لا أعلم كيف لشخص أن يجرد نفسه من الإنسانية مطلقًا الأحكام السلبية على غيره دون اكتراث بمشاعره، أفكر كثيرًا في الأمر، ولا أجد له تفسيرًا سوى أنه تعويض لنقص ما، نقص جعل الكثيرين مع الأسف بدل الانشغال بإصلاح أنفسهم يتجهون إلى الانتقاص من غيرهم وإهانتهم!

لو سأل المتنمر نفسه وهو يفعل ذلك عما سيستفيده، أو ما الذي سيجعله أفضل إن قام بإيذاء شخص آخر ربما لتغير الوضع.

يقال الكلمات كالرصاص فانتبه لما تقول، لكن في عصرنا هذا أصبح لدى البعض استهانة بالكلمات التي يتلفظ بها متجاهلًا مدى تأثير الكلمة على من حوله، الأمر لا يقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي فقط، حيث يشعر الجبناء بالأمان لأنهم مجهولو الهوية، لكن المصيبة أن الأمر منتشر بيننا، في واقعنا وبين أصدقائنا، في المدارس والعمل، بل في كل مكان، أجل في مجتمعنا وبكثرة، إنه التنمر الذي وجدنا له مسمى، ولم نجد له حلًا!

لطالما سمعنا عن أشخاص أقدموا على إنهاء حياتهم بسبب التنمر، وآخرين يتلقون العلاج النفسي، لكن هل حلت كل هذه الأمور المشكلة من جذورها!

هل توقف المتنمرون عن أفعالهم!

للأسف لم يحدث ذلك، لم نستطع ولن نستطيع منع هؤلاء مما يفعلون؛ لأن الأمر ببساطة يعود إلى أننا لن نستطيع إصلاح المجتمع فردًا فردًا، لكن أبسط ما يمكننا فعله هو نشر الوعي بخصوص الأثر السيئ لهذه الظاهرة الشرسة كما سأسميها، وسنستمر في نشر الوعي ما دام المتضررون موجودين.

قد يعتقد البعض أن التنمر يقتصر على الفعل فقط، لكنه يتضمن عدة مفاهيم، فقد يكون التنمر نفسيًا، لفظيًا أو جسديًا.

لقد رأيت أشخاصًا يعانون من التنمر ومع ذلك يقومون به، لذا يبدو أنه فعلًا نقص يحاول المتنمر تعويضه بطريقة خاطئة، وقد يكون بسبب الغيرة من الآخر أو الحسد، وكلها أمور تدل على الشعور بالنقص وقلة الثقة بالنفس.

التنمر سلوك عدواني وهو نوع من أنواع الإساءة التي يفترض بنا محاربتها، قد يكون التنمر صادرًا من فرد، أو عدة أفراد، ومسايرتك للمتنمر تعتبر مساندة له، بل تعتبر تنمرًا بشكل آخر، فالساكت عن الحق شيطان أخرس، ومتى ما رأيت شخصًا يؤذي شخصًا آخر بالقول، أو بالفعل، أو حتى بالنظرات، فأنت مسؤول عن نصحه، بل ردعه إن استطعت.

إن أي سلوك عنيف وعدواني كالتنمر له تأثير سيئ على المجتمع كافة، لكن أكثر الفئات تضررًا هم الأطفال والمراهقون، والسبب عائد إلى قلة خبرتهم في التصرف مع أمور كهذه، لذا يفترض بالأهل أن يكونوا أقرب لأبنائهم دائمًا، فمثل هذه السلوكيات تجعل الطفل خائفًا، فاقدًا لثقته بنفسه وغير قادر على البوح بما يضايقه، خصوصًا إن كان مهددًا من قبل المتنمر، وهذا يفتح أبوابًا لا تغلق، فيصاب أغلب الأطفال والمراهقين بالاكتئاب والقلق، الذي قد يدفع بهم إلى الانتحار، وهنا أرى أن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على عاتق الأهل لبنائهم مسافات بينهم وبين أبنائهم دون شعور.

وهنا تروي لنا أ. أ، معلمة وأم لطفلة، قصتها مع التنمر في الطفولة قائلة: كنت صغيرة الحجم، وشكلي يبدو أصغر من عمري، وهذا جعلني عرضة للتنمر في المدرسة، فأصبح الجميع يبتعد عني، ثم تطور الأمر حتى صاروا يقذفونني بالنفايات، وكنت وحيدة دائمًا، تعرضت للضرب، وسرقة أدواتي المدرسية، وكتبي، ولم يكن هناك اهتمام من قبل المدرسة بالأمر فظلت معاناتي مستمرة، خصوصًا أن أهلي لم يتداركوا الأمر، ولم يعيروه أهمية.

وتكمل: بالطبع كسرني هذا التنمر من الداخل، وجعلني أشعر دائمًا أنني أقل من غيري، وأني أستحق ما أواجهه.

وتضيف أ. أ قائلة: بدأت حياتي تتحسن نوعًا ما في المرحلة الجامعية، لكن بعد فوات الأوان من وجهة نظري، لأني لم أكن أجيد التعامل مع الآخرين، وعانيت من نوبات اكتئاب، وعسر مزاج مزمن، للأسف كان التنمر أحد أهم أسبابها.

وتنهي أ. أ الحديث قائلة: أنا أتعالج نفسيًا من آثار التنمر حتى اليوم، بالرغم من أنه قد مر على تخرجي من المدرسة 10 سنوات.

ما روته لنا أ. أ هو أمر يحدث عشرات المرات كل يوم في المدراس، ويفترض أن يهتم النظام التربوي التعليمي اليوم بتقديم ندوات توعية للطلاب عن التنمر وخطره.

كما روت لنا هـ. ب طالبة بكلية الشريعة والثقافة الإسلامية أيضًا معاناتها مع التنمر وهي طفلة قائلة: حين دخلت المدرسة كان عمري خمس سنوات، واجهت التنمر من الكثيرين، سواء طالبات كانوا أم معلمات، فقد قامت مجموعة من الأخوات بضربي مرارًا وسرقة مصروفي، وبالرغم من أني كنت طالبة مجتهدة إلا أن معلمة اللغة العربية كانت تسيء معاملتي، وحين طفح بي الكيل قررت الانتقام منها ذات يوم برشها بالماء من أعلى المبنى، لا زلت أتذكر كل شيء بالتفاصيل وكأنه اليوم.

وتضيف: لحسن الحظ كان أهلي إلى جواري، ودافعوا عني، وقاموا بنقلي من المدرسة.

ما حدث مع هـ. ب هو ما تحدثت عنه مسبقًا، فالطفل بسبب انعدام خبرته في الدفاع عن نفسه بالطريقة الصائبة أمام أمر كهذا، قد يلجأ إلى تصرفات عدوانية من انتقام وغيره، وهنا ما لم يتدخل الأهل في الوقت المناسب، فإن الوضع قد يزداد سوءًا.

إن التعامل مع التنمر ليس بالأمر الصعب، لكنه يحتاج فقط حكمة وتأنيًا، كل متنمر يختلف عن الآخر، فقد يكون ردك على إهانة شخص لا يجدي نفعًا مع شخص آخر، ويجعله يؤذيك أكثر، وقد يكون سكوتك على إهانة شخص يجعله يتمادى معك أكثر ظنًا منه أنك ضعيف، وهنا يتوجب علينا التأني في اتخاذ الموقف المناسب.

وبالتأكيد أن التعامل مع الإهانة اللفظية يختلف عن التعامل مع الإهانة الجسدية أو النفسية، فلا يمكن مثلًا أن نفكر كيف سنتعامل مع العنف الجسدي!

لأن التعامل مع العنف الجسدي يكون بردعه والدفاع عن النفس قدر المستطاع، وهذا ما قصدته باختلاف التعامل مع كل نوع.

ربما لا ندرك كيف صار بعضنا عدوانيًا إلى هذا الحد، وبلا ضمير، إلا حينما نتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ونتساءل من هؤلاء! وهل هم ضمن عالمنا! وكيف لكل هذا الشر أن يعيش في قلب إنسان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد