كان أحد الأصدقاء قد سألني عن حكم الحرق بالنار (والمقصود هنا ما تم في حق معاذ الكساسبة): وأنا هنا أرد أو أكتب كطالب علم له نظر في الشرع:

 

بسم الله:
أولا هناك قواعد وأصول لا يمكن تركها والتمسك بأي فعل آخر سيما لو خالف قول أو فعل أو تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو فعله صحابيّ أو كان حتى من الخلفاء الأربعة. ومن المعروف دائما أن المتشابه يرد إلى المحكم. وأن كلا يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم. وأن اتباع الخلفاء الأربعة يكون في اتباع طريقتهم في اتباع رسول الله، وليس في إحداث منهج جديد أو طريقة جديدة غير التي أقرها رسول الله، لأنه لو حدث واتبعناهم في الجديد لكان دين جديد غير الذي أتى به رسول الله. وإن قول الصحابي أو فعله لا يخصص قول النبي أو فعله، بل هو اجتهاد منه يقبل أو يرد.

 

ومن قواعد النهي الثابتة في الإحراق بالنار قوله صلى الله عليه وسلم: وإن النار لا يعذب بها إلا الله. كما عند الإمام البخاري رحمه الله. فلو قال قائل ولكن ما فعل كان قصاصًا من رجل أحرق أناسًا فوجب القصاص والله عز وجل يقول في سورة النحل: “وإنْ عاقبتم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به”.

 

نقول له: أولا القصاص فيمن باشر الحرق بنفسه (وهو كمثل رجل جاء إلى قوم فأحرقهم بالنار على وجه الحقيقة وهو أمر مختلف جدا عن أن تقصف أحدًا فتصيب غيره أو تحرقه بغير عمد أو قصد للحرق بعينه، بل كان الحرق نتيجة للقصف وليس الحرق مقصودا بذاته).

وأنا هنا بالطبع لا أدافع عن جريمة معاذ الكساسبة وهي قصف أبرياء فقتلهم بداعي محاربة تنظيم الدولة رغم أن قواعد بشار الأسد أقرب إليه وأوضح مع التوضيح أن الدواعش هم أوضح الناس خلقا وعملا بوصف الخوارج. ثم إن القاعدة هذه: (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) ليست على إطلاقها أبدا!

فمثلا لو أن عدوًا جاء إلى بيت أحدهم فاغتصب زوجته وحرق بيته وقتل أطفاله ثم تمكن من القبض عليه، وكان هو وأهل بيته وأولاده وبيته تحت أيدينا، فهل يكون القصاص أن تحرق بيته وتقتل أطفاله وتغتصب زوجته قصاصًا؟! ولو أن رجلا اغتصب طفلة وقتلها بهذا الاغتصاب، هل يغتصب حتى يموت قصاصا؟ لا يمكن لأنه لا مثلة في حرام.

قال الإمام الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار: “وهذا إذا كان السبب الذي وقع القتل به مما يجوز فعله لا إذا كان مما لا يجوز، كمن قتل بإيجاره الخمر أو اللواط به”. ج7 ص 21

 

وقال الإمام ابن قدامة رحمه الله: “وإن قتله بما لا يحل لعينه مثل أن لاط به فقتله أو جرعه خمرا أو سحره، لم يقتل بمثله اتفاقًا”. المغني ج9 ص 391

وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: “فإن كان الفعل حرما لحق ﷲ كاللواط وتجريعه الخمر، لم يفعل به كما فعل اتفاقًا”. إعلام الموقعين (ج1 ص 327) لكن القصاص أن من قتل بالسيف يُقتل بالسيف، ومن قطع أنفًا تقطع أنفه وهكذا.

 

أما قصاص النفس فهناك رأيان، الأول يقول أن من قتل نفسا بأي وسيلة كانت يقتل بالسيف فقط وهو قول الحنفية والحنابلة في رواية المذهب. والقول الثاني يقتل بمثل ما قتل به وهو قول الجمهور، وهو خلاف القتل بما لا يحل كالإحراق بالنار.

واختتمت الآية بقوله عز وجل: “ولئن صبرتم لهو خير للصابرين” ( 126 ). ثم إنهم يقولون أنهم ما قتلوا الكساسبة إلا قصاصًا وأن من أحرق يحرق؟!

لكن لم يخبرنا الدواعش وهم يقطعون رؤوس مجاهدين وحقوقيين وإعلاميين تعاطفوا وساندوا وقاتلوا من أجل الشعب السوري أي رأس قطعوا كي يقطعوا رؤوسهم قصاصًا، أم أن قطع الرأس لم يكن قصاصا هناك بل هواية؟!

ثم قالوا ومن أجل أن الكساسبة نال قصفه أطفالًا ونساءً وشيوخًا!

لكن ألم يخبركم أحد يا معشر الدواعش أن عرباتكم المفخخة وعملياتكم الانتحارية ضد مجاهدين في صف آخر قتلت أطفالًا ونساءً وشيوخًا ونالهم من القصف بالقدر الذي نال من استهدفتم؟!

أما عن التعاطف فسوف تجده في كل الصفوف؛ صفوف أهل الحق وصفوف أهل الباطل والذين هم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. كان أولى بمن أخرج معاذ لقصف داعش (وقتالها مطلوب دون قتل الأبرياء أو تحت راية من يقتلوننا ليل نهار ويغتصبون نساءنا ويهلكون الحرث والنسل) أن يخرجه لما أحرق محمد أبو خضير في الضفة الغربية على يد داعش الكبرى (إسرائيل) أو يخرجه لما أحرق الناس أحياء وعذبوا في سلخانات أبو غريب وبإجرام على يد (ماما داعش (أمريكا).

 

والفرق بين داعش والتحالف وسلطات القمع هي الوسيلة القاتلة ومدى قدرتها على التدمير. وإن داعش والسلطات القمعية وجهان لعملة واحدة؛ كلاهما يقتل ويحرق ويستخدم أقذر وسائل التعذيب، وفي كلا الطرفين هناك مؤيد ومشرع وممول ومنفذ ومببرات واهية.

 

وهناك سوقة يهتفون على ما لا يعلمون، ويسقط بينهم ضحايا يقتلون بغير وجه حق، وآخرون يستحقون العقاب. وملخص هذه الحرب القذرة أن كلا الطرفين هم عبارة عن مجرمين يقاتلون مجرمين، وعند العقاب ينادون جميعا ربنا الله! وختامًا: لا الكساسبة بطل ولا داعش مقاتلون على سنة الله ورسوله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد