تطالعنا الصحف المصرية بالعناوين الموحدة الرنانة صبيحة المؤتمر الاقتصادي: (مصر تستيقظ).ترددها وكأنها جميعا مُردِدَات في كورال واحد، يكرر عبارة مصدرها واحد: قائد أوركسترا النشاز المصري: عبد الفتاح السيسي. وها قد فتح الله عليه وتمكن بأسلوب الشحاذة الذي تفنن فيه في المؤتمر، ضاربا عرض الحائط كرامة الشعب المصري، الذي أودع رئيسه المنتخب في السجون، وأخذ يترجى بذل من لديه أموال زي الرز، ويقول: (عشان ربنا كم مليون).

يحق للسيسي أن يحب المال ويطلب المزيد منه: فالأموال التي هي زي الرز، هي من جعلته رئيسا وذهبت بالديمقراطية والثورة إلى الجحيم، وأودت بخيرة شباب مصر إلى القبور أو السجون أو دفعتهم للانتحار قهرا. بالتزامن مع هطول (مطر الرز) عفوًا الأموال على السيسي، يصدر القضاء المصري حكما على محمد بديع المراقب العام للإخوان المسلمين بالإعدام. تزامن الحدثين في الوقت الذي أخذت فيه صور السيلفي الملتقطة من الشباب اللذيذين المبتسمين مع السيسي ضجة إعلامية كبيرة: فقد اهتمت وسائل الإعلام الرسمية بالصفحات الشخصية لملتقطي السليفي مع السيسي، على منصات التواصل الاجتماعي، وجعلتها شغلها الشاغل.

في ذات الوقت يظهر أحد الإعلاميين المصريين، الذين اعتادوا دائما أن يفاجئونا بالجديد على شاشات الفضائيات. هذه المرة يظهر وهو يمارس دور الست المبروكة، في حلقات الزار الشهيرة، ويلف بالمبخرة أمام المشاهدين. نعم، فمصر تحتاج لأن تبخر من العين والحسد، على حكم الوسيم المحبوب وارث الأنبياء، ومحبوب النساء، وبطل السيلفي الذي ينزل عليه المال كالرز من السماء. مصر بحاجة لأن تبخر من العين؛ بعد أن أصبحت أقسام شرطتها مراكز لاغتصاب النساء والرجال والأطفال.

مصر بحاجة لأن تبخر وخيرة شبابها: إما شهيد، أو معتقل في السجون، أو صامت مقهور، أو منتحر بعد أن ضاقت به الأرض فبحث عن حريته في السماء. مصر بحاجة لأن تبخر من رجس هذا الإعلام الذي يعمل كالفرقة المجوقلة، للدولة العميقة، وأجهزتها القائمة على الفساد والقمع والمحسوبية، وجل همها ملء جيوب أصحاب الكراسي بالمزيد والمزيد من الأموال، وبناء المدن الاستثمارية، والمشاريع العقارية، التي يسكن أغلبها أصدقاؤهم من اللصوص الآخرين.

ولا بأس فلتبق البقية الباقية من الشعب المصري محترقة في جحيم القمامة والقاذورات، والسكن العشوائي، والخبز أبو حجر، والمدن المخالفة التي بنيت على صفيح ساخن، تغلي تحته كل أمراض وأوبئة المجتمع من مخدرات، ودعارة، وسرقة، وقتل. لا بأس أيضا فلنبقِ الفقراء منشغلين بجمع طعامهم من القمامة، أو بالبحث عن فتات موائد الأغنياء، وبالركض وراء شهواتهم أو تخدير أنفسهم عن واقع الجحيم الذي يعيشونه.نعم، نعم، بخروا أنفسكم أيها المصريون، وتأكدوا أن كل هذه الملايين ماهي إلا سراب خادع ولن تصب إلا في جيوب مستغليكم من لصوص الوطن، وأعداء الحرية، ليزداد الظالم وأعوانه غنى وطغيانا ويزداد الفقراء انسحاقا.

ولابد يوما للمظلوم أن يثور على ظالمه مهما طال الزمن، فلتبخروا ُجزُرَكم المنعزلة يا لصوص الوطن؛ حتى يأتي يوم يأكلكم فيه الجائعون والمقهورون والمظلومون. قد تنبأ بهذا أحد الكتاب في رواياته، وما أظن إلا أنه أصبح واقعا وشيك الحدوث. فلتبخروا أنفسكم أكثر وأكثر، فلهيب الصفيح الساخن سيغلي تحت أقدام المظلومين لينسف مدن الهواء التي تبنون ويحولها إلى رماد تذروه الرياح .. لتتبخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد