منذ اندلاع مسيرات العودة الكبرى في 30 مارس (آذار) من العام الجاري، تنوعت وسائل الثورة الشعبية وأساليبها التي يستخدمها المتظاهرون ضد قوات الاحتلال الصهيوني على خطوط التماس بمحاذاة الحدود الشرقية لغزة، لكن كان آخر إصدار طوره وأبدع به الثائرون هي الطائرات الورقية، والبالونات المحملة بشعلة من النيران ذاهبةً باتجاه أراضينا المحتلة في مستوطنات غلاف غزة، التي هزت أركان الكيان الصهيوني وأجهزته العسكرية.

 

ففكرةُ الطائرات الورقية الحارقة تقوم على تذييل تلك الطائرات بشعلٍ نارية، ومن ثم تحملها الرياح فوق المواقع العسكرية والأحراش والأعشاب الجافة، وبعد أن تصل المكان المُحدد يفلتها الشبان، فتأتي على الأعشاب في المكان مسببةً حرائق واسعة.

ولم نكن نتصور أن بعض طائرات ورقية بتكاليف قليلة تكبد الاحتلال الصهيوني خسائر فادحة من جراء سقوطها على مناطق غلاف غزة، وفي جلسة سابقة لحزب كولانو الصهيوني أعلن وزير المالية الإسرائيلي موشيه كحلون «أن حجم الخسائر بسبب الطائرات الورقية التي تطلق من غزة يقدر بأكثر من 7 ملايين شيقل حتى الآن»، إضافة إلى خسائر اقتصادية للمستوطنين المزارعين التي أصبحت أراضيهم غير قابلة للزراعة، وتحتاج لعشرات السنوات حتى تعود لطبيعتها، مما أجبر غيرهم من المستوطنين التي لم تطلهم النيران إلى حصد مزروعاتهم قبل موعد النضوج السليم خشية تكبدهم خسائر جديدة بسبب الحرائق التي تسببها هذه الطائرات.

وأثارت هذه الأداة البسيطة جدلًا واسعًا بين سكان غلاف غزة الذي باتوا يستيقظون على رائحة ألسنة الحرائق، مما دفع رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى خصم التعويضات التي ستدفعها إسرائيل للبلدات الإسرائيلية المتاخمة لقطاع غزة من جراء الحرائق التي تسببت بها هذه الوسيلة الثورية من عائدات الضرائب التي تجبيها للسلطة الفلسطينية.

ولم يتوقف نتنياهو عند هذا فقط، بل اعتبر أن مطلقي الطائرات الورقية والبالونات الحارقة إرهابيون، وبناءً على هذا سيتم التعامل مهم، وفعلًا لم ننتظر طويلًا حتى بدأت طائرات الاحتلال بدون طيار باستهداف مطلقي الطائرات الورقية لخلق نوع من الترهيب؛ ظنًّا أنهم سيمتنعون عن إطلاقها، وفي وقت سابق أعلن جيش الاحتلال تشكيل وحدة خاصة في مكافحة ظاهرة ما يسمى بالطائرات الورقية الإرهابية، وذلك في ظل الخسائر والمخاطر الكبيرة التي تمخضت عن هذه الظاهرة، وتتكون هذه الوحدة من جنود الجيش الإسرائيلي وجنود من وحدات الإطفائية.

لكن مع كل هذه التصديات والمحاولات الصهيونية ضد مطلقي الطائرات الورقية والبالونات الحارقة لم تزحزح همة الشباب الثائر، بل زادت حدتهم بتطوير عملهم من خلال تنظيم هذا السلاح الذي جن الاحتلال منه من خلال تشكيل وحدة خاصة باسم «أبناء الزواري».

ومع الوقت شكلت الطائرات الورقية معادلة جديدة على الساحة الغزية؛ بسبب زيادة رقعة الحرائق واشتعالها في مستوطنات جديدة داخل غلاف غزة، جعل من الاحتلال الصهيوني يرد بقوة على اشتعال آلاف الدونمات باستهداف المواقع المقاومة الفلسطينية داخل القطاع، وتجديد الإغارة على مطلقي الطائرات الورقية من خلال صواريخ الطائرات بدون طيار، فليس من المعقول أن طائرة ورقية لا تبلغ تكلفتها دولارًا واحدًا يرد عليها الاحتلال بصواريخ تبلغ تكلفتها آلاف الدولارات.

بالفعل شكلت الطائرات الورقية والبالونات الحارقة كابوسًا يكتظ بالنيران في ذهن نتنياهو كل يوم، وفي منامه الذي بدأ يثير غضبه باحثًا عن حل جذري يقضي على هذا الأسلوب الذي بات عاجزًا عن مواجهته، لكن على الصعيد الآخر هنالك من يجهز ويعد ليل نهار طائرات ورقية وبالونات حارقة جديدة تهيج النيران في مئات الدونمات في أراضينا المحتلة، فيا ترى هل سيتسع مدى نطاق الطائرات الورقية؟ وهل ستنتقل إلى الضفة الغربية؟ وما الجديد لدى الاحتلال لمواجهتها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد