هل أنت من أنصار «نظرية المؤامرة»؟ هل تؤمن بأن عصابة خفية تدير العالم؟ وتحيك الخطط الخبيثة؟ وتتحكم بمجرة درب التبانة؟ وتسيّر النظام الكوني؟ أو أي نوعٍ آخر من نظريات المؤامرة؟

تاريخيًا، تعود جذور نظرية المؤامرة إلى القران الثالث، حيث يذكر إنجيل فيليب (Gospel of Philip)، وهو إنجيل فُقدِ ثم أُعيد اكتشافه في عام 1945 في مخطوطات نجع حمادي، يذكر أنه المسيح قد تزوج من مريم المجدلية، كما ساهمت بعض الروايات في تخليد أسطورة نظرية المؤامرة، ومنها رواية شفرة دافنشي (The Da Vinci Code) للروائي الأمريكي داون براون.

وأشهر تلك النظريات قاطبة ما يُعرف باسم منظمة المستنيرين أو إلوميناتوس (illuminatus) المُتحكّم الرئيس بالعالم، فهي تبث أفكارًا تسعى إلى إقامة نظام عالمي جديد.

فما الذي يدعو الناس إلى التصديق بنظريات المؤامرة؟ وما الأسباب التي أدت وساهمت في بقاء مثل هاته المعتقدات؟ هذا بالضبط ما يحاول علماء النفس الإجابة عنه. والواقع، بحسب كارين دوغلاس (Karen Douglas) أستاذة علم النفس الاجتماعي في جامعة كِنتْ (University of Kent)، فإنه لا توجد إجابة مباشرة وصريحة لتلك التساؤلات.

إذ ترى دوغلاس بأننا جميعنا نجنحُ بطريقةٍ أو بأخرى إلى أن نشك في الحكومة، كما قد نسيء الظن بها! فالإنسان مجبولٌ على الشك في الأفراد أو المجموعات التي لا يفهمها. فالشك ليس إلا أسلوب تكيّف، يلجأ إليه الإنسان من أجل أن يحمي نفسه من الأذى.

تضيف دوغلاس أنها سعت من خلال أبحاثها إلى الكشف عن أسبابِ إقبال الناس وتقبلهم لنظريات المؤامرة، ووجدت أن للبعض نزعة فطرية أقرب إلى أن تكون نزعة فطرية نرجسية للتفرد والتميز. ونظرية المؤامرة تُشبع نرجسيتهم، كونهم يتحصلون على معلوماتٍ نادرة لا يمتلكها الكثيرون، ولديهم تفسيرات سرية لما يجري حول العالم.

فعلى سبيل المثال، هناك أناسٌ لا يرون مسوغًا في أن تقع أعمال العنف اعتباطيًا او عشوائيًا، إذ لا بد لهم وأن يربطوها بخطةٍ ما!، أو نظرية ممنهجة! أو ما شابه! وفي هذا السياق، يعلل ستيفان ليفاندوفسكي (Stephan Lewandowsky) أستاذ علم النفس المعرفي في جامعة بريستون (University of Bristol) يعلل ذلك بالقول أن هؤلاء النفر من الناس يربطون وقوع أعمال العنف بوجود «جماعة من الأقوياء» هُم من يخططون لها ويعملون على تنفيذها، وذلك لأن مثل هذا الربط يبعث على الطمأنينة، ويشعرهم بالراحة النفسية! حيث أفادت إحدى الدراسات بأن الناس «متعطشون للحصول على إجابات».

على صعيدٍ آخر، يشير بحث أجراه جوش هارت ، الأستاذ المساعد في علم النفس، ونشر في مجلة (Individual Differences) توصل إلى أن أنصار نظرية المؤامرة يشتركون في سمات شخصية وأنماط معرفية معينة، ومنها: أنهم غريبو الأطوار ، وشكاكون، وغير جديرين بالثقة ، ويشعرون بأنهم مميزون، ويرون العالم مكانًا خطيرًا، ويُعرفون بنزعة «تقبُّل الهُراء» Bullshit receptivity فقد يحكمون على العبارات غير المنطقية بأنها عبارات عميقة. إن الخصائص الشخصية التي يتمتع بها أنصار نظرية المؤامرة، يشار إليها مجتمعة باسم «الفصام».

أجريت الدراسة على أكثر من 1200 أمريكي بالغ، سئلوا أسئلة تتعلق بسماتهم الشخصية، وأي الأحزاب الأمريكية يؤيدون (الجمهوري أم الديموقراطي)، كما سئلوا إذا كانوا يتفقون مع الرأي القائل بأن هناك مجموعة خفية هي المتحكم الأول بالسياسة العالمية. وأن العلماء يتلاعبون بالأدلة أو يحرفونها في سبيل خداع الناس.

كشفت الدراسة عن أن الناس تنجذب نحو نظريات المؤامرة التي تؤيد وتدعم وجهات نظرهم السياسية. فأنصار الحزبين كانوا يميلون إلى تصديق ما يدعم حزبهم، وما يُشنّع على الحزب الآخر. فمؤيدو الحزب الجمهوري مالوا إلى تصديق أن أوباما لم يولد في الولايات المتحدة، وبالتالي لم يكن له الحق في الترشح. أما الديموقراطيون فقد مالوا إلى تصديق تواطؤ دونالد ترامب مع الروس في حملته الانتخابية.

خلاصة القول: عندما تلتبس علينا الأمور، ويغدو الواقع مُبهمًا، فإننا نتبنى المُعتقدات التي تتوافق و شخصياتنا وتحيزاتنا المعرفية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد