ولد «ماو تسي تونغ» عام 1893 لعائلة فلاحين في مقاطعة هونان الوسطى، وكان عضوًا مؤسسًا في الحزب الشيوعي الصيني، الذي كان ناشطًا خلال الثورة القومية في تنظيم جمعيات الفلاحين في المدن والمناطق الجنوبية الشرقية للصين بين عامي 1927- 1928، حيث بدأ هناك «ماو تسي تونغ» صعوده إلى السلطة داخل الحزب، وكان يعمل بشكل وثيق مع الشخصيات العسكرية التي ساهمت في بناء الجيش الأحمر، وحتى في الوقت الذي كان فيه معظم أعضاء الحزب في الجبال الريفية، ظل مقر الحزب الشيوعي الصيني تحت الأرض في شنغهاي، وكان يديره طلاب سابقون تعلموا في الاتحاد السوفيتي؛ وذلك لأن الماركسيين التقليديين اعتقدوا أن الثورة ستهندسها البروليتاريا الصناعية الحضرية، وكان من المنطقي بالنسبة لهم الحفاظ على مركز الحزب في المدينة.

هذا وبقيت القيادة بين أيدي كوادر الحزب المدرَّبين من الاتحاد السوفيتي؛ وذلك بسبب عدم الوحدة والتجانس بين صفوف النخب الحزبية في المقاطعات، حيث كانت هناك مناطق شيوعية صغرى في وسط الصين لديها برامجها وسياساتها الخاصة بها، مما سبَّب أن تكون الحركة الحزبية غير متجانسة، بل حتى إنها كانت متنوعة ومتعددة المراكز.

جرب الحزب الشيوعي الصيني خلال هذه الفترة لأول مرة مشروع إصلاح الأراضي، والقضاء على الصراع الطبقي، وبالنظر إلى أن 80 إلى 85% من سكان الصين كانوا من الفلاحين، وأن عددًا قليلًا نسبيًّا كان من عمال المدن، فإن «ماو» بدأ يرى أن طبقة الفلاحين هي مفتاح النجاح الثوري بدلًا من طبقة البروليتاريا، ولإصلاح الأراضي، قسم «ماو» الفلاحين إلى فئات غنية ومتوسطة وفقيرة، وعلى الرغم من أن أكبر مجموعة كانت الفلاحين الفقراء، فإن ما يشكل كل مجموعة يتنوع حسب الموقع، وكانت هذه التجمعات دائمًا خاضعة لإعادة التقييم، وبمجرد وصف الناس كان تصادر الأراضي من أصحاب الأراضي، وأحيانًا من الفلاحين الأغنياء، ومن ثم توزيعها على الفلاحين الفقراء والأواسط والعمال المستأجرين، ومن الواضح أن التصنيفات حولت عوالم الناس رأسًا على عقب، حيث فقد مالكو الأرض كل أراضيهم، بينما حصل الفلاحون الفقراء على موارد الأرض التي لم يحصلوا عليها من قبل.

هذا ولم يفرض «ماو» نفسه بالقوة لقيادة الحزب منذ تأسيسه عام 1935 ولفترة طويلة من بعد ذلك، ولكن كانت هذه عملية تدريجية لم تكتمل إلا بعد عقد من الزمن، وقد كان السبب الأساسي في وصول «ماو» إلى السلطة خلال هذه الفترة هي الأفكار السياسية والعسكرية والدبلوماسية الناجحة التي صممها للنضال المزدوج ضد القوميين «الكومينتانغ» واليابانيين، وعلى خلاف «ستالين» الذي ظل عمومًا على مقربة دائمة من مقاليد السلطة في الكرملين، قام «ماو» بجولات في المقاطعات الصينية بانتظام، كما عقد مجالس للقيادة في أماكن أخرى بعيدًا عن بكين لفرض وجهات نظره على الناس هناك، لكن تجسيد سلطة «ماو» سرعان ما ظهرت في اتجاهاته المستقلة وعدم استعدادها للتضحية بقوات حزب المؤتمر الشيوعي من أجل الأولويات السوفيتية، حتى إن «ستالين» كان قد أيد قيادة «ماو» للحزب الشيوعي الصيني في أواخر عام 1938، وكان قرار «ستالين» هذا على ما يبدو مبنيًّا على حساب أن «ماو» زعيم قوي.

ويمكن اعتبار سياسات «ماو» اليمينية الحذرة على وجه العموم تجنبًا للنضالات غير الضرورية، كما أنه سعى إلى تعظيم الوحدة أمام الحلفاء المحتملين، وقضى كل وقته حتى تحول ميزان القوى إلى صالح الحزب الشيوعي الصيني، ومن الأمور المهمة أيضًا أنه على الرغم من توتر العلاقة مع «ستالين»، كانت ادعاءات «ماو» النظرية متواضعة، ولم يكن دور الاتحاد السوفيتي كزعيم للعالم الشيوعي موضع شك مطلقًا، وكانت كتابات «ستالين» جزءًا من المنهج الذي جرت دراسته خلال حملة تصحيح الحزب والاعتماد على السوابق السوفيتية، واستغلال ما بدا أنه تجربة أجنبية ثمينة للتطور والتجديد.

كان الرئيس «ماو تسي تونغ» هو الحاكم المطلق للصين منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في 1 أكتوبر «تشرين الأول» 1949، حتى وفاته في 9 سبتمبر «أيلول» 1976، واستمد «ماو» قوته تحديدًا من مكانته المقبولة في الصين كأب للأمة، وهو وضع جرى تعزيزه ثقافيًّا بوصفه إمبراطورًا مؤسسًا قويًّا لسلالة جديدة، وذلك بالنسبة إلى قطاعات واسعة من السكان، وذلك كنتيجة للدعاية الرسمية المستمرة، إذ ألغى «ماو» نظامًا اجتماعيًّا استغلاليًّا كان سائدًا لعقود في الأراضي الصينية، وجلب السلام والنظام، وأطلق البناء الاقتصادي، وقبل كل شيء طرد القوى الأجنبية، واستعاد كرامة الصين الوطنية.

أما بالنسبة إلى كبار قادة الحزب الشيوعي الصيني والمسؤولين والكوادر من المستوى الأدنى، فقد كان «ماو» هو العبقرية الاستراتيجية التي حولت قيادته للحزب من وضع ميؤوس منه، أو في أحسن الأحوال مهمش للغاية، إلى نجاح ونصر للحزب لا يمكن تصوره في عام 1949، وهكذا كان بالنسبة لمثل هؤلاء الشيوعيين أية معارضة لـ«ماو» ببساطة خارج النقاش؛ لأنه كان نفسه مرجع السلطة الأخلاقية، كما أنه مهما بلغت أخطاؤه فإنه سوف يجري تجاهلها؛ لأن إنجازاته تغطي عليها، حيث إن تألقه كان من وجهة نظر النخبة، قد خلق النجاح الثوري الذي أعطى معنى لمحاولاتهم في الحياة، وإنكار «ماو» كان سيؤدي إلى إنكار أنفسهم.

كما كان مفتاح الصعود السياسي لـ«ماو» هو الأيديولوجية البراغماتية والسياسة التي أنتجت نجاحًا ثوريًّا عامًا في الصين، وعلى الرغم من بعض الادعاءات النظرية كان فكر «ماو تسي تونغ» عمليًّا وموجهًا بشكل كبير نحو المشكلات المعاصرة، كما كان التركيز على الظروف الصينية الملموسة، وذلك كما هو واضح في مقولة «ماو» الشهيرة: «الماركسية/ اللينينية هي السهم، لكن أهميتها كانت في ضرب هدف الثورة الصينية»، ومن المفاهيم الأساسية الأخرى التي ركز عليها هي: «أنه لا يجب على النظرية أن تعمي القادة من واقع الموقف»، وهذا أدى إلى سياسات عسكرية حذرة وسياسات ريفية مرنة، دفعت إلى إصلاحات اجتماعية بسيطة أو بعيدة المدى وفقًا للظروف السائدة واحتياجات الحزب.

قوة الحزب الشيوعي الصيني وتاريخه المحلي اعتمد على ما يسمى بالثورة الريفية وخاصة في مناطق شمال الصين، حيث كان الريف محاطًا بالمدن، فتم الخروج من المدن لتحقيق المراحل الأولى من الإصلاح الزراعي للقرى وإصلاح مجتمع القرية، وقد ساعدت القوات العسكرية على فرض هيبة الدولة «الحزب» على سكان تلك المناطق.

لكن نظام «ماو» الجديد واجه مشاكل صعبة، حيث كان المجتمع والنظام السياسي الصيني مجزأين، والنظام العام والمعنويات قد تدهورت، وكان الاقتصاد الذي مزقته الحرب يعاني من التضخم الشديد والبطالة، وأدى الضعف الاقتصادي والعسكري الأساسي للبلد إلى خلق عقبات هائلة أمام هدف الثروة الوطنية والسلطة الوطنية، لكن التجربة الثورية للحزب الشيوعي الصيني ساعدت في بناء النظام الجديد اعتمادًا على بعض الأساسيات والنقاط القوية، أهمها أنها أوجدت قيادة موحدة حول زعيم بلا منازع، وهو زعيم كان يتم رفع سلطته إلى مستوى أكثر أهمية كمؤسس، فالطابع البراغماتي لسياسات «ماو» في تبحر التيارات الصعبة للصراع السياسي والعسكري يدل على اتباع نهج متواصل في التعامل مع الواقع، كما أن التوقع الإيجابي للسكان من أجل السلام والنظام والتنمية الاقتصادية أعطى دعمًا للنظام الجديد، وذلك رغم المبالغة الكبيرة في تسميته بأنه «السنوات الذهبية» لجمهورية الصين الشعبية.

وهكذا كانت الفترة الأولية لجمهورية الصين الشعبية في إطار شروط الحزب ذاتها ناجحة للغاية، إذ استعيد الاقتصاد بشكل أو بآخر، كما أن المكاسب الاقتصادية كانت ترجمة للدعم الشعبي العام، في حين أن أولئك الذين استفادوا من الإصلاح الزراعي مثل الفلاحين الفقراء والناشطين الذين حققوا مناصب في الهيكل الصناعي التوسعي، كانوا هم الأكثر دعمًا للنظام، وذلك قبل أن يبدأ النمو السريع على غرار التخطيط المركزي على النمط السوفيتي، ولقد خضعت كل البلاد باستثناء «تايوان وهونغ كونغ وماكاو» لسيطرة بكين بحلول عام 1951، ومن خلال الدبلوماسية الماهرة نما فخر الصين الوطني ومكانتها الدولية بشكل ملحوظ.

كما بدأ الحزب الشيوعي الصيني في اختراق المجتمع وإنشاء السيطرة الشمولية من خلال التدابير التنظيمية التي وصلت إلى الأحياء والقرى الحضرية، واستخدم الحزب الحملات السياسية التي جسدت المفاهيم الماركسية للنضال الطبقي، والتي استهدفت مجموعات محددة، أهمها النخب الريفية والبورجوازية، والمفكرين، والمناهضين للثورة المفترضة، وكان ذلك سواء في مهاجمة أولئك الذين يعدون معادين للنظام أو استخدام العنف معهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد