا يسمونها، ساد فيها الطغيان لما يقارب لأكثر من نصف قرن، وما هو معروف عن الطاغية بأنه شخص يمكنه أن يأكل أولاده، ومع أول صدام بين الشعب والطاغية، حاول الطاغية بالفعل أن يأكل عددًا من أولاده، ولكن ثبات البقية دفعه لأن يرحل وبدأت أولى خطوات الانتقال إلى الديمقراطية، وخاض المواطنون معركتهم مع الشيء الجديد الذي لا يعرفون عنه إلا اسمه وشيئًا قليلًا، تمخضت التجربة عن شخص أفرزته صراعات الاختيار ربما كان لديه شيء من القدرة على الإدارة ولكن ليست لديه ملكة الحكم.

ومع أول سطر من سطور هذه الفترة ارتفعت مطالب الشعب الذي كان داخل زجاجة، ومع بقايا الطاغية التي راحت تدفع الأحداث لتأخذ مسارات هادمة؛ مسارات الانقسام، فانقسم المواطنون إلى قسمين، كل قسم انقسم إلى أقسام تعيش في صراعات الاختلاف الدائم، ليعود من جديد ذلك الشخص ولكن في قناع جديد حيث إن الطاغية شخص يحكم ولا يدير إلا لصالحه وصالح من معه، وهناك آخرون يجيدون الإدارة ولكن لا يجيدون الحكم، والفترة التالية للتخلص من الطاغية تحتاج لشخص لديه القدرة على أن يدير ويحكم في آن واحد، عادت الأمور كما كانت وربما إلى أسوأ مما كانت عليه، نتيجة البداية العكسية التي لم تستند على المعرفة والحقيقة والعدل.

وأخيرًا لكي تبني عقلًا سليمًا قادًرا على صناعة القرار وإدارته، لا بد أن تملأ ثناياه بالمعرفة الصحيحة، لكي لا يُولد لديك طاغية جديد يحكم بالنحاس والحديد، فالمملكة التي يحكمها النحاس والحديد تفنى، وأنا لا أُطالبك أن تسكن في الخلاء خوفًا من أن تسكن في بيت قد يسقط على رأسك في أي لحظة، لا لم أُطالبك بهذا ولن أوافقك على ذاك، أنا مع أن تبني بيتًا يليق بك باعتبارك إنسانًا، بيتًا للإيواء والسكن والأمان.

أنا أناشدك أن تبني لك وطنًا، وبناء الأوطان لا يكون إلا بأرواح نقية وعقول واعية مدركة، وقلوب سليمة قوية، حتى لا يحدث مثل ما حدث.

صوت قادم من بعيد

هل تعلم يا عزيزي؟!

أن بلادنا قديمًا كانت بلاد جميلة،

ولكن اللصوص سرقوها،

قطفوا جمالها،

حتى شعرها الجميل باعوه،

فتغيرت فيها كل الأشياء،

حتى طعم الماء فيها لم يعد كطعم الماء.

كلمات سافرت من شفتي ذلك الشاب إلى مسامع الضيف قبل أن يوقظه خياله لينتظر المستقبل فربما يأتي ومعه كل ذلك، ربما يأتي ومعه المعرفة، والحقيقة، والعدل، والديمقراطية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد