أخبرتكِ أننى لم أعد أخاف شيئًا، لكننى الآن خائف وجسدى كله يرتجف، الطرقات على الباب تزداد حدة وعنف، لحظة واحدة، إذا كانوا قد جاءوا لقتلي، فلماذا قد يضطر أحدهم لطرق الباب، أليس بإمكانه تحطيمه تمامًا؟ قد يفرغ  بعض الطلقات في الباب، ثم يحتفظ بالباقى ليفرغه في جسدي.ألم يعلن زعيمهم أنه يمتلك مستشعرًا يكشف عن القلوب الغاضبة المتمردة، وكلما زادت الإشارة المنبعثةمنك،كلما زادت فرصة إعدامك أسرع من ذي قبل!

رجل أشيب الشعر يتصبب العرق من جبينه، وبجواره امرأة ترتدي حجابًا، ويبدو على وجهها أمارات الخوف والفزع، وخلفهم فتاة ملامحها توحي باللاشيء. تبدو كطفلة كبيرة في الثالثة عشر ربما.

ــ نحن آسفون، ولكن المنزل الذي الذي نسكنه تعرض لإطلاق نار كثيف، فبعد أن هدأت الأجواء فررنا منه، هل بإمكاننا أن نبقى لديك بعض الوقت؟

ـ تفضلوا.

من جديد أرى نفسي غبيًا، الإضاءة دليل على الحياة والحركة، كان يجب أن أترك العتمة تحيط المكان، تكفينى شمعة أكتب عليها رسالتي، لماذا ألقي باللوم على نفسي؟ لأن أحدهم استغاث بي؟ لأن أحدهم  طلب نجدتي؟ أم لأنني أشعر أنني أضعف من أن ألوذ عن نفسي حتى يتعلق بي آخرون؟

صوت انفجار شديد يهز الأرجاء بالقرب من هنا، صرخت الأم صرخة مروعة، واحتضنت ابنتها التى انهارت بالبكاء، فكسرت حاجز الصمت الرهيب المؤلم الذي تحيا بداخله. الرجل يتمتم بالدعاء صامتًا هادئًا رابط الجأش، يخشى أن يظهر خوفه أمام زوجته وابنته، يرى في نفسه حائطًا دفاعيًا أخيرًا، ربما لا يقوى على الوقوف، ولا يحتمل، لكنه يستجمع ما تبقى من طاقته ونفسه للبقاء شبه قوي.

«حكت سابينا أن والدها عزت بيجوفيتش كان حينما تبدأ الغارات الصربية يطمئن على نزول الجميع إلى المخابئ تحت الأرض، ثم يذهب إلى مكتبه يجلس ليقرأ في المصحف، لم تستطع سابينا أن تفسر ذلك، ولم تفهمه، لكن التفسير هو أنه كان يستشعر وجود  الله في كلامه وكتابه، أليس المرء يحدث الله ويطمئن بوجوده إذا قرأ كتابه».

صوت انفجار آخر.. ازداد نشيج الفتاة، وتمسكها بعناق أمها، وازداد توتر الرجل، وازداد اهتزاز شفتيه. لو أن لى أحدًا أعانقه،وأخبره أننى منهك حد الموت، لا أقوى ولا أقدر على شيء. تلك الفتاة التي استحال بكاؤها نشيجًا عندما رأيتها في المرة الأولى، شعرت أنها ربما فقدت قدرتها على الإحساس، وإدراك الواقع، لكنها الآن أعلمتنى ببكائها أنها كم تشبهني، حينما يجتمع الحزن والبكاء والخوف واليأس يعجز الوجه عن التعبير، بإمكانك حينها أن ترى مزيجًا جديدًا لا ملامح محددة له. تظن أنه لا شيء، لكنه في الحقيقة كثير من الأشياء التي تتصارع وتعتمل في النفس.

أتيت بدورق الماء وبكوب فقدمته للرجل، أمسك به، ويده ترتجفان فشرب كل ما فيه، صببته مرة أخرى، وقدمته للمرأة فقدمته لابنتها، شربته على مضض، وكأنها لا تستطيع ابتلاع الماء.

فى تلك اللحظة اندفعت طلقات الرصاص مخترقة زجاج النافذة، كانت ردة الفعل تلقائية حينما اندفع الجميع نحو الأرض وسقط الدورق متحطمًا، ضمت الأم ابنتها، وسعى الرجل نحوهما، وكأنه يريد أن يبنى حولهما جدارًا حديدًا، لكن ذلك في الحقيقة لن يحدث.

هذه المرة نوبات الخوف قد طالت مدتها هذه المرة، ولا أعرف متى ستنتهي، كم أتمنى أن يكون لدي سلاح؛ فأفرغ ما فيه في رؤوسهم القذرة.

نطق الرجل وقد خرجت الكلمات من فمه مرتعشة : أعتقد أننا يجب أن نرحل من هنا، قام من مكانه واصطحب زوجته وابنته اللتين قامتا يجران أقدامهما على الأرض جرًا، واتجهوا نحو الباب، ناديت عليه، انتظر سآتي معكم؛ حتى نحاول الوصول إلى مكان آمن.

قلت ذلك، وأنا أعرف أن هذا من دروب المستحيل، من هو ذلك الخفي الخارق الذيأستطيع أن يخترق الحصار العسكري المفروض على المنطقة،أمسكت بمعطفي الصوفي القديم وارتديته، بدوت ككل المحطمين الذين لفظتهم المعتقلات المتكدسة، تلك التي فرغت من المحترقين القدامى، فقررت أن تلفظهم لتأتي بجدد فتحرقهم، صورة أشبه بنطاق يوتيوبيا الذي تعرفه، محترقون ومترفون . آخر مرة ارتديت فيها ذلك المعطف كان يوم تشييع الجثمان ليواريه الثرى.

خرجنا من المنزل، لا أعلم من أين أتاني ذلك الهاجس، لكنني حاولت التدقيق مرة أخرى في وجه الرجل لأتأكد إن كنت أعرفه من قبل أم لا، لكننى لا أذكر أننى رأيت ذلك الوجه قبلًا.

الشارع هادئ بشكل مخيف، ليس هناك أي مصدر إضاءة على مدى البصر، سوى القمر، ومصباح قديم معلق بجوار أحد المنازل.

عند نهاية الشارع دوي صوت الرصاص من جديد،بحثنا حولنا عن مكان من أجل الاختباء، هناك على اليسار باب مفتوح، باب ذو قضبان حديدية متشابكة تشبه بوابة القفص الكبيرة.

دخلنا البوابة فكان المكان مظلمًا، على يسارنا سلم يقود إلى أعلى، حيث هناك مصباح يبعث نورًا، انفجار آخر دوى، لكن صوته كان بعيدًا هذه المرة، كل ذلك كان كفيلًا بأن تفقد الفتاة وعيها، حملها أبواها، كما تمكن لهم، وصعدنا السلم، أتعرفين بعدما صعدنا ماذا تبين لنا؟ نحن في سجن الضاحية.

لطالما كنت أتفاخر بذاكرتي، كنت أتفاخر أن رأسي تحفظ سجل الأحداث بترتيبها التاريخي وأشخاصها ومكانها، أنا الآن لا أذكر شيئًا! لا أذكر المكان الذى قضيت فيه ثلاثة وأربعين يومًا من الاعتقال، مكتب على اليسار، وآخر على اليمين، يتبع ذلك بعض الزنازين الحديدية، هناك فى آخر الممر منعطف نحو اليمين، وآخر نحو اليسار، يحددهما  بوابة حديدية لست أتبين معالمها، ليس هناك إضاءة كافية في الممر، فى داخل المكتب أريكة جلدية سوداء، وأمامها مكتب ودولاب به العديد من الملفات، جلسوا على الأريكة، لكننى لم أستطع فعل ذلك،أذكر رائحة ذلك المكان، دخلته وعيناى مغلفة برباط أسود لا يظهر ما خلفه، بدأت ذاكرتي تسترجع تلك الرائحة جيدًا، هناك على المكتب فوق الجدار صورة القائد الزعيم تشغل الحائط، صورة مقبضة، تشعر أن صاحبها ينظر لك فيخترق نفسك، لو أنك من أصحاب الفطرة السليمة لكرهت الصورة وصاحبها للوهلة الأولى.

هناك على اليمين نافذة تطل على الشارع وبجوارها  لوح كرتون مقوى عليها صورة الزعيم وأسفلها التقويم «23 يونيو (حزيران) 2025»  لم  أكن أعرف أننا وصلنا حتى ذلك التاريخ، أنا حتى لا أذكر متى كانت أخر مرة سألت فيها عن التقويم وترتيب الأيام.

تركتهم وخرجت من المكتب لأسير في الممر، أذكر رائحة ذلك المكان، هنا طلب مني أن أخفض رأسي؛ لأننا في مكان منخفض، كان جسده يرتجف، لكنى لم أكن أعرف السبب. الآن فهمت أنه كان يضحك في نفسه.

هناك فى آخر الممر بوابة حديدية عند نهاية المنعطف الأيمن، ليست مغلقة، وليست مفتوحة حتى آخرها، الفضول ليس دائمًا أعمى، ليس من الضروري أن يقودك الفضول إلى الموت محترقًا، لكنه قد يقودك إلى معرفة غالية قد تكلفك حياتك.

وصلت إلى هناك! أنها ليست بوابة غرفة، بل إنها تؤدى إلى سرداب سفلي، لماذا قد يحتاج هؤلاء إلى سرداب سفلي؟

عدت إلى المكتب فوجدت الأب والأم وابنتهما قد غلبهم النعاس، الاحتراق النفسي الذي تعرضوا له يحتاج إلى النوم أسبوعًا كاملًا قد يستفيق المرء بعدها، وقد لا يفلح في ذلك.

وجدت على المكتب كل ما أحتاجه، كشاف يد وميدالية بها العديد من المفاتيح،هناك معرفة جديدة أنا بحاجة لها، بحاجة لأن أراها بأم عيني، بدلًا من أن أسمع عنها من القصص والحكايات، هذه هي التكاليف التي قد يدفعها المرء؛ ليعرف بعدها إن كان هناك ثمة قيمة للبقاء حيًا أم لا؟ سأنزل السرداب ولم لا!

يتبع,,,,

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد