من زاوية شرعية، الأرجح أن النسخ المتداولة من البوركيني، أي لباس السباحة الإسلامي المزعوم للمرأة، تخفق في الارتقاء إلى المواصفات التي ينبغي توافرها في حجاب المرأة. فبمجرد أن يبتل، فإنه يُجسّم تفاصيل وانحناءات جسدها، حتى لتغدو أشبه بالفقمة المكتنزة. ويبدو أن الكثير من بنات المسلمين ما يزلن يجهلن أو يتجاهلن الحكمة الأساسية من فرض الحجاب، وهي إخفاء مفاتن المرأة إلى أقصى درجة ممكنة، لتقليص إمكانات التفات الأنظار إليها إلى أبعد مدى. ومن المؤكد أن البوركيني هذا يزيد من احتمالات تفرس الرجال من أصحاب العيون الزائغة في تفاصيل جسد المرأة، التي قد تبدو أوضح بفضل ذلك الرداء المبتدع!

لكن المشكلة لا تكمن وحسب في طبيعة ذلك الزي، وفي مدى انسجامه مع تعاليم الإسلام المتعلقة بحشمة المرأة، بل تكمن أيضًا، وهذا هو الأهم في زعمي، في عدم وعي لابساته من النساء المسلمات بحقيقة وضعهن كمسلمات في المجتمع المعاصر. فارتداء المرأة المسلمة، أو التي تؤكد التزامها الديني للبوركيني، ونزولها للسباحة في أمكنة عامة، يوحي بأنها تظن أن بإمكانها أن تعيش حياة طبيعية تمامًا مثل غيرها من غير المسلمات، أو ممن لا يلتزمن بتعاليم الإسلام، وهذا لعمري وهم كبير كبير كبير.

فحتى تعيش المرأة المسلمة الملتزمة بتعاليم دينها حقًّا حياة طبيعية، لا بد وأن تكون مقيمة في مجتمع إسلامي يفهم ويطبق الإسلام بصورة حقيقية وجدية. والواقع أنه لا وجود لمثل ذلك المجتمع في أيامنا، وكل المجتمعات التي تدعي أنها إسلامية أو تطبق الإسلام، هي في واقع الأمر مجتمعات ضالة منحرفة عن تعاليم الإسلام بهذه الدرجة، أو تلك من الانحراف، هذا إن لم تكن معادية لتلك التعاليم ومحاربة لها من الأساس.

نحن ولا شك في زمن تحققت فيه نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام، فبات القابض فيه على دينه، أي من يحاول الالتزام فعلًا بدينه، مثل القابض على الجمر. فهو سيتعرض ولا شك لما لا حصر له من صور التضييق والنبذ والتهميش والاضطهاد والقهر. وبطبيعة الحال، فإن انشغال المرأة المسلمة بالسباحة، والقلق والتكدر والاحتجاج وافتعال المعارك بسبب حرمانها من البلبطة في الماء، لا يمكن أن يدخل ضمن دائرة المشاغل الجديرة باهتمام المسلمة الحقيقية، وضمن مفهوم القبض على الجمر، في وقت يتم فيه اغتصاب بنات المسلمين وإحراقهن حيات في العديد من بقاع عالمنا المتوحش المعادي للإسلام ولأهله.

ويتصل بذلك أن الدنيا في حقيقتها هي سجن المؤمن وجنة الكافر، كما ورد في أقوال بعض السلف الصالح. وإذا كان هذا المفهوم المعبر عن النظرة التي ينبغي أن يحملها المسلم للحياة الدنيا قد كان سائدًا والإسلام في بداياته وفي عزه، فماذا نقول نحن اليوم والإسلام في أسوأ حالاته وأشدها ترديًا وضعفًا بسبب من يزعمون اتباعه. فهل يمكن للمسلم اليوم، إذا كان مسلمًا فعلًا، أن يعيش حياة سعيدة هنيئة قرير العين مرتاح البال، فيسافر ويصيّف ويسهر ويسبح ويشغل رأسه بمعارك البوركيني والمايوه، بينما يخضع أغلب بلدان العالم الإسلامي لاحتلال حقيقي مباشر وغير مباشر، ويتم قتل وإحراق وأسر وتعذيب واغتصاب الملايين من المسلمين، إناثًا وذكورًا، في كل مكان؟! أهذا هو حقًّا دور المسلم في الحياة؟! ربما يمكن للمرء أن يتساذج ويخدع نفسه، ويفكر ويتصرف كما لو كانت الحياة حلوة ووردية والأمور بخير، فيعيش حياته بالطول والعرض متملصًا من مسئولياته، ومعتبرًا أن أقصى ما يمكن أن يفعله للإسلام والمسلمين هو خوض المعارك الإنترنتية العبثية من قبيل معركة البوركيني، لكنه لن يستطع حتمًا أن يخدع خالقه، الذي خلقه ليختبر صدق إيمانه ومدى استعداده للتضحية، وخوض المعارك الجدية التي عليه أن يخوض غمارها، في سبيل الإسلام والمسلمين!

وتزداد معركة البوركيني سفاهة وتفاهة لارتباطها في الأصل بنساء مسلمات يقمن في الغرب. إذ يبدو أن النساء المسلمات المقيمات في دول الغرب يصدقن ما يشاع عن وجود حرية حقيقية في تلك الدول، وبخاصةٍ للمسلمين! إذا كن يفعلن فتلك سذاجة ما بعدها سذاجة، فالحريات التي يقرها الغرب ويدافع عنها بصدق وحماس هي التي تنسجم في المقام الأول والأخير مع منظومة قيمه وأفكاره وخصوصياته، وأغلب مفردات تلك المنظومة باتت تصب بتصاعد سريع في تيار رفض مفاهيم الحشمة والطهر والفضيلة، بالمعنى الإسلامي لتلك المفاهيم.

ومع أن من الممكن أن تنال المرأة المسلمة شيئًا من الدعم في معركة البوركيني من جانب بعض الجمعيات النسوية أو المعنية بحقوق الإنسان في الغرب، إلا أن ذلك لا يتم حبًّا فيها، وفيما تحاول التمسك به من قيم فاضلة، وإنما يتم سعيًا إلى تبرير الدفاع عن أكثر القيم فحشًا وانحلالًا وابتذالًا، على قاعدة: حرية الإنسان المطلقة في فعل أي شيء وكل شيء. فإذا كان من حق المرأة أن ترتدي النقاب أو البوركيني، وفق طرح مثل تلك الجمعيات، فإن من حقها أيضًا أن تخرج عارية تمامًا على الملأ، دون أن يتعرض لها أحد! والمفارقة أن الكثير من المسلمين التائهين باتوا يتبنون مثل ذلك الطرح السقيم، فيرون أنه لا مشكلة في أن تخرج المرأة عارية، وأن هذا ينبغي أن يبرر للمرأة المسلمة ارتداء النقاب أو البوركيني. جاهلين أو متجاهلين أن الإسلام هو دين المبادئ التي لا تخضع للمساومة والتنازلات، وأن من واجب المسلم أن ينكر كل صور الانحراف والفساد، ولو بقلبه في أضعف الإيمان، لا أن يرضى ببعضها، في مقايضة انتهازية رخيصة، كي يتمتع في المقابل ببعض الحقوق والمكاسب.

لذلك فإن على المرأة المسلمة التي تعيش في الغرب أن تفهم أنها ليست في مزرعة أبيها حتى تفعل ما تشاء، فهي في واقع الأمر مجرد ضيفة ثقيلة، ليست موضع الترحيب الصادق، جعلها إسلامها، حتى وإن كانت من أبناء البلد الأصليين، أهلًا للشبهة وهدفًا لسهام الترصد والتربص. والواقع إن من الصعب لوم دول الغرب كثيرًا على ذلك، فللقوم قيمهم ومعاييرهم وأنظمتهم، التي قد تكون في منتهى الشذوذ والانحطاط والتناقض، إلا أنهم أحرار بها، ومن العته محاولة فرض قيمنا ومعاييرنا عليهم، ونحن نعيش تحت حمايتهم وفي كنفهم. فإذا كانت الدول التي تسمي نفسها مسلمة تتفنن في محاربة الإسلام وتعاليمه، فهل نفر منها، ونحاول الاستقواء على الدول الغربية التي تقبل باستضافتنا، مستغلين هامش التسامح الذي تتيحه تلك الدول؟!

إذا كان من الصعب على المسلمين المقيمين في دول الغرب العودة إلى دولهم «الإسلامية»، كي يقلبوا الدنيا فوق رؤوس الأنظمة المنحرفة في تلك الدول، التي تحول دون تطبيق الإسلام، وتطبق نسخًا زائفة مشوهة منه، فإن عليهم ألا يثيروا المشاكل في الدول الغربية التي آوتهم ومنحتهم قدرًا من الأمن والاستقرار، يفوق بكثير ما وجدوه في بلدانهم الأصلية من أمن واستقرار. ومن أرادت أن تستجم وتسبح، فلتسبح في بانيو بيتها، ولترحم أمنا من إثارة مشكلات ومعارك تافهة، فلدى المسلمين ما يكفي من المشكلات والمعارك الخطيرة والجسيمة، التي تستدعي التفكير والمواجهة والانتصار.

منوهًا بأن وداعة المسلمين في دول الغرب وابتعادهم عن إثارة القلاقل لن يفيدهم كثيرًا، لكنه سيؤخر نكبتهم فقط. فالحرب الشاملة الكبيرة بين الإسلام والغرب، التي نرى بعض مقدماتها في أيامنا، حتمية وقادمة لا محالة، عاجلًا أم آجلًا. وسيأتي اليوم الذي يتم فيه تعرض المسلمين في الغرب، وفي كثير من بقاع الشرق أيضًا، إلى ما لا أريد تخيله من صور الإبادة والحصار والإذلال، لمجرد أنهم مسلمين، إلا إذا تنصلوا تمامًا من انتمائهم للإسلام، شكلًا ومضمونًا، وأبدوا استعدادهم العملي لرفع البنادق في وجوه إخوتهم المسلمين! وإن غدًا لناظره لقريب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد