كثيرة هي المفاهيم الخاطئة التي أصابت وجدان وعقل الأمة، ومنها ما ترسخ خطأ في أذهان الكثيرين أن السياسة والفضيلة لا يجتمعان في صدر امرئ أبدا، فلا يتصور لسياسي ان يكون من اصحاب المثل أو اهل الفضائل والأخلاق، و لا يعقل أن يخوض غمار السياسة صاحب خلق.

فهل تنسحب هذه القناعة على رجل الأعمال؟ بمعنى آخر: هل في دنيا الاعمال أخلاق وفضائل، ومثل عليا؟  وهل يمكن لرجل الأعمال أن يكون ذا خلق وفضيلة ومبادئ؟

وللإجابة على هذا السؤال الذي أضنى الكثيرين، دعونا نسترجع مشاهد يفخر بها التاريخ، من هذه المشاهد:

مشهد وقفت الدنيا أمامه مشدوهة!

هناك ، بعيدًا جدًا، في بقاع لا تعرف لغة العرب، ولم تسمع عن رسول بعث فيهم، ويفصلها عن مهبط الوحي ومنطلق الدعوة آلاف الأميال، بحار ومحيطات، وجبال وسهول، يبهرك مشهد عجيب لأمم كثيرة بدلت دينها وتخلت عن مقدساتها حرة مختارة، وارتدت بكل أريحية ثوب دين جديد، لم يألفوه، وعبدت ربًا لم يعرفوه، إلا من خلال ممارسات تجار ورجالات أعمال جسدوا الفضيلة، والخلق، والمثل العليا، في أبهى حللها. أيها السادة! لقد غير التجار المسلمون «رجالات الأعمال المسلمين» خريطة الأديان في منطقة جنوب شرق آسيا لمصلحة دين الله الذي أرسل به رسوله الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان رجل الأعمال (التاجر المسلم) داعية لدينه، ليس من خلال إحسان المقال، وحسب، لكنه أضاف إلى ذلك كمال الأخلاق وجمال الفضائل.

إن هذه القافلة العظيمة من رجالات الأعمال المسلمين، والتي كان في مقدمتها أحد العشرة المبشرين بالجنة سيدنا «عبد الرحمن بن عوف»، والذي كان ملياردير بمقاييس عصرنا». هي قافلة لعظماء من هذه الأمة، فهموا دينهم الفهم الشامل؛ فجعل هذا الفهم منهم دعاة للدين، وممثلين رسميين عنه، بفعالهم. ومتحدثين رسمين له، ليس من خلال عذب الكلمات، بل من خلال رائع الصفات. متواصلين مع العالم من خلال لغة يجيدها كل البشر، مهما تباعدت جغرافياتهم، واختلفت ملامحهم، وتعددت لهجاتهم، إنها لغة الأخلاق.

لقد كسب رجالات الأعمال المسلمين قلوب زبائنهم قبل أموال جيوبهم، لقد كانوا مثلًا عليا في الوفاء والأمانة والوضوح والصراحة، وقبل ذلك ومعه و بعده، التزام بأداء شعائر دينهم، لا يثنيهم عن ذلك شاغل، أو تصرفهم عنه صفقة، مهما علت أرقامها، وكيف لا؟ وقد سمعنا ربنا عز و جل يقول في حقهم «رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ» فإذا ذكروا الله وأقاموا صلاته انطلقوا عاملين محسنين مبدعين رابحين مطبقين لقول سمعوه من ربهم «فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله».

لكن هذه القافلة العطرة تأثرت كثيرًا في عصورنا الغابرة والمتأخرة؛ فلقد أيقن أعداء أمتنا «منافقو الداخل وذئاب الخارج» أنهم لا قبل لهم بجندها؛ إذا نازلوهم في ميادين القتال والشرف؛ فتجهزوا بمعاول هدم؛ يريدون نقض صرح أخلاقها، وتجريف شخصيتها التي قامت على الخلق والمثل والفضائل، ثم انتبهوا لما هو أخبث من ذلك. فكان ما كان من اللعب على تعديل جينات الأخلاق وموروثاتها، والتي تحفظ على الأمة موروثها الأخلاقي، وتضمن انتقاله من جيل إلى جيل، فنتج عن ذلك طفرات أخرجت لنا أجيالًا، هي مسوخ، لا هي تحمل أخلاق أسلافها، ولا تفهم كنه دينها وقيمة الأخلاق فيه؛ فصرنا لا نستغرب أن تسمع عن رجل أعمال صيني يحكي، متعجبًا، عن نماذج من هذه المسوخ التي أضحت تمثل الأمة، كرجال أعمال، ولا تحمل من الإسلام، إلا شرف الانتساب إليه، «يطلبون مني أن أضع علامات تجارية شهيرة على منتجات، يطلبون شراءها مني… ثم يشترطون علي ألا أستضيفهم إلا في مطاعم تقدم الطعام الحلال«.

إنه الفصام الشائن، والفهم المغلوط لدين الله، والاتباع المنقوص لسنة الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ والذي قال «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».

فاستخدم جزاه الله عنا وعن الأمة خيرًا أسلوب الحصر والقصر، فما أعظمها من بعثة، وما أرقاها من مهمة!

إن الأخلاق – أيها السادة- لغة عالمية يفهمها كل البشر، ودنيا الأعمال مليئة بالمغريات والرغبة الجامحة في تحصيل الربح السريع والكبير، وتحت ضغوط المغريات والرغبات قد يتخلى البعض ويسقط سريعًا في ميدان الأخلاق والمثل والمبادئ.

والدين كان ولا يزال هو الحصن الحصين والدرع المتين الذي يحفظ حامليه حين يحمي وطيس صراع قديم حديث بين الانخلاع من الأخلاق والمثل لصالح تحصيل ربح وترويج سلع. أم الإبقاء على ثوب الخلق، حتى ولو صاحب ذلك فوات فرص أو غياب ربح.

وأي دين أعظم من دين قال الرسول الذي بعثه الله به، وختم به المرسلين، زعيمنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه سيدنا أبو سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء»، فأي شرف أعظم من شرف النبوة والشهادة والصديقية حازه تاجر بصدقه وحسن خلقه.

لقد علم الإسلام البشرية أن للمقاتلين في ساحات القتال أخلاق، وأن للتجار في أسواقهم أخلاق، لسنا في معرض الخوض في تفاصيلها الآن.

«لقد تعلمنا من رجال العدالة والتنمية أنه يمكن لرجل السياسة أن يكون رجل مبادئ وأخلاق»

كان هذا «مانشيت» لجرائد فرنسية مقتبسة من حوارهم مع الشركة الفرنسية التي نفذت مشروع مترو أسطنبول زمن أوردغان، حين كان رئيس بلديتها، ورفض رشوة بالملايين، وطلب منهم أن يتم خصمها من السعر النهائي للتنفيذ.

لطالما انتظرنا أن تزدان صحفنا بشواهد وحكايات ومانشيتات، أمثال «لقد علمنا رجال الأعمال المسلمون أنه يمكن لرجل الأعمال أن يكون رجل مبادئ وأخلاق». وحتى تكتحل عيوننا برؤية أمثال هذه الأخبار، لكم مني أزكى تحية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد