كان بيروس قائدًا إغريقيًا محنكًا حارب في جيش بطليموس، ثم عاد إلى مدينته أبيروس وهي مدينة فقيرة مكتظة بالسكان، فقام ببناء جيش قوي مدرب تدريبًا جيدًا، استطاع أن يهزم به المقدونيين، ثم شن حملة عسكرية ضد روما، بغرض فرض سيطرته على إيطاليا، وبمجرد علم الرومان بتحركه أرسلوا له جيشًا ضخمًا يفوق جيشه في العدد والعدة، ومع هذا نجح بيروس فى هزيمته، ولكنه فقد العديد من جنرالاته وجنوده في المعركة، وعلى الفور بدأت روما في تجهيز جيش آخر، ولكن بيروس عاجل الرومان وزحف في اتجاه روما، واشتبك مع الجيش الروماني مرة أخرى بالقرب من روما، ونجح في هزيمته من جديد بعد أن فقد الكثير من جنرالاته وجنوده مرة أخرى، وعندما أتاه المهنئون رأوه حزينًا، وقال لهم بأسى (إذا نجحنا في هزيمة الرومان مرة أخرى في معركة كهذه؛ فسندمر كليًا)، وجمع بيروس ما تبقى من جيشه، وعاد إلى مدينته تاركًا حلمه في هزيمة روما وحكم إيطاليا بالكامل خلف ظهره. لتصبح عبارة النصر البيروسي مصطلحًا يطلق على النصر الذي يساوي الهزيمة.

لقد انتصر بيروس على الرومان، ولكنه كان يحكم أمة ضعيفة فقيرة لا تستطيع أن تعوض خسائره حتى يكمل زحفه نحو روما ليحتلها ويقيم إمبراطوريته، بينما الرومان هزموا أمامه في معركتين، ولكنهم كانوا أمة قوية قادرة على أن تعوض خسائرها وتبني جيشًا جديدًا يدافع عن روما.

إن عدم اهتمام بيروس ببناء أمة قوية، واكتفائه ببناء جيش مدرب تدريبًا عاليًا، جعل دولته الناشئة تنهار قبل أن تبدأ رغم انتصاره في كل معاركه العسكرية، على عكس روما التي كانت أمة قوية، رغم هزيمتها، إلا أنها استطاعت أن تنهض من جديد، وتؤسس إمبراطورية ضخمة حكمت العالم لقرون.

إن الدرس الذي يجب أن يتعلمه العالم من بيروس، هو أن بناء الدولة يبدأ ببناء الفرد القوي، ومن مجموع الأفراد الأقوياء يتكون المجتمع القوي، الذي يبني جيشًا قويًا واقتصادًا قويًا وحضارة تستمر لعشرات السنين وربما لقرون.

وبناء الفرد يكون بالأفكار فهي بمثابة الحافز أو الوقود، الذي يدفعه إلى العمل وإنجاز أشياء ربما تفوق قدراته الطبيعية، والمقصود بالأفكار هنا هو الإجابة على سؤالين مهمين.. من نحن؟ وما هدفنا؟

من نحن هو سؤال حول الهوية، هوية الأمة من أين أتينا؟ وما هو تاريخنا؟ ومن هم أصدقاؤنا؟ ومن أعداؤنا؟ وما هي ثقافتنا؟ وما هي عقيدتنا؟ ولا يهم هنا إن كانت عقيدة صحيحة أو خاطئة، فكم من حضارات قامت على عقائد باطلة، وكم من عقائد صحيحة تركها أتباعها، ولم يعملوا بها فكانوا كمن لا عقيدة له. أما السؤال الآخر ما الهدف الذي نسعى لتحقيقه؟ فهو الحلم الذى يزرعه القائد أو الزعيم في نفوس الأمة، هو الحافز الحقيقي لكل إنجاز، وهو ما يتضاءل معه كل ألم، وتهون في سبيله كل الصعوبات، ويضحي الأفراد بحياتهم في سبيل تحقيقه إذا ما آمنوا به، وهو ما يدفع الأمة للنهوض كلما سقطت، والعودة إلى الطريق الصحيح كلما انحرفت عنه بفعل المناورات السياسية.

يرى البعض أن التعليم هو البداية الحقيقية لبناء الفرد ومن ثم المجتمع، ولكني أرى أن بناء الفرد يكون بالفكر أولًا. كما فعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أعظم بناة الأمم في التاريخ، فقد اهتم بتربية أتباعه على العقيدة السليمة، فلما نجح في بناء الفرد المؤمن بالعقيدة المتشبع بالفكر الإسلامي الصحيح، قام هؤلاء ببناء المجتمع والدولة بما في ذلك منظومة التعليم، التي نشأ جزء كبير منها بمبادرات فردية، أكملت ما قامت به الدولة من جهد في مجال التعليم واكتساب المهارات.

إن الحكومات مهما بلغت درجة ذكائها، ووفرة مواردها المالية، وقدرتها التنظيمية، لا تستطيع وحدها أن تحدث تقدمًا اقتصاديًا، ولكن التقدم الاقتصادي يحدث من خلال المبادرات الفردية لأفراد المجتمع، وكلما اتسعت قاعدة الأفراد المشاركين في تلك المبادرات كلما زاد الاقتصاد قوة.

إن بناء المصانع، وإنشاء الشركات، واستصلاح الأراضي وزراعتها، والتجارة كلها أعمال يقوم بها الأفراد، وتعجز الحكومات عن القيام بها بالشكل الصحيح لو تصدت لها.

إن دور الحكومات ينحسر في تهيئة المناخ اللازم الذي يستطيع الأفراد أن يتحركوا فيه. أولًا: بناء الفرد وتربيته على الأفكار التي تتناسب مع ثقافته، ولا تتعارض مع عقيدته. ثانيًا: تنظيم العلاقة بين أفراد المجتمع من خلال القوانين التي تحقق العدالة بين كافة الأفراد دون تمييز. ثالثًا: تحقيق الأمان للمواطنين. رابعًا: إدارة موارد الدولة بما يعود بالنفع على المواطنين. خامسًا: القيام بالأعمال التي ليس لها جدوى اقتصادية مباشرة، أو التي لا يجب أن تترك للمبادرات الفردية؛ لأن المبادرات الفردية تتسم بالعشوائية، وكذلك المشروعات التي بدون عائد وتخدم الفقراء، مثل إقامة الطرق وإنشاء الموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والمستشفيات والمدارس.

إن الزعيم السياسي هو هذا الشخص القادر على أن يخاطب الأمة بأفكار تتفق مع عقيدتها وثقافتها وهويتها، ويستطيع أن يزرع فى وجدان الشعب الحلم الذي يجب أن يسعوا لتحقيقه، فإذا ما نجح في هذا ستتقدم الأمة حتمًا، فالأفراد المسلحون بفكرة يؤمنون بها، سيبنون منظومة سياسية واقتصادية قادرة على تحقيق الهدف الذي تم زرعه في وجدانهم، ولن تقف أية عقبة أمامهم حتى يحققوا هدفهم، أو تخبو جذوة الحلم في وجدانهم لتطاول العمر عليهم وظهور أجيال لم ترب على نفس الفكرة بنفس القدر.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد