السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقال: لماذا فشلت ثورات العرب ضد الأنظمة القمعية العربية بينما نجحت الثورات الغربية ضد كهنة الكنائس؟ مع أن العرب يملكون إرثًا تاريخيًّا وحضارة تمتد لأكثر من سبعة آلاف سنة، وما تزال آثار تلك الحضارة في بابل ودمشق واليمن وشبه جزيرة العرب ومصر الكنانة وبلاد المغرب العربي باقية حتى اليوم؟ الإجابة على السؤال هي كالتالي: أولًا، قام قادة الثورات الأوروبية أوروبا بثورة فكرية قبل أن يقوموا بثورة عسكرية لإسقاط حكم الكهنة، بينما في الوطن العربي حاولت الشعوب العربية أن تُسقط الأنظمة قبل أن تقوم بتوعية الناس وقبل أن يكون لمن يقودون الثورة مشروعًا بديلًا لقيادة دفة الحكم. فشل المثقف العربي في تهيئة المجتمع العربي للتعايش مع الربيع العربي والقبول به. لذلك، رأينا كيف تحول البعض إلى مساند ومؤيد للأنظمة القمعية ويلعن الربيع العربي ليل نهار. لا بد أن نعرف أن أي ثورة لا بد أن يسبقها ثورة فكرية تمهد لثورة تغيير الأنظمة، كي تكون الشعوب العربية بجانب قادة التغيير، ما لم يتم ذلك، فإن أي حركة عربية تسعى لتغيير الأنظمة سيكون مصيرها الفشل.

لا بد من قراءة التاريخ جيدًا وكيف تعرض الوطن العربي لعدوان مسلح واستعمار فاشي من قِبل بريطانيا، فرنسا، إيطاليا. استطاعت أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين أن تحتل المناطق العربية بالكامل، وأن تفرض سياساتها وثقافاتها على الشعوب العربية بالقوة مستخدمة وسائل شتى، ولقد أسس المستعمر الغربي أنظمة عربية تعمل ليل نهار لصالحه!

إن الضعف الذي نشاهده اليوم في المجتمعات العربية على المستوى الثقافي، والفكري وبعض المجالات الأخرى، وما يرافق ذلك من صراعات وحروب أهلية في بعض الأقطار، وأيضًا حروب طائفية في أقطار عربية أخرى كانت منبعًا لحضارات الدنيا. لم يأت هذا التقهقر الذي نعيشه اليوم من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لأن المجتمعات العربية تركت الحكام يحكمون الأوطان بقوة الحديد والنار، وهناك من يطبل لهؤلاء ويدعون العروبة، بل أن البعض منهم يدعي أن طاعة هؤلاء من أصول الدين، ومن طاعة الله كما هو حاصل مع بعض قادة الأنظمة التقليدية وزعماء المليشيات الطائفية الدينية!

انتشر الجهل في مناطق الصراع العربية بصورة مخيفة، وانتشرت الأفكار الهدامة، وفقد الدين روحه وصارت الشعائر التي نؤديها كل يوم لا تعبر عن شعورنا الداخلي، بل أصبحت شعائر وطقوسًا ظاهرية. انتشرت بين أبنائنا ثقافات متطرفة مثل ثقافة داعش، وفلسفة الصوفية التي تُمجد العسكر، وانتشر الفكر السلفي المتطرف الذي يساند قادة الأنظمة التقليدية وسادت الخرافات التي تُمجد من يدعون زورًا أنّهم ينتمون إلى آل البيت. علاوة على ذلك، عاد المستعمرون الغربيون من جديد تحت ثوب الحداثة، ومحاربة الإرهاب، ودعم الأقليات، ونشر الديمقراطية. فدعموا الإرهاب وأحيوا الآفات، ونشروا الخوف، وأسسوا جماعات العنف، وساندوا الحركات الطائفية ضد الشعوب العربية! لقد اشترى الغرب ضمائر بعض مثقفينا، أما قادتنا فهم عبارة عن ريموت يحركهم المستعمر الغربي متى ما يشاء وكيفما يريد!

نحن بحاجة اليوم إلى رجال مخلصين يخرجوا بلداننا العربية من وحل الصراعات والتخلف والجهل إلى مصافي الشعوب الراقية والمتقدمة، ولن يحصل ذلك ما لم يكن هناك شباب عربي يعشق الحرية، ويفتخر بدينه ويطبقه في حياته. «لقد اتفق الباحثون في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث أن أول من بعث اليقظة في العالم الإسلامي من سباته بحق هو جمال الدين الأفغاني وزرع في أبنائه روح الثورة ودعا إلى إصلاح النفوس والعقول وحارب الجهل والخرافات والدجل، واستطاع الرجل بشخصيته القوية أن يؤثر في نفوس العديد من الشغوفين بالتجديد والتغيير في البلاد الإسلامية وعلى رأسهم محمد عبده ومحمود سامي البارودي وسعد زغلول وغيرهم من أهل العلم والأدب والفلسفة والفكر والسياسة والدين» ( جيلالي بوبكر).

لقد حدد المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي الكيفية لعلاج الأمراض الفكرية، حيث يؤكد أنه لا بد من تحديد المرض وتشخيصه ومن ثم البحث عن العلاج وقد شرح ذلك في كتبه «طبائع الاستبداد»، «وأم القرى». أعتقد أن المرض الذي أصيبت به الأمة العربية اليوم معروف للقاصي والداني ولذلك، لم يتبقَ سِوى إيجاد الحلول والعلاج لهذه الأمراض الفكرية المنتشرة التي حولت المنطقة إلى جحيم وميدان حرب، وهذه مهمة المثقف العربي الذي ينبغي أن يكون قبطان السفينة وأن يقف في صف الشعوب وأن يسعى جاهدًا لإخراج مجتمعاتنا العربية من وحل التخلف والجهل مهما كانت التضحية، ما لم يحدث ذلك فستبقى الأمة تعيش في حالة تخبط وتيه فكري وسياسي بل وحربي وهذا ما يريده المستعمر الغربي الجديد.

إن مهمة المثقف العربي ورجال الدين ليست إلقاء الخطب ونشر المقالات وما شابه ذلك، بل لا بد من السعي لبناء الإنسان قبل كل شيء، وهذا ما سعى إليه عبد الحميد بن باديس حينما أكد: «أن الإصلاح الصحيح يبدأ بالتربية التي تصنع إنسانًا صالحًا يأخذ في عاتقه مهمة … كما أكد أن الإصلاح عملية تقتضي التغيير في داخل الفرد وينعكس ذلك على السلوك، ثم يظهر التغيير في العلاقات وسائر النشاطات الاجتماعية، فتغيّر المجتمع نحو الأفضل مرهون بتغيّر فكر وسلوك الفرد نحو الأفضل وإصلاح النفوس والأعمال شرط إصلاح الأوضاع داخل المجتمع». إذن، نحن بحاجة لثورة فكرية لتغيير السلوك والعقول في آن واحد حتى نتمكن من بناء الإنسان العربي الذي يفتخر بدينه وهويته وثقافته وحضارته.

ختامًا، إن بناء الفرد هو ما ينبغي أن يكون في الوقت الحالي ومن ثم بناء المجتمع فإذا صلح الفرد صلح المجتمع وإذا صلح المجتمع فعملية تغيير الأنظمة القمعية ستكون سهلة وبأقل الخسائر. لا بد أن يكون هناك ثورة وعي فكرية وسياسية ودينية وأخلاقية في مجتمعاتنا العربية. هكذا نعتقد والله أعلم. نحن بحاجة اليوم لشخصية تحمل فكر جمال الدين الأفغاني، وطموح حسن البنا، وبلاغة سيد قطب، وأدب الرافعي، وقوة سليمان القانوني، وصبر أحمد ياسين، وفكر مالك بن نبي، وفلسفة الجابري، وحركة الإصلاح والتجديد التي قادها عبد الرحمن الكواكبي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد