تعتبر الأنظمة السياسية هي الحالة التفاعلية للدول في النظام الدولي حيث تسعي كل دولة إلى بناء نظام سياسي يتماشى مع خصوصياتها السياسية والإجتماعية والثقافية والمحددات الهوياتية وتراعي عوامل التاريخ والجغرافيا، وبالتالي تصاغ هذه المحددات في شكل نظام معتمد بقرار شعبي يدستر حتى يصبح فاعلًا، ويمكن من بناء الدولة في سياقها الحضاري، ولكن نجد أن بناء الدولة منذ واستفاليا أصبح مختلفًا مقارنة بما تعرفه سيرورة بناء الدول الحديثة، خاصة ما بعد مرحلة الاستعمار في كل من أفريقيا وأسيا وزاد التغير مع التحولات التي يعرفها العالم في ظل النظام الدولي الجديد أين تغيرت مفاهيم عديدة كالسيادة أمام تدفقات العولمة وحقوق الانسان أمام أولوية الأمن الإنساني وبالتالي انتقل الأمر من بناء الدولة إلى الحفاظ على الدولة أما ثنائية الاندماج والتفكك التي أصبحت تقام على جزئيات كما حدث في الحالة السودانية والحالة الإسبانية بين الحكومة المركزية وإقليم كتالونيا مثلًا وما يحدث في العديد من الدول الأفريقية والحالة الليبية، وبالتالي نجد أن الحفاظ على الدولة أصبح أمرًا يتطلب جملة من الأساسيات لا بد لها عن الحضور، وليس فقط الكيان المؤسس وفق ثلاثية الاستقلال، الشعب، الإقليم.

ولهذا نجد أن الدولة حتى تستمر هي بحاجة إلى تحقيق الأمن الوطني بمفمومه الشامل أي المحافظة على كيان الدولة ووحدتها الترابية والشعبية ضد أي تهديد خارجي أو داخلي ـ وحتى الأطماع الغربية ويمكن أن نتحدث عن الأمن الوطني من مقاربة شاملة وفق ما يعرف بالأمننة أي تفعيل كل مستويات الأمن السياسي من أجل ذلك كما يلي:

  • تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الديمقراطية أي الاحتكام لاحترام رأي الشعب وقراراته وفق قواعد اللعبة الديمقراطية دون إقصاء لأي طرف، وبالتالي الدفع نحو الإجماع ليس بالمعنى التوافقي، بل الإجماع بمعني تحقيق الانسجام بين مكونات المجتمع الواحد حول مسار استمرار الدولة وفق آلية الانتخابات نزيهة وحرة اولوية بناء منظومة قانونية تحمي الحريات والحقوق داخل المجتمع ليس من خلال خلق الزبونية وتوزيع الولاءات، بل من خلال وضع أسس تضمن فعلًا تأسيس لدولة الحق والقانون، وهذا لا يكون إلا بصياغة قوانين غير إقصائية، ولا تقوم على وضع أولوية، أو غيرها تكيف الهيئات الإنتخابية بما يتماشى مع طموح الأجيال القادمة والحالية من خلال حوكمة المؤسسات التشريعية والمحلية، وهذا من خلال آلية فعلية وفعالة، وهي الديمقراطية التشاركية، وليس الصورية، وهذه قد يتطلب مدة أطول لتحقيقها بحكم أن التنشئة السياسية والاجتماعية قد تتهيكل مع مرور الوقت الأحزاب السياسية هذا المصطلح يتطلب أن نعيد صياغته وفق مصطلح آخر، وهو مأسسة الحياة السياسية مع الحفاظ على فعالية المجتمع المدني كإطار شعبي يؤدي الأدوار الرقابية الدافعة نحو التكيف مع التغير والمساهمة فيه، من خلال ما سبق نجد أن تحقيق الأمن الوطني من مدخل الأمن السياسي لا يكون إلا بدعم الجبهة الداخلية من خلال تعزيز قيم المواطنة والشفافية السياسية والديمقراطية وتفعيل أدوات الرقابة والمحاسبة الشعبية عبر المجالس والمؤسسات وحتى الأجهزة الأمنية هذا إلى جانب إلزامية الدولة أن تقوم بدورها في توفير الأساسيات للمواطن من سكن وعمل وظروف حياتية كريمة وتحقيق مستوى معيشي يتماشى مع التحولات الإقتصادية الدولية، لكن هذا يضعنا أمام جدلية دائمًا تضعها الحكومات في سياقها العام، والذي يأتي على أن الدول تعاني من تهديدات خارجية، وهذا قد يكون من الممكن جدًا في ظل التوزانات الإقليمية ما بين الدول، خاصة التي تعاني من حالات تصارع سياسي حدودي، ووجودي، كالحالة الجزائرية المغربية، أو كالحالة الليبية، أو منطقة الساحل الأفريقي، وبالتالي لا يمكن أن يكون الأمن الوطني قويًا وفعلًا، إلا إذا اكتمل الأداء الوظيفي للدولة من خلال تحقيق الأمن السياسي، والذي يجب أن يكون واقعًا ممارسًا، وليس شعارًا مستهلكًا حتى وإن كانت هناك توافقات مع قوى كبرى، إلا أن لعبة التوزانات الإقليمية قد تؤثر على كيان الدولة كما هو الحال في ليبيا، وبالتالي فالدولة هنا تسقط تحت رهانات الداخل التي تستعين بالخارج في إطار تقاطع المصالح، وبالتالي تشتت الدولة حسب مصالح القوى الكبرى والإقليمية، ولهذا فإن قيمية الأمن الوطني تكمن في تفعيل الأمن السياسي الفعلي دون إغفال لمتطلبات الأمننة ككل في حماية الدولة وكيانها.
  • كما يقوم الأمن السياسي على خماسية أساسية، وهي ضرورة إقامة الأمن المجتمعي، والإعلامي، والفكري، والديني، والاقتصادي، فهذه الخماسية تعتبر بمثابة الإطار الذي يؤمن الأداء الفعال لأي نظام سياسي من خلال دمج المتغير الهوياتي والتنوع الثقافي داخل المجتمع إلى عناصر قوة ودافعية لتحقيق التطور والتنمية في ظل ثنائية دولة القانون والمواطنة التي قد تتطلب وقت خاصة في المجتمعات الحديثة، لكنها ستحقق نجاحًا في المستقبل المتوسط والبعيد إذا تحقق ما سبق ذكره في إطار الأمن السياسي، وبالتالي استكمال بناء الدولة فوق ولاءات القبيلة والعصبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد