نسمع كثيرًا في مجتمعاتنا عبارات من قبيل «إطعام فقير أفضل من بناء مسجد» أو كعبارة «يكفي بناء المساجد، فإطعام الفقراء أولى»، وغيرها من العبارات المشابهة، والتي تحتوي المضمون نفسه، أي أن صرف أموال التبرعات في إعانة الفقراء وإطعامهم ولا حاجة لنا لبناء مسجد إضافي. وعادة، يكون مطلقو مثل هذه العبارات يحفظون عن ظهر قلب العبارة أو المقولة المنسوبة لعمر بن الخطاب -وإن كانت ربما غير صحيحة-، وذلك عندما سُئل ألا تكسوا الكعبة بالحرير؟ قال بطون المسلمين أولى. وبالطبع -مع أنه ليس موضوعنا- كثير ممن يتناقلون مثل هذه العبارات المشهورة والمنسوبة لعدد من مشاهير الأئمة والمصلحين، فكثير من هذه العبارات تكون -عادة- غير صحيحة!، والبخاري رحمه الله تعالى في صحيحه صنف بابًا تحت عنوان : «باب كسوة الكعبة».

أهمية المساجد عند المسلمين

يعتبر المسجد قضية مركزية في الإسلام، وليس أدل على ذلك ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل الى أطراف المدينة المنورة، فقد قام ببناء مسجد قباء، وكذلك فعل عند قدومه إلى المدينة المنورة. وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم «وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا» وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غدا إلى المسجد وراح أعد الله له نزلا من الجنة كلما غدا أو راح». كما تعتبر المساجد من الأماكن التي يعظم بها الله وحده، كما أن المسجد «الجامع» يعمل على جمع الناس على طاعة الله تعالى، ففيه يتم اللقاء الأخوي النقي، فلا تقتصر المساجد -كما يعتقد الكثير- على أداء الفرائض الخمسة فقط، بل يتجاوز إلى أبعد من ذلك بكثير، كما أن من القضايا المركزية عند المسلمين هو الجانب الأخروي، أي الآخرة، وليست هذه الدنيا الفانية. فالأنفاق على المساجد جزء هام جدًا، فالمسلم يعمل لآخرته ويلتمس رضا الله تعالى، ولا يقتصر ذلك فقط على الجانب الدنيوي من إطعام الفقير أو مساعدة محتاج فقط، حتى أن قيام المسلم بإطعام فقير أو التصدق على مسكين، تنطلق أساسًا بمرضاة الله تعالى، وابتغاء الثواب من الله، وإن كان يبدو عليها عملًا دنيويًا.

ولو نظرنا إلى المساجد بشكل عام، لوجدنا بأنها تقوم بأعمال جليلة وجبارة، ففي المسجد تجمع التبرعات للفقراء، وكثير من المساجد تنظم عمل الزكاة والصدقات، وتوزعها على من يستحقها من خلال أفراد يقومون بالتقصي والتحقق ممن يحتاجها، وكما تقوم بعض المساجد بمساعدة أي متضرر من مصلي الحي الذي يوجد به المسجد، وإذا أراد أحدهم أن يعرض مصيبته فإنه يعرضها في المسجد، حتى الباعة فإنهم يعرضون بضاعتهم أمام المساجد! وعلى المستوى المعنوي، إذا نزل أحدهم في بلد غريب أو تقطعت به السبل فإنه أول ما يقوم به هو الذهاب إلى المسجد!

لذا، لا يصح أن نطلق مثل هذه العبارات المتهافتة، والتي ربما يرددها الكثير عن حسن نية، اعتقادًا منه بواجب مساعدة الآخرين، كما أن مثل هذه العبارات لا تصح أصلًا، فالمساجد تقوم بأدوار عظيمة كالتي ذكرناها، كما أن إطلاق مثل هذه العبارات يوحي للمستمع أو القارئ أن المساجد هي سبب الفقر الذي يحصل للبعض، وأن الإنفاق على المساجد هو من الأسباب التي تؤدي إلى الفقر، مع أن الموضوع عكس ذلك تمامًا.

اختلال الميزان.. بلغة الأرقام

لو نظرنا إلى الواقع، وعلى مستوى الوطن العربي، وبلغة الأرقام، نجد العجب العجاب من الأمور التي لا يتحدث عنها أحد. ففي مصر على سبيل المثال، تقول الإحصائيات بأن المصريين ينفقون أربعين مليون جنيه على الكلام في الهاتف النقال، وأن 12 مليون مدخن مصري ينفقون يوميًا 22 مليون جنيه على التدخين بمختلف أنواعه.

وفي الأردن أيضًا، حيث تشير الإحصائيات بأن المرأة الأردنية تقتطع من دخلها الشهري 20% في المتوسط للإنفاق على مستحضرات التجميل. وكما يقوم الأردنيون بإنفاق ما يقارب سبعمائة مليون دينار سنويًا على مكالمات الهاتف، نصفها ينفق في مكالمات غير مفيدة بحسب جهاز الاتصالات الأردني. (تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام قد تم أخذها من مقال منشور على موقع الجزيرة، بعنوان أنماط الاستهلاك في الوطن العربي).

وبالطبع، هذا يشمل جميع الجوانب الأخرى، فلو نظرنا إلى الأرقام المذهلة التي تنفق على التسلح شهريًا أو حتى بشكل يومي، أو الأموال والملايين التي تنفق على مواكبة «الموضة» وتبعاتها من الصالونات النسائية والرجالية على السواء، فالهدف من هذه الكلمات هو ليس ذكر الأرقام، لكننا وجدنا أن ذكرها ضروري لتوضح الصورة، وليعدل الميزان -ميزان الحكم- ولأن مثل هذه الأرقام لا يتحدث عنها أحد، أو ربما وجدنا البعض يتكلم بها على استحياء دون أن يجد أحدًا يسمع له! طبعًا هذا فقط في الوطن العربي، ولأننا معنيون به، فما بالك بالعالم أجمع، أو العالم الغربي الاستهلاكي على وجه الخصوص! فلو أخذنا إحصائية واحدة من أمريكا على سبيل المثال، فقد ذكرت الكاتبة «نورينا هيرتس» في كتابها (السيطرة الصامتة)، بأن الأمريكيون ينفقون سنويًا ثمانية بلايين دولار على مواد التجميل، في الوقت الذي لا يجد فيه العالم تسعة بلايين دولار -بحسب تقديرات الأمم المتحدة- لتوفير ماء الشرب النظيف والمرافق الصحية!

هذا، وغيره من العشرات بل المئات من الإحصائيات والأرقام التي تخبرنا عن مدى الإسراف والتبذير على مستوى العالم أجمع، والغريب بل العجيب -كما ذكرت- لا يتحدث أحد عن ذلك، ولا تنتشر عبارات من قبيل العبارة التي أشرنا إليها في بداية المقال، ولم يطالب أحد بوضع حد لاستيراد مواد التجميل التي ترهق الاقتصادات، أو عمل توعية تقوم على التشجيع بالتبرع بكل ثمن علبة سجائر للفقراء… الخ، فمثل هذه الأمور لم نسمع وربما لن نسمع بها، لكن عندما نرى مسجدًا يبنى في أحد الأحياء، تنطلق الألسنة بالنقد والاعتراض، وتنتشر العبارات ويرددها الكثير تقليدًا دون وعي أو فهم لما يقول!

فلو قارنا هذا بما ينفق على التدخين والاتصالات والكماليات، أو حتى لو قارنها ببعض العادات الاجتماعية، مثل بيوت العزاء أو الأفراح، والتي تنفق فيها الآلاف هدرًا دون فائدة حقيقة تُذكر، فكل عاقل يقوم بالتفكر والمقارنة، سيجد الفائدة الدنيوية والأخروية للمساجد، وأهمية المساجد، وتحبيب المجتمع بالمساجد والتشجيع ببنائها… فكفانا تحميل الدين عمومًا والمساجد خصوصًا أسباب فشلنا وفقرنا وتخبطنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد