في الصالة يجلس أبي مسترخيًا مستمعًا إلى أم كلثوم مدندنًا معها حينًا وصامتًا حينًا ومن حوله يتناثر أبناؤه، أما عن أبنائه فهم كتبه، وزجاجة ماء ساقعة، وأشرطة من أقراص عديدة يأخذها منذ فترة ليست بالقصيرة أو بالأحرى تأخذه الأقراص منذ فترة ليست بالقصيرة، هذا عن أبي،أما أنا فأحدثكم عن أمي، فهي في هذه اللحظة أؤكد لكم أنها في المطبخ تتصبب عرقًا.

سنتان أو أكثر، ذلك عندما قادتني رغبتي أو فراغي أو في الغالب قادني الملل إلى التزاحم بين كل هذا الضجيج اللذيذ، ضجيج يحوي بين ثناياه العديد من الروائح الملهمة المبهجة،ضجيج يحوي الكثير من الألوان المشرقة، سنتان منذ دخولي عالم المطبخ.

 بالطبع يا صديقي أنا لست طباخًا لكنني لا أكترث بذلك.

 أمي كيف لها ذلك يا إلهٰي؟! أتساءل من أي رحم ولدت، أتوقع أنها كانت تنام ما بين أنسجة من التوابل، تتكأ على عضلاتٍ من الخضراوات، وربما تسبح بين كرات من الأرز والمعكرونة عندما كانت جنين، لذلك كان بديهيًا جدًا ولادتها بين أسوار المطبخ.

 أبي ربما يقيم احتفالا لمدة يومٍ أو أكثر عندما يخلق لنا صينية بطاطس باللحمة من العدم،كان يجعل من يوم دخوله إلى المطبخ عطلة رسمية لكل أفراد المنزل، أتساءل لماذا مرت وتمر كل تلك الأيام بل السنوات عادية عندما تصنع لنا أمي كل يومٍ -عدا يوم الاحتفال- ما لذ وطاب؟!!

 أمي كانت كلما تبدع لنا طعامًا تذكرني دون قصدٍ بجمال الكون و قدرة الخالق، لكنني ومنذ سنتين أو أكثر أشعر أنها افتقدت لشيءٍ منها، ربما ما عاد يغريها المدح، لكنها لم تكن تظهر لنا أصلا اكتراثا بذلك، ربما ما عاد يعنيها النجاح،أو ربما الشغف، أشعر بذلك عندما أقف معها و أجدها تلقي بالمكونات في الأواني دون اكتراث، أشعر بذلك عندما أراها لا تهتم كثيرا بالشكل النهائي للإناء، أشعر بذلك عندما أراها تخشى أي إضافة جديدة لطعامها، تشبه وكأنها طبيب نساء وتوليد أصابته الشيخوخة فما عاد يسعده صرخة طفل خرج من رحم أمه إلى رحم الحياة، أو عالم فيزيائي ما عاد يدهشه الكون بتفاصيله و تركيباته المعقدة، أو لاعب كرة قدم أصابه الملل من الجري وراء جلدة ليركلها بقدميه فقرر الاعتزال، لكن أمي لا تستطيع الاعتزال، في المطبخ أجزم أنني أصبحت أشتمُ أحيانا رائحة من اللامبالاة و الملل والضجر وربما الانتحار.

نعم فمنذ سنتين أو أكثر و أنا رغم علاقتي الحديثة بالمطبخ أحاول إعادة أمي إلى الملاعب كما يقال.

نجلس أحيانا لنتحدث تحكي لي عن جدتي، لا أتذكرها ولكنها تذكرني بأجمل أيام عمري، كانت أعوام تسعة وتسعين وألفين و ألفين وواحد، عندما كنا في الخليج، وأرجح ذلك لأمي؛ ببساطة أمي كانت سعيدة، كانت تلقي ببهجتها في أواني الطعام فتخرج لنا من قلبها أشهى الأطعمة، تمنيت لو يعود بنا الدهر عشرين سنة وتعود أمي لشغفها وبهجتها وصواني الطعام الشهية، وأعود أنا كما كنت إلى لهوي وكتبي وطفولتي.

منذ أيامٍ قليلة قالت لي أمي أنني سأعيدها لإبداعِها القديم، ضحكتُ، كنت سعيدًا جدًا بقولِها وقمنا نعد البهجة في مطبخها.

أما عن أبي فهو ما زال في الصالة يجلس مسترخيًا مستمعًا إلى أم كلثوم مدندنًا معها حينًا وصامتًا حينًا ومن حوله أبناؤه.

تمت..

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد